عدد القراءات: 11278

ما هو الدين القيم؟

 

لا يمكن للمرء ألا يعجب بأداء بعض فرق الإنشاد الديني السورية التي تغني الموشحات، سيما ما رسخ في ذاكرتنا منذ الطفولة، وارتبط بالمناسبات الدينية وشهر رمضان كجزء من شعائرهما، وطور بعض من هذه الفرق نفسه بحيث مزج الألحان بطريقة حديثة وأصبح مؤهلاً ليشارك بحفلات عالمية، وشكل نوع من الفن المحبب، وتعتمد كلمات الأناشيد غالباً على المدائح النبوية، فإذا سمعتها بمعزل عن معاني كلماتها بلغت منك مبلغاً من الإعجاب، لكن يمكن للقارىء أن يتخيل رأي الرسول محمد (ص) لو سمع المنشد يقول "آه يا جماله يا جماله – سيدنا النبي يا جماله" فهل كان مطلوباً من رسولنا أن يكون جميلاً ليبلغنا الرسالة؟ وهل يستطيع الرسول اليوم أن يستجيب لقول المنشدين "يا رسول الله خذ بيدي"؟ وهل منطقياً أن نستعين بغير الله وهو القائل عن محمد (ص){أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} (الإسراء 93)

 

قد يقول قائل "وما يضيرك في هذا؟ وأي خطأ في التغزل بجمال الرسول والاستعانة به؟" أقول لو أن الأمر يقف على نشيد أو قصيدة فلا بأس في هذا اللغو، لكن الأمر لم يقف هنا، فالرسول (ص) بالنسبة لنا أصبح يضاهي الله تعالى في المكانة، وأقواله وأفعاله اتخذت مقاماً في حياتنا بما يتجاوز التنزيل الحكيم ويضعه جانباً، وكما أن الإنجيل هو السيرة الذاتية للمسيح لدى المسيحيين، أصبح البخاري ومسلم أهم لدينا من كتاب الله، وتحول الإسلام من رسالة عالمية إلى الناس {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} (الأعراف 158) تحمل إليهم الرحمة وترفع عنهم إصر وأغلال ما أتى قبلها  {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ --} (الأعراف 157)، تحول الإسلام إلى دين أحكامه تناسب شبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي، وأتباعه كأهل الكهف يمر عليهم الزمن دون صيرورة، فإذا استفاقوا من نومهم وجدوا أنفسهم خارج العصور والأزمان، إلا أن أهل الكهف لم يحاولوا أن يعيدوا التاريخ إلى الوراء بل ماتوا حين لم يستطيعوا التأقلم مع الواقع الجديد، والرسول الأعظم مات بعد توقف الوحي وقد أدى مهمته على أكمل وجه، فبلغ التنزيل الحكيم  وتأكد أنه محفوظ كما نطقه، ووصى بألا يدونوا عنه أي قول  شخصي أو فعل، حتى أننا لا نجد ولا خطبة من خطب الجمعة منسوبة له، فيما خلا خطبة حجة الوداع، ورغم ذلك أبى السادة الفقهاء إلا أن نعيش في القرن السابع الميلادي ونحتكم إلى أموات، وبينما يكتشف العالم كواكب جديدة وتقنيات حديثة وعلاج لأمراض، نركد نحن في مستنقعاتنا نلوك فتاوى في جواز قيادة المرأة للسيارة من عدمه، أو هل الكلب نجس أم لا، ونتبادل أذكار الصباح والمساء لننجو بأنفسنا من النار، فيما لا يعنينا كل هؤلاء الفقراء في مخيمات اللجوء مثلاً، فنتمسك بالأحاديث كلها عدا تلك التي تحث على الصدقات والإنفاق.

 

وينعكس فهمنا الخاطىء للدين على كافة نواحي حياتنا كشعوب تسمى مسلمة، فترى المثقف السوري مثلاً يدعي العلمانية لكن لديه مشكلة مع حذف بند "دين رئيس الدولة هو الإسلام" وطبعاً الإسلام المقصود هنا هو بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، وبالتالي حرم من يؤدي صلاته على طريقة عيسى من حقه كمواطن في أن يصبح رئيساً، فيما تجده ذاته يعتبر أن حكم المرتد في الإسلام هو القتل وأن هذا الدين غير منصف، وتجد من يدعي التدين لا يقبل أن يترك جاره بشأنه إن أقام الصلاة أو لم يقمها، ولا يفهم أن هذا شأن شخصي لا علاقة له به، فالدين الذي بين أيدينا اليوم هو نسخة مشوهة عن الإسلام، ناسبت ما أراده الحكام والهامانات في العصور الغابرة، جعلت شخص النبي محور الرسالة، فلم تفرق بين محمد الرجل ومحمد النبي ومحمد الرسول، وانشغلت ماذا أكل وماذا شرب، وأضافت عليه صفات خارقة تجعله يتنبأ بما سيحدث في قادم الأزمان، ووضعت صحابته وأهل بيته في منازل قدسية فأصبح الرجاء يطلب من زينب، وسيرة معاذ بن جبل أهم من سورة البقرة مثلاً وما ورد فيها، واكتفي من التنزيل الحكيم بتصنيف آياته كطاردة للجن وجالبة للرزق، فإذا قرأت على أحدهم قوله تعالى  {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} (الكهف 29) أو قوله  {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة 217) أو قوله  {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (يونس 99) أي لا حد ردة في الدنيا، وسنة الله في خلقه الاختلاف وكل إنسان حر فيما يؤمن دونما إكراه، دهش المسلم لعدم علمه بذلك، فقد تكرس لديه ما تعلمه من دين آبائه، كذلك إذا علم أن حد الزنى هو الجلد ولا رجم في الإسلام، فنحن قبلنا بهذه الأخطاء القاتلة كأنها أخطاء شائعة في اللغة لا تغير ولا تبدل، وينطبق الوضع على كل ما يتعلق بالمرأة من حيث القوامة وتعدد الزوجات والإرث واللباس، وعلى علاقتنا بالآخر المختلف، لنكتشف أن إسلام التنزيل الحكيم مختلف تماماً عما تعلمناه، وأنه دين عالمي يقبل تحت مظلته كل من آمن بإله واحد وباليوم الآخر وعمل عملاً صالحاً  {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت 33)، وأن قوله تعالى  {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (يوسف 40) يظهر أن "القيم" ترتبط ارتباطاً مباشراً بالعبادية لله وحده لا لغيره، أي التحرر من كل أنواع العبودية والإكراه، لنا ولغيرنا، وكذلك في قوله  {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم 30) ففطرة الله التي فطر الناس عليها هي الحنيفية أي التغير وهي سنة الله في خلقه، وتظهر جلية في التشريعات الإنسانية التي تتطور لكنها لا تخرج عن الحدود الإلهية، فلا برلمان يشرع بعقوق الوالدين وكل البرلمانات تتراوح فيها عقوبة القتل العمد بين العفو والإعدام، وقس على ذلك باقي المحرمات، والرسالة الخاتم أعلنت أهلية  الإنسانية لتشرع لنفسها، في ضوء خطوط عريضة لا أكثر، والنبي محمد (ص) أقام أول تفاعل لهذه الرسالة مع الواقع، فنظم لمجتمعه واجتهد وفق الظروف الموضوعية القائمة، ولم يدع صلاحية تشريعاته لكل زمان ومكان، بل أتباعه من ادعوا ذلك في تقول صريح على الله وعلى رسوله، فحكم الله الملزمون به هو محرماته الأربعة عشر، وكلمته العليا هي الحرية لنا ولغيرنا، والصلاة هي صلة مع الله تحضنا على العمل الصالح، وتهذب نفوسنا وتريحها، لا تغني الله شيئاً لكنها تغنينا نحن، كذلك صومنا وحجنا، فيما تمثل الزكاة علاقتنا مع الناس، فإذا كانت العلاقة الشاقولية مع الله أساس في التقى فالزكاة تمثل البعد الأفقي لهذا الأساس  {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (البقرة 2-3) والرزق لا يقتصر على المال فقط، بل يمكن أن يكون علماً أو فناً أو أي مما آتاك الله.

 

وما حصل ويحصل أننا بعيدون كل البعد عن دين الله، وينطبق علينا قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (البقرة 170)، ودين آبائنا قاصر عن التأقلم مع الإنسانية، علينا تنحيته جانباً إذا أردنا الدخول في دين الله القيم، وما نراه اليوم من تطرف في العالم يمثل عودة الناس لدين آبائهم، بينما نرى دين الله في الطرف الآخر، لدى من دافع عن حرية النساء المسلمات بارتداء الحجاب، وحق المسلمين في الدخول لأي بلد كان، وهؤلاء المدافعون تصرفوا بإنسانية محضة، وبتجلٍ كامل لاحترام كلمة الله العليا في الحرية لك ولغيرك، فيما وصلت الفكرة للكثير من المسلمين على أنها دفاع عن الحجاب أو بتساؤل إن أسلمت مادلين أولبرايت أم لم تسلم، وسواء دخلت المصالح السياسية هنا أم لم تدخل، فإن القيم الإنسانية لا بد لها من أن تفرض نفسها، حتى لو رأينا انتكاسة هنا أو هناك، وإذا أردنا السير بركب الإنسانية علينا الانتقال من حالة نحن فقط إلى حالة نحن وأنتم.

 

التعليقات

احسنت

بوركت أخي رضوان ، فكل كلمة كتبتها صحيحة ، وهذا الشحرور أو بالأحرى هو غراب يدعي المعرفة بكتاب الله ، وهو يفسر الآيات الكريمة على هواه ،دون دراية أو دراسة أو فقه أو معرفة حتىى أنه يحمل النصوص ما لا تحتمله حتى لغويا ، فعليه من الله ما يستحقه .

من الطبيعي ان يوجد معلق مثل رضوان وهذه هي التعددية التي أشار اليها الدكتور ولكن في مجال صحة الاّراء من زيفها واضح جدا الحشرجه التي يعاني منها رضوان فهو كما يبدو لي متضايق جدا من الدعوه للتقدم ويعز عليه مغادرة الكهف فالنور الساطع مبهر خاصة لمن قضى مدة طويلة في الظلام لكننا نحن نرغب وبشده ان نخرج للنور ونعيش في القرن الواحد والعشرين ونتذوق حلاوة الاسلام الحنيف ووداعا للكهف المظلم

علِّق