عدد القراءات: 6216

هل استطاع حافظ الأسد أن يكتب التاريخ؟

 

* عماد العبار 

 

يتناقل كثير من المهتمّين بالتاريخ مقولة "التاريخ يكتبه المنتصر" وهي مقولة لاقت رواجاً واسعاً في أوروبا مع ظهور الأنظمة الكليانيّة في الفترة ما بين الحربين العالميّتين، الأمر الذي كان يعكس انتشار أيديولوجيا تمجّد القوّة والفاشيّة في تلك المرحلة.. المقولة ترقى لأن تكون حقيقة مطلقة عند القائلين بها، وهي تعبّر فعليّاً عن فلسفة وفهم لتاريخ الصراعات البشريّة. ألهمت المقولة الوعي السياسي لكثير من السياسيّين والحكّام الذين مرّوا على المنطقة، والذين أرادوا أن يكون لهم دور في كتابة التاريخ، ومن أجل ذلك كان لا بدّ لهم أن يسجّلوا انتصاراً ساحقاً على جميع خصومهم..

لم تؤدِّ الرغبة الملحّة لكتابة التاريخ عند الطامعين في السلطة ذوي النزعات الفاشيّة إلى تحقيق أيِّ إسهامٍ حضاري يرتقي بالمجتمعات إلى واقع أفضل، بل كانت محض رغبة لتحقيق الأمجاد الشخصية، ولو اضطرّهم ذلك إلى تزوير الأحداث وكتابة الرواية الشخصيّة فوق جثث الآخرين وعلى أنقاض البلدان التي ستكون مسرحاً للصراعات..

لم يكن حافظ الأسد فريداً من نوعه على هذا الصعيد، لكن يبدو أنّه كان قارئاً جيّداً للتاريخ ومؤمناً بالمقولة إلى حدٍّ بعيد. خرج الأسد من قراءته للتاريخ بأنّه لن يتمكّن من بناء تاريخ شخصيّ دون القضاء على خصومه، وأنّه لن يتمكّن من تحقيق ذلك  بدون السريّة والتآمر والغدر بكل الطامعين بالسلطة، حتّى وإن كانوا رفاق دربه أو أقرب الناس إليه.. وإذا تتبّعنا سيرة الأسد منذ السنة الأولى للوحدة مع مصر وحتّى الأيام الأخيرة له في الحكم فإنّنا سنجدها سيرة مكتوبة بدماء الآخرين، فمنذ أن تمّ تشكيل اللجنة العسكريّة السريّة (التي أصبحت فيما بعد النواة الطائفيّة لنظام الأسد والتي استمرّت في إنتاج النظام إلى ما بعد قيام الثورة عليه) وأثناء صعوده باتجاه القمّة تخلّص الأسد الأب من معظم خصومه الذين كانوا يشكّلون تهديداً حقيقيّاً لسلطته أو انفراده في كتابة أمجاده الشخصيّة، فكان من أوائل ضحاياه صديقه محمد عمران من داخل التنظيم السريّ حيث تمّ استبعاده في فترة مبكّرة قبل أن يتم التخلّص منه في بيروت بعد ذلك، ثمّ كان الصراع الشهير بينه وبين صديقه الآخر صلاح جديد الرجل الأول في التنظيم والدولة بعد انقلاب الثامن من آذار؛ الصراع الذي انتهى بانتصار الأسد ممهّداً الطريق أمامه لحكم سوريا..

ساعدت الظروف الدوليّة الأسد في استكمال روايته للتاريخ في فترة الثمانينات، فبعد صراعه الدموي مع الإخوان المسلمين استطاع أن يستثمر الصمت الدولي لتوجيه ضربة قاصمة للمجتمع السوري، فقد كان يرمي إلى منع ظهور أية بوادر معارضة في المجتمع على المدى الطويل، وكان له ما أراد، وبعد سحقه لمعارضيه استطاع الأسد أن يلصق بهم كل تهم التآمر مع أعداء الشعب والوطن، بل وأجبر السوريّين على ترديد ذلك كشعار يقوله الطلبة في المدارس عند كل صباح : "أن نتصدى للامبريالية والصهيونية والرجعيّة.. وأن نسحق أداتهم المجرمة عصابة الاخوان المجرمين العميلة".. لم يتوانَ الأسد بعد ذلك عن التخلّص من أداته التي سحق بها السوريّين حين شعر منها تهديداً لسلطته المطلقة، فنفى أخاه الذي كان سلاحاً الأعنف في وجه خصومه خلال العقد الأول من حكمه، وألصق به أيضاً تهمة التآمر على نظام أخيه لصالح الخليجيّين والأمريكان، فكتب تاريخاً بدا من خلاله فارساً وحيداً في ساحة نضال تتكسّر على جسده نصال التآمر والغدر الآتية من كلّ حدب وصوب. . بعد ذلك، ومع استغراقه هو نفسه في روايته التي رواها، أصبحت سوريا بلداً ضئيلاً في عين الأسد وأصغر من أن يقترن اسمه باسمها كمجرّد حاكمٍ مرّ في تاريخها، سيّما بعد الانتصارات الإقليميّة التي حقّقها على خصومه على أرض لبنان. فأصبح معتمَداً على المستوى الرسمي أن يقال "سوريا الأسد" وليس "سوريا تحت حكم الأسد" !

يُنقل عن الجنرال الأمريكي الذي أشرف على حملة القصف ضد اليابان أنّه قال لمساعده: "لو لم تكسب الولايات المتحدة الحرب، لحوكمنا كمجرمي حرب" !  وهكذا كان الأسد مجرم حربٍ انتصر وفرض أمره الواقع بعد أن أبعد خصومه الواحد تلو الآخر، وكان حريصاً على تشويه تاريخهم وإلصاق أشنع التهم بهم، وحريصاً أكثر على الترويج لسماته التي لا يشاركه بها شخص آخر كأب وقائد وحكيم من حكماء العرب، وبنى لنفسه هالة من القداسة بين عامّة الناس، سيّما أولئك الذين لم يطالهم بطشه بشكل مباشر من أبناء الجيل الذي تشكّل وعيه مع انتصارات الأب الذي أصبح خالداً في أذهانهم بعد أن تمّ الترويج لفكرة الأبد..

لا غرابة، فالانتصار على أرض الواقع يفسح المجال لفرض مفاهيم الأقوى. ولا شكّ و أنّ شراسة الأسد وإصراره على تحقيق هدفه جعلا كثيراً من خصومه يستسلمون للأمر الواقع، فقد بدا التغيير في مراحل كثيرة ضرباً من المستحيل.. واستسلم غالبيّة السوريّين لمنطق الأقوى وآمنوا أنّ روايته للتاريخ هي التي ستبقى، وأنّهم سيعيشون معه الأبد وما بعد الأبد ربّما.. أمّا مؤيّدوه فلم تعد علاقتهم به مجرّد علاقة تأييد، بل وصلت حدّ التأليه، فيما بدا وكأنّه خضوع لسياسة أمنيّة ممنهجة كرّست عبادة شخصيّة القائد "الخالد" ..

بدا وأنّ الأسد المنتصر قد كتب التاريخ كما يريده فعلاً وقضي الأمر.. لكنّ درس التاريخ كان قاسياً هذه المرّة، حيث خرج أبناء "المهزومين" لهدم نظامٍ الأسد بأركانه وتاريخه وعقيدته وأخلاقه.. ثأر الأبناء لأجيال الهزيمة التي عمل الأسد على تركيعها وتشويه تاريخها. ولعلّ أهم فضائل ثورة السوريّين أنّها حطّمت المقولة والبديهيّات التي قامت عليها، فلقد أعادت ثورة الجيل الثاني والثالث من السوريّين فتح العديد من الملفّات التي كانت محرّمة لكونها تدين المنتصر وتحمل رواية الضحيّة المهزومة.. أعاد السوريّون فتح ملفّات حقبة حافظ الأسد بعد أكثر من عشر سنوات على رحيله. ها قد أصبح الناس ينظرون للأسد الأب من جديد كمجرم حرب.. لا كقائد خالد.. وها قد بدأت الضحيّة تروي رواية مختلفة للتاريخ على لسان أبنائها..

انتصر دم المهزومين هذه المرّة.. كما في كل مرّة..

 

 

*عماد العبار : طبيب وكاتب سوري

التعليقات

هذا جزء من الحقيقة

لا تنكروا على الأسد ما سمحتم به لأنفسكم من يقرئ مقالتك يرى بعين الأعور المقلوعة لقد ان كنت من طبقة كادحة فقيرة فقد كان للأسد الفضل في جعلك طبيبا فرغم كل ماذكرت لا تنسى ان الأسد دعم التعليم المجاني لكل السوريين و دعم قطاعات الصحة ليستفيد منها الغني قبل الفقير ولو اراد لملئ جيوبه و جيوب ابناء ابناء ابناءه بالمال دون ان تستطيع الاعتراض لا انت ولا احد فقد كان يستطيع فعل ما يريد دون منازع ولماذا تنكر على من علمك انه كان ابرع واحنك السياسيين بالعالم و هذا ما اقر به قادة الدول جميعا ربما كان هناك بعض الاخطاء و هذا وارد فلا وجود لمدينة افلاطون الفاضلة ولكن قياس مستوى حياة الفرد في سوريا ايام القائد الراحل بمستوى ارفى الدول كان لصالحنا نحن السوريين انك تكتب ناقدا الاسد و واصفا اياه بالاله عند اتباعه مستصغرا عقول الملايين ومستهزئا بها لا يا اخي السوري نحن لم نؤلهه يوما ولكن حبه لنا كان لا بد لنا ان بنادله بالحب هاد طبع السوري على ما اظن فرجاءا لا تنكر على الاسد حنكته و براعته و القوي هو من يعترف بقوة عدوه قبل ان يشمت و يفتري للحديث بقية BASEM ZEDAN فلاح سوري

علِّق