عدد القراءات: 2484

مشايخ في السويداء

* مصعب الحمادي

مصعب.jpeg
في عام 2003 زرت لأول مرة في حياتي مدينة السويداء، قصدت متحفها الأثري الجميل ثم عرّجت – بناءً على نصيحة أحد الأصدقاء – على المزار الديني الأهم في المدينة المعروف باسم "عين الزمان". تساءلت في داخلي عن سرّ اهتمام أبناء هذه المدينة بزيارة المزار ودبّ بي الفضول لمعرفة هوية صاحب قبرٍ يستقرّ في غرفةٍ تقع في إحدى زوايا الصرح. لقدا بدا لي أن كل تلك العقد من الأبنية والملحقات تلتفّ حول ذلك القبر. سألت الشيخ القيّم على المزار عن صاحب القبر فنظر إليّ بارتياب وسألني من أين أنا؟

 

خشيت أنه اكتشف بسرعة أنني "مندسّ" فقلت له مسرعاً "أنا درزي من لبنان"، وليتني لم أقل تلك العبارة فقد انهال عليّ الرجل توبيخاً وتقريعاً لأننا نحن الجيل الجديد – كما قال – نسينا ديننا وابتعدنا عن موروثنا. فكيف لي أن أجهل عين الزمان؟ "إنه أبي وأبوك وأبو الإنسانية جمعاء،" قال الشيخ غاضباً.  لم أسأل الشيخ سؤالاً آخر بل انسحبت من المكان بسرعة من دون أن ألومه على كلامٍ لم أجد فيه ذرةً من المنطق فقد تعودت على سماع كلامٍ وهلوسات مماثلة من رجال دين سنّة على منابر المساجد. المشكلة بالنهاية ليست بهذا الشيخ أو ذاك، المشكلة فينا؛ نحن الذين قعدت بنا الهمم عن إيجاد مرجعياتٍ فكرية ترتكز أقلّه على معطيات زماننا المتقدم باطراد وتنأى بنا عن عالم القسّ والشامان والشيخ والإمام الذين لا همّ لهم إلا سلبنا القدرة على الفعل الحرّ ورصفنا في قطعانٍ هائمة لا قانون لها إلا غريزة الاتباع الأعمى.

تحركت السويداء فجأةً في وجه الأسد أوائل عام 2015 واستبشرنا بحراكها خيراً مع تأجيلنا للعتب بالتأخّر. لكن الحراك لم تقوده تنسيقية من الشباب ولا جمعيةٌ من الثائرين ولا نقابة من المثقفين بل قاده – ويا للعجب – مشايخ! يبدو أن السنة ليسوا وحدهم من لديهم امتيازات امتلاك عرعور وأحمد حسون، فالمكوّنات الأخرى كذلك لديها امتيازات مماثلة. وهكذا أعاد التاريخ نفسه وبسرعة. فعندما بدا أن إدلب نفسها أصبحت على وشك أن تلفظ أدعياء الدين من مشعوذي القاعدة بعد دفع فاتورةٍ باهظة من الدماء تفتّقت العبقرية الوطنية في السويداء عن المشي في ركاب "مشايخ" فلم يكن صعباً على النظام أن يفجّر شيخاً غير مرغوب وينصّب بدلاً عنه مشايخ هم دائماً موجودين تحت الطلب كما في كل الطوائف.

وبين شيخٍ يحمل رغبات رعيّته وشيخٍ على مقاس النظام تعثّر حراك السويداء واضمحلّ تدريجياً، ودخلت المدينة بسرعة في فوضى تختلف بالحدّة والملامح وتتشابه بالمضمون مع الفوضى التي غرقت بها الثورة في الشمال السوري، بل إن حراك السويداء اتخذ مساراً جعله يبدو مجرد هبّةٍ عابرة سارعت على الانطفاء، لتعود قبضة النظام للمدينة، وتصبح الكرامة في خبر كان. لا عجب! فما بُني على باطل فهو باطل. إن الذاكرة الزاخرة للثورة تجد صعوبةً في تلمّس بعدٍ وطنيّ في حراك مدينةٍ يقودها "مشايخ" وخصوصاً بعد أن شهد السوريون الكوارث التي جلبها عليهم مشايخ سنة ضربوا حدود التكفير بين صفوف السوريين وفتحوا أبواب سوريا للأجانب تحت دعوى الجهاد فطعنوا الثورة في قلبها وأدموها بينما النظام يهللّ فرحاً. ماذا ننتظر من حراك شعبي وطني أطلق على نفسه اسم "مشايخ الكرامة"؟ هل الكرامة حصرٌ بالمشايخ؟ كيف سيلتقي شباب حلب والرقة ودمشق والسويداء ودرعا على قاعدة بناء وطن ما بعد الأسد إذا كان هؤلاء الشباب مجرد "رعية" عند شيخ الكرامة وقس المحبة وإمام السنّة؟

 

مصعب الحمادي: صحفي وكاتب
 

علِّق