عدد القراءات: 10765

الجهاد من حروب الغزو الى الجيش الوطني...المواجهة مع لعنة الحرب المقدسة

السؤال الذي يطرحه العربي عادة عند تلقي عنوان كهذا هو لماذا الآن؟

ومن هي الدول التي تقف وراء دراسة كهذه، وما حجم ارتباطها بالماسونية العالمية ومجمع النورانيين وأحجار على رقعة الشطرنج ومفاوضات أوسلو وجنيف وموسكو وكازاخستان.. وغيرها من أوهام التآمر العالمي الذي صار جزءا من تركيبة الدماغ العربي البائس في هذا الزمن الرديء..

لن أذهب للردود على أوهام كهذهـ، و حسبي أن أقول للقارئ الكريم ان الجيش الوطني الذي نحاول اصلاحه وتوأمة ما بينه وبين رسالة الجهاد، هو نفسه الجيش الذي تطاردنا محاكمه العسكرية باحكام الإعدام والتخوين والوعيد والتهديد.

وقناعتي أن تقاعس الفقهاء في إصلاح الجهاد، والرضا بالموروث التي نتناقله عن رسالة الجهاد هو الذي أدى إلى كوارثنا كلها، فظهرت التنظيمات الجهادية التي تطبق بالضبط ما علمناه لهم ومارست كل أنواع الفظائع، من قتل وسحل وحرق وغرق وقالت إنها تنفذ أحكام الجهاد، وتحقق مراد الله ورسوله، الذي جائنا بالذبح وهو الذباح الرحيم.

 

إن نصاً مثل "جئتكم بالذبح" ليس نكتة سمجة، وإنما هو نص حديث صحيح رواه الامام مسلم في صحيحه الذي تتفق مدارسنا الشرعية على أنه صحيح بالمطلق ولا يجوز انكار حديث منه، ومن أنكر منه شيئا فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة.

ولو قمنا بإصلاح الجهاد ودرسناه بمنطق حضاري في مدارسنا متسقاً مع القانون الدولي والتطور الانساني، لما جاءت داعش بكل هذه الفظائع التي ترتكبها كل يوم، وتضع على صفحاتها نصوص تأييد ما تقوم به من الكتاب والسنة وإجماع الامة...

لقد تعودنا أن نقول أن ما تمارسه داعش هو لون من الجهل والحقد والجنون، وأنه تشبه كل شيء إلا الفقه الاسلامي. ولكن هذه الدعاوى الفارغة لا تحل شيئاً من المشكلة، فالقوم يقولون بكل تأكيد أنهم يمارسون ما يريده الله ورسوله، وحين نتتبع ما يفعلون فإنك ستجد كل ما فعلوه من قتل وحرق وخنق وغرق وسبي وغزو وجزية منصوصاً عليه في الكتب الأولى، ونحن من درّسناه لطلابنا بأعصاب باردة وامتحناهم فيه، وبالمناسبة، فأبو بكر البغدادي دكتور في الشريعة وإيمان مصطفى البغا دكتورة في الشريعة وأستاذة جامعية، وأبو محمد الجولاني خريج شريعة، وإذا أردنا الحقيقة فإنه يجب أن لا نكذب على أنفسنا أو نختبئ وراء إصبعنا.

 

لقد خدعنا طلابنا

الجهاد الذي درسناه لطلبتنا في المدارس الشرعية هو جهاد "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة... وبذلك فقط يعصمون رقابهم ودماءهم" فالأصل هنا إذاً أن دم الناس هدر، و أن لا عصمة لدم انسان إلا اذا نفذ ما أمرناه به، وقاتلناه عليه.

 

-         لم نجرؤ في سياق تدريسنا للجهاد أن نقول أن نصاً كهذا لا يمكن على الاطلاق أن يكون صادراً من نفس المصدر الذي يقول "لا إكراه في الدين" ، "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا"، "فذكر إنما إنت مذكر لست عليهم بمسيطر"، "وما أرسلناك عليهم حفيظاً وما انت عليهم بوكيل".

-         لم نجرؤ في سياق تدريسنا أن نقول أن حديث "من بدل دينه فاقتلوه" هو كلام بلطجي تشبيحي، لا يمكن أن يكون صادراً من نبي كريم رسالته الدعوة إلى الحب والسلام.

-         لم نجرؤ في سياق تدريسنا أن نقول أن قتال أهل الكتاب "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" لا يمكن ان يكون مطلقاً في الناس، وإنما هو في حق جماعة معادية كانت موجودة في القرن السابع، وقد صارت عظامها وعظام محاربيها مكاحل ولا تلزمنا في شيء....

-         لم نجرؤ أن نقول كما قال عمر بن عبد العزيز "إن الغزو قد انتهت أسبابه ومبرراته، وعلى الجيوش الاسلامية أن تعود من الصين ومن الأندلس ومن القسطنطينية" لأننا لا يمكن أن نستمر في حربعلى العالم إلى الأبد...

 

 

عمر بن عبد العزيز الفاهم الحقيقي للجهاد:

عمر بن عبد العزيز؛ الخليفة الحضاري الشجاع لم يمهله الدهر -وربما بنو أمية- أكثر من عامين، ولكنه كان واضحاً في رسالته لإصلاح الجهاد وإلغاء الدور الايديولوجي للحرب، وفور توليه الحكم كتب الى مسلمة بن عبد الملك الذي كان يحاصر القسطنطينية أن يعود بجيشه فوراً، ولا شك ان برنامجه كان يستهدف فتح حوار مع الروم يحقق المصالح المشتركة، ولا أشك أبداً أن حوارات عمر مع الروم ستكون أجدى للبشرية من الحروب العثمانية في أوروبا التي تسببت في عشرات الكوارث الانسانية كان آخرها المذابح الاليمة في بلاد البلقان.

وفي الأندلس كتب عمر بن عبد العزيز للسمح بن مالك الخولاني يأمره أن يرتب انسحاباً كاملاً من الأندلس، يعود فيه المحاربون إلى أوطانهم، ويُفتح حوارٌ حقيقي مع الهياطلة والهون والغال في شبه الجزيرة الايبيرية، ولا أشك أن حوارات عمر كانت ستعود على البشرية بما هو أفصل من حكم الاندلس، وبالتالي ستوفر سلسلة حروب طاحنة استمرت ثمانية قرون، وانتهت بخروج مذل ومهين ومحاكم تفتيش إجرامية حقيرة وعذابات لا تنتهي للمريسكيين حتى يومنا هذا.

وأما في الجانب الشرقي من العالم الإسلامي فقد شكل عمر بن عبد العزيز لجنة قضائية عليا برئاسة القاضي محاضر بن جميع، الذي تولى التحقيق في ممارسات قادة الجهاد وعلى رأسهم قتيبة بن مسلم الباهلي، وفي حين ننظر إلى قتيبة على أنه أبرز أعلام الفتح فإن عمراً لم ير فيه إلا واحداً من ولاة الحجاج القساة الأكباد.

 ولو أن القدر أمهل الرجلين لكان لعمر بن عبد العزيز معهما شأن آخر، وقد أكدت المحكمة التي شكلها عمر أن الفتوح في سمرقند وما حولها من بلاد وراء النهر لم تكن تلتزم قيم العدالة الاجتماعية في الاسلام، وأن الحرب لم تلتزم أخلاقيات الحرب في الغإسلام المبنية على قول الله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا...."

أمر عمر بن عبد العزيز واليه  سليمان بن ابي السرى خليفة قتيبة بأن يسحب الجيوش من تخوم الصين، وتم انسحاب الجيش الاسلامي من سمرقند وما حولها، وبدلاً من الحرب فتح عمر باباً من الحوار والبرهان، وحين بدأ الناس يدخلون في دين الله افواجاً،عاد إليه قادة العسكر والمخابرات وقالوا يا أمير المؤمنين إن الناس يدخلون في الإسلام ولو تم ذلك فلن تكون لنا موارد الجزية، وهذا خطير على الأمة... يا لله .... أي دور أسود يمارسه العتاة المحاربون باسم الجهاد... وهنا غضب عمر وقال لهم : "ويلكم ... إن الله أرسل محمداً هادياً ولم يرسله جابياً"

نجح إصلاح عمر في تركستان نجاحاً تاماً، وغاب دور الجيوش، ودخلت شعوب وادي غزنة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وصارت طشقند وسمرقند وبخارى عواصم ملتهبة للحضارة الإسلامية، وأعيد استئناف طريق الحرير وتبادل البضائع والخبرات وكذلك الثقافات والحضارات ودخل الإسلام إلى سينكيانغ تركستان الشرقية ويعيش هناك اليوم مائة مليون مسلم، يدينون بإيمانهم وإسلامهم وإسلام آبائهم إلى إصلاحات الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز....

 

التكاذب والافتئات على مفهوم الجهاد

لقد ذهبنا نشكك في اصلاحات عمر بن عبد العزيز في وقف جهاد الطلب، واستأنفنا التمجيد بالفاتحين المحاربين مهما كانت الفظائع التي ارتكبوها ومارسوها، وكرسنا في نفوس أبنائنا شرف القتال ومجد الحرب وقداسة الفتوح والغزو، ولم نقبل أن يضاف الى هذه الحروب أي هدف نبيل الا القتال لتكون كلمة الله هي العليا وليظهر الاسلام على الدين كله!!

وكان غاية ما مارسناه في مواجهة هذا التراث أننا مارسنا التكاذب وبعض التجميل للنصوص القاسية اللامنطقية، فحديث "أقاتلهم حتى يدخلوا في الاسلام" يتم تأويله بأنني أقاتلهم ولا أقتلهم، يعني ألف المفاعلة تقتضي أن يكون القتال من طرفين، فاذن هو موقف دفاع، وفرض الجزية ليس إلا ضريبة بدل خدمة العلم التي يؤديها من لا يريد القتال....

أجوبة سخيفة لا تقنع أحداً، ولو كان القتال لدفع الاعتداء لكانت نهاية الحديث حتى يوقفوا اعتداءهم، وليس حتى يصوموا ويصلوا، ولو كانت الجزية بدل الخدمة العسكرية فلماذا يعطوها عن يد وهم صاغرون؟ ومن الذي ناب عنهم وافترض أنهم لا يريدون الدفاع عن اوطانهم؟؟

 

كان علينا ان نملك الصراحة والجرأة الكافية، وأن ندخل إلى درس الجهاد في الصف ونقول للطلبة هذا هو شكل الحرب التي كانت سائدة قبل عشرة قرون، وهكذا كان شكل العالم، وقد حاول آباؤنا ان يكونوا طيبين وعادلين وبالفعل نجح بعضهم وأخفق آخرون، وساعدتهم قيم الاسلام أن يكونوا غالباً رحماء، قال غوستاف لوبون ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب....

ولكن تجاربهم وقتالهم وحروبهم ليست إلا فصلا في تاريخ الصراعات الدامية، وفي هذا السياق أيضاً أدلتهم من المعقول والمنقول، وقد دفعت البشرية كثيراً من الحروب والدماء حتى وصلنا الى ما نحن فيه، وعلينا اليوم البحث عن العدالة في العلاقات الدولية، وبناء مصالحنا مع العالم على أساس من التشارك والسلم، وعلينا بناء جيوش قوية تحترم حقوق الإنسان والجوار وتوقع على كل الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنزاعات في الحرب ووجوب الحل بالطرق الدبلوماسية، وأما التاريخ فقد حسم القرآن الكريم فيه بقوله: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون"

وبالمناسبة فهذه الآية من أندر الآيات في القرآن التي نزلت مرتين في صفحة واحدة، وكأنه يريد أن يقول لمن لم يسمع "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون"

 

كتابي لفتح النقاش

هكذا أردت في كتابي الجديد ان نقارب موضوع الجهاد معتصمين بمواقف الأئمة المجددين من أهل البصيرة، الذين لا يؤمنون بالحرب ويؤمنون بالإنسان.

هل سينجح الكتاب في تغيير نظرتنا النمطية للجهاد القائمة على تمجيد الحرب وعبادة الفاتحين؟؟؟

أغلب الظن لا.... وسنكون غرضاً لحملة اتهامية قاسية تفضح روابطنا بالماسونية والصهيونية والإمبريالية والاستعمار.... ولكنه بكل تأكيد سيفتح باباً للحوار في المحظور، ومن يدري فلعل الله ياتي بأقلام أكثر منا إقناعاً ورجالٍ أكثر منا إقداماً، ونحقق لأهلنا وشعبنا ومدراسنا الدينية تحديداً، فهماً مختلفاً للحرب والسلام في سياق القيم العظيمة للإسلام.

التعليقات

رائع استاذ... ومهم جداً

اللمر ابسط من هذا يادكتور شبح الجهاد طلب ودفع الدفع هو للدفاع والطلب هو لنشر الدين الاسلامي ولايكون جهاد الطلب صحيحا الابعد ان تخير القوم بين ثلاث الدخول في ظل وحماية الدولة الاسلامية مقابل تمكين الدعاة ودفع الجزية اوهي السماح للدعاة بالعمل ونشر الدين طواعية وعدم التضييق على المسلمين فان رفض الخيارين فالحرب لابديل عنها وليس لاسلمة الناس بل لتمكين الدعاة من نشر الدعوة اما ماذكر من احكام جزية وسلب ونهب وسبي غيرها فهي تختلف باختلاف الزمان والعرف ولقد من الله علينا فرسول الله طبقها كلها وفق لحالة ومكان وزمان كل حادثة

سؤالي .... هل الغرض هو انكار اصل هذه الايات و الاحاديث و انها غير صحيحة ام انكار مفهومها لدى المسلمين ام انكار الاسلام القديم و محاولة اقناع المسلمين بأنها نزلت لزمن قديم ليس بزمننا ؟؟

علِّق