عدد القراءات: 1583

الإرهاب باسم مكافحة الإرهاب

* رامي نصرالله

 

رامي نصر الله.jpg

  مع كل حدثٍ إرهابي يتجدد بروز مصطلح (الإرهاب) الجامع لمن لا يجتمعون إلا على محاربته، والمُبرر لكل عمل عسكري لا يُبرَّر دون ذكره، فكان الإرهاب سلعة العصر وداعم استمرار منظومته العالمية القائمة على الاستغلال والتنافس والحرب، مهما تقنَّعت بالإنسانية. وما الإرهاب إلا تلك السوق السوداء لعنفها المستتر، فتحارب باسمه نتاج سياساتها.

  وإنْ كان تاريخ ممارسة الإرهاب سابقاً على تعريفه العصري، فإن طرحه كمفهوم عالمي اليوم دون تحديد دقيق يفصِّله، ماهو إلا نية مسبقة بترك الباب موارباً أمام استخدامه، وللتنصُّل من أسباب وجوده. ومع أفول نجم الحركات الإرهابية غير الإسلامية كحركة إيتا الإنفصالية مثلاً، وعدم تضمين المفهوم لعنف المجموعات ذات البعد غير السياسي، وشرعنة عنف الجيوش النظامية. اعتُبر العالم الثالث والإسلامي خاصةً موطنه ومصدِّره.

 

وإنْ يتغذى الإرهاب المزعوم على التطرف الديني الإسلامي فمن أين يتغذى ذلك التطرف؟ حيث يقوم على استجلاب جيل شاب عاطل عن العمل أو مُبعد عن المساهمة في إنتاج حياته وتقرير مصيره، بعد أن حُشر الدين في زوايا الفقر محروماً من التعبير السليم عن نفسه كشأنٍ خاص لعلاقة الإنسان بإلهه، ليخرج من ثغرات الأنظمة الشمولية كأيديولوجية ثأرية دوغمائية، بتواطئ الأنظمة الحاكمة والغرب الداعم لنهبها شعوبها، ساهم في دعمه المال السياسي الجهادي وحلقات رجال الدين المتطرفين والمحطات الإعلامية الدينية على مرأى من الجميع. فأسَّس ذلك لأجيال متأهبة للجهاد ما إن تحين لها الفرصة، وتحمل تهمة إدانتها معها أمام أنظمتها المرتاحة لوجودها بهذا الشكل المدان عالمياً.

ومع فشل التجديد الديني في الشرق بما يتناسب مع تطور الإنسان وحياته، وعدم الأخذ بيده لإنجاح ذلك التجديد، استغل الغرب التطرف كسلاح يفيده في حربه، فاستقدمته أمريكا إلى محاربة السوفييت في أفغانستان بتحشيد جيشٍ من الشباب المتزمّت. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي لم ينته دوره، بل جُدد ليُستخدم في مكان آخر هذه المرة، لطالما لا يمكن للمنظومة العالمية الاستمرار بتبرير حروبها دون وجود عدوٍ مُفزعٍ وإنْ كان خفياً، بل لعلَّ تخفّيه جعل منه مناسباً أكثر للحروب العابرة للقارات، مترافقاً مع مفهوم صراع الحضارات، الأمر الذي أعطاه حقيقة مدعومة نظرياً أمام شعوب العالم.

  وبعد اندلاع ثورات الشعوب العربية بوجه واقعها، محاولةً نفض غبار تأخرها عنها، وإبعاد تنظيم القاعدة غير المناسب لهذه المرحلة عن المشهد، بدأت مرحلة جديدة من الإرهاب الراديكالي الأنسب لواقع الصراع الجديد، بعد أن ساهم الاحتلال الأمريكي للمنطقة في خلق بيئةٍ خصبةٍ له، وشكلتْ أنظمة ثأرية، ودفعت بأجيالٍ جديدة نحو واقع عدمي قهري يدفعهم لقهر الواقع بالعنف.

  وبالتالي نمى الإرهاب من فشل البورجوازية العربية في إنشاء دولة وطنية تتسع للجميع وتحميهم، تعطي الدين موقعه الروحي الطبيعي بدل تسييسه واستخدامه لتحشيد الشارع وتبرير شقائه، وتواطؤ السياسة العالمية معها ذات الخطاب الحقوقي المتناقض بين داخل وخارج حدودها، ناهيك عن سياساتها الاستعمارية القديمة، فهو بذلك ظلُّ فشل العالم وحقيقته التي ينكرها.

وما استمرار الغرب لسياسته العنفية إلا استمراراً لدعم الإرهاب باسم محاربته، فردّ فعل فرنسا على هجمات باريس كان بتكثيف القصف في الرقة السورية، أي إعادة تغذية حلقة الإرهاب. وسط استمرار ذياع صيت أفلام الإرهابيين الهوليودية في وسائل التواصل والإعلام المروِّج لها كقوة لا تقهر. واستمرار التغاضي عن الموت المجاني لآلاف الفقراء في إفريقيا وغيرها، ودعم حروب إسرائيل، والصراعات الطائفية، وضياع أجيال شابة متلاحقة دون أن يرف جفنٌ لعالم حقوق الإنسان.

  إذاً الجميع يدعم الإرهاب، يقتات بوجوده ويستدعيه وقت حاجته، وتقتات أنظمة العالم الثالث بالصورة المتخلفة لمجتمعها وباستمرار روابطه الدينية، فلا يمكن لها أن تستمر أو أن تقمعه إلا باستمراره كذلك، وما تَقدمه إلا تهديداً لها يدفعها إلى إعادته للوراء أكثر مما كان سابقاً وتكريس خوف الإنسان وقتله معنوياً، وذلك هو تعريف أصل الإرهاب، فالخائف يدفع خوفه بنشره، والمعدم يثبت ذاته بإبراز عدميته ليجلد ذاته بجلد العالم. ولا سبيل لبناء الإنسان إلا بدولة الحق والقانون دولته الحامية له والراعية لنموه نمواً إيجابياً سليماً، فذاك هو أساس استئصال الإرهاب في منبته، والذي يبدأ كفاحه من المنزل مروراً بالتربية والتعليم وحق الإنسان بالعمل الملائم وإعادة النظر حتى بألعاب الفيديو العنفية، وليس انتهاءً بحياةٍ راعية للفن والإبداع، مغذيةً خيال الإنسان بالجمال وحب الآخر لا بحياةٍ استهلاكية تنافسية يكسب فيها كلما خسر الآخر.

 

رامي نصر الله

ناشط وكاتب

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 1583

مقالات الكاتب