عدد القراءات: 3509

تجربة إلزامية في التعايش، عندما يجتمع مؤيد ومعارض في المنفى

 

* محمد كياري

 

ليس غريباً أن يحمل المهاجر انتماءه على ظهره و ينتقل به حيث يحل و يستقر معه إن هو استقر.

أعتقد و أؤمن بشرعية الرأي الآخر أياً كان شريطة أن لا يكون مُطعماً بالعنف أو مُروجاً لهُ.

سنة 2011 كانت بداية لانقسام المجتمع السوري عمودياً بشكل تدريجي إلى ضفتين، الضفة المعارضة و يقابلها أخرى مؤيدة، تدريجياً أيضاً بدأت علاقات كثيرة تتشابك بين أفراد الضفة الواحدة و تتراخى رويداً رويداً مع أفراد الضفة الأخرى، هذا إذا إهملنا اسقاطات التقسيم الطائفي الموجود أصلاً و آثاره على كل ضفة بحد ذاتها.

 

على مضض و بإهمال الكثير من التفاصيل، أصلُ محطة قطارات هامبورغ الألمانية بعد منتصف ليلٍ، حيث كنت أبلغتُ صديقاً لي هناك بقدومي ليستقبلني و نرتب بعدها الاجراءات التي يتوجب عليّ القيام بها، ما إن فتح باب العربة و نزلت، حتى وجدت صديقي هذا برفقة صديق آخر (أيهم) وهو شخص تربطني به علاقة عادية منذ سنوات الجامعة الأولى، لكن الشيء الوحيد الذي نعرفه كلانا أن كلاً منّا يميل لطرف في الحالة السورية.

تأخذ الصدفة على عاتقها بأن تكون طرفاً ثالثاً بيننا؛، بداية بأن نُسلم أنفسنا لمركز استقبال اللاجئين في نفس الساعة، ثم يتم فرزنا في المرة الأولى معاً إلى نفس الخيمة لأيام، و في المرة الثانية إلى مدينة أخرى،  ثمَ مُجدداً معاً إلى كامب مؤقت لعشرين يوماً.

الحديث عن معاناة الطريق كان جانباً من الحوارات التي تدور بيننا، و الجوانب الأخرى أغلبها تدور عن سوريا، فهو يعتقد أن ما جرى لا يشبه الثورة، و أن الشعب أغلبه فاسد و لا يستحق شكل حكم و حياة أفضل سوى ما كانت عليه سوريا الأسد.

بالرغم من بقائه في حلب تحديداً حتى مطلع العام الجاري، إلا أنه يؤكد عدم رؤيته لطائرات تُلقي براميل على أحياء المدينة، يحاول مثلاً اقناعك أنه رأى قناصاً من طرف المعارضة في أحياء حلب الشرقية. يمزح قليلاً و يقول لو اُستخدم السلاح الكيماوي  في حلب و غيرها من المناطق، لا شك ستكون " الأزمة قد خصلت".

 

نُكمل معاً، و يتغاضى كُلٌ منّا عن اختلاف أمزجة وقناعات الآخر، يتم فرزنا إلى ذات المنزل لنكون أمام تجربة تعايش جديدة، بالمُجمل أجد نفسي قادراً على تقبل فكرة التعايش إلى حد ما مع هذا الشخص لاعتبارات قديمة جمعتنا في مرحلة الجامعة، خصوصاً أنني لم ألحظ عليه عقلية التشبيح بل كان يقدم نفسهُ فقط كمؤيد.

 

إلى هنا، و بعد خمس سنوات من المأساة السورية أعتقد أنه لا بد لأي عاقل صاحب قضية وطنية أن يتناول موضوع التعايش كنتيجة حتمية للخروج من عنق الحرب،  أو أقلهُ تقبّل فكرة الحوار بين مؤيد و معارض و تجاوز مرحلة القطيعة. عملياً هذا الحوار و التلاقي ليس شكلاً من العلاقة بين النظام أو المعارضة عسكرياً أو سياسياً، إنما ببساطة شكل من اشكال استمرار الحياة المدنية.

بالنسبة لي كشخص يميل بقوة لفكرة معارضة النظام، و سبق أن أُعتقلت في سجونه لفترة محدودة و شاركت بالتظاهر، و عملت مدة جيدة مع شباب رائعين في الحراك المدني السلمي في حلب.

كشخص فقدَ أقارب كُثر ضحايا لرصاص النظام أو معتقلين و مُغيبين كان أحدهم شهيداً تحت التعذيب.

أخيراً كشخص مؤمن بمدنية الحياة في سوريا..... لا خيار لي إلا أن أقبل فكرة التعايش من أجل الاستمرار.

 

رُبما عندما تكون متواجداً في الغرب لا مانع في إسقاط مقارنات و لو بحد أدنى على حالة تقبل الآخر، على أقل تقدير تقبل أُناس دورهم بعد خمس سنوات من الحرب لا ضرَ و لا نفع لسبب بسيط هو بعدهم، وعدم فعالية تأثيرهم على الواقع السوري،  بعد ثلاثة أشهر من السكن مع هذا الشخص استطعنا أن يحتفظ كُلٌ منّا برأيهِ و ميلانهِ للطرف الآخر، أيضاً إلى حدّ بعيد استطاع كُلٌ منّا الاهتمام بالآخر و مساعدتهِ و تخفيف وطأة الغربة عنه لحدٍ ما.

تسمية الأشياء بمسمياتها هو أقصر طريق للوصول لصيغة تفاهم اليوم ضمن المجتمع السوري، لكن حتى الوصول لتوافق حول هذه المُسميات التي هي أصلاً شكل للعدالة المُفترض حدوثها.

قد لا يكون هناك مانع أن تعايش الأمر الواقع " مدنياً " و ليس سلطوياً أو عسكرياً على أي حال.

كتبتُ ما سبق لاعتقادي جازماً أن العودة للوطن قادمة لا محالة، و بالنسبة لي قد لا يفصل بيني و بين قرار العودة من ألمانيا سوى شعرة، لا يهم إن كانت لـ معاوية أو حتى لـ علي.

 


 

التعليقات

ولا لحظة فقدت الأمل من أنو بدو يكون في يوم يرجعوا السوريين يلاقوا الطريق المشترك .... هيك رح تبدأ من عند هدول الشباب الواعيين ومن جهة تانية وسيلة إعلامية تضوي على هيك قصة بتكون كتييير محترمة وفعلاً عندها هم أنو تكون سورية جامعة لأبنائها

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 13706

مقالات الكاتب

سوريون
سوريون
التعليقات: 0