عدد القراءات: 693

هل الدين قضية رابحة قدرياً..؟!

 

نشرت إحدى الشخصيات الدينية المعروفة على تويتر، إحصائية نسبها لوكالة الاستخبارات الأمريكية، أن عدد المسلمين قد ازداد خلال السنوات السبع الأخيرة بنسبة 3.3 % ، و أن عدد المسيحيين قد قل بنسبة 1.44 %، ولمح بآية "والله متم نوره" وطرح تصويتاً بسياق نشوة وفرح:

ما سبب زيادة أعداد المسلمين ؟

  1. كثرة الولادات. 2- انتشار الدعوة  3- الحرب على الإسلام.

 

ستدركُ بالفعل أنك تسرفُ بالأمل عندما تجدُ أعداداً كبيرةً مُحتفيةً بهذا السؤال وهذه الدراسة الطارئة التي لم يعرفها أحدٌ من الباحثين، ودواعي احتفائه بها.

إن العجز الشديد قد يولدُ الفرح والاستبشار بأي أمل، هكذا يقول علم النفس لكنّ ما لا يقوله هو أن يتم ليُّ المنطق ليُرضي ويعزز و يبرر هذا العجز، ربما أشياء أخرى تقول ذلك، مثل الاستغراق المفرط في الوهم.

قبل فترة اشتعلت حرائق في بعض مناطق فلسطين المحتلة، وأكلت الكثير من الغابات، وتفاعلت كثيرٌ من الشخصيات الدينية (وهذه الشخصية بحد ذاتها ) على أنه انتصار للمسلمين و الإسلام على اليهود على قرارهم منع الآذان.

حقيقة، إن منظور التقدم أو الربح والانتصار، يتحدد بما للعنصر البشري دورٌ في صناعته أو إحداثه، وليس بما يحدثُ بمفرده بفعل عوامل الطبيعة.

فمثلاً .. إذا فشلَت دولة ما في اختراع سلاحٍ متقدم، فهذا لا يعد أبداً انتصاراً لتقنية الدولة الاخرى، لأنها لم يكن لها يد بذلك أصلاً .. فشل تلك الدولة يمكن أن يؤثر بموازين القوى و يحافظ على استواء الدولتين في القوّة،  صحيح .. لكن ذلك لا يبررُ أبداً حدوث مفخرة ذاتية للدولة الأولى.

الأمر نفسه عندما نتحدث عن عاصفة طبيعية ضربت معسكرات دول تحتلّ دولاً مسلمة، هذا يغير بموازين القوى صحيح،  لكن ليس مسوغاً للفخر الذاتي أبداً.!

ما هي مبررات الاحتفال بفخر الصناعة المحلية للأسلحة، إن كان العدوّ قد هُزِمَ بفعل العاصفة و تقلبات المناخ أصلاً ؟!

ما هي مناسبة الاحتفاء بقضية الإسلام كقضية منتصرة، إن كانت الحرائق قد أكلت الغابات في أرض يحتلها عدو يؤمن بعقيدة مخالفة ؟

في الواقع .. ربما لدينا مبرراتنا الخاصة والمقنعة .. وغالباُ ما ستكونُ إمعاناً في جلد الذات قد لا ينتهي لفوره، إذا ما تناولناها.

 

***

ثانياً ..

يمكن اعتبار أن كثرة المنتسبين للإسلام تعدّ نصراً، إذا كنا نتحدث عن فترة انطلاق الإسلام الأولى بعد شهور من انطلاقه ..  لكن أن نتعامل اليوم مع معيار العدد على أنه كذلك ؟!  فتلك مشكلة .. بالفعل نحنُ من ندركُ أنّنا لا نشتكي الكمّ بقدر ما نشتكي الكيف .!

ولعلّ المثال الأبسط الذي يرسخُ في ذهن كل فرد، ويكفيه أن يكون متابعاً للأخبار و التلفاز .. و لا يشترط به أن يؤمن بنظرية المؤامرة حتى يلاحظه .. مدى قدرة اليهود على رسم كثير من ملامح السياسة العالمية وتجييرها لمصلحتهم على قلة عددهم، بفعل قربهم من موارد التأثير، و قدرتهم على بناء علاقات عميقة ومؤثرة مع أشخاص بمراكز قوة وتأثير، ويمكنه كذلك ملاحظة الفرق الهائل جداً بمئات الأضعاف مع اعداد المسلمين بحالتهم الرثة.!

 

ليس إيجابياً فعلاً .. الفرحُ بازدياد أعداد المنضمين إلى هذا الدين، سواء بالولادة أو بالعدول من دين لآخر لدين الإسلام، وهو على حالته الفوضوية هذه.

أتفهم أن ذلك لا يجبُ أن يكون محزناً كذلك، لكن على الغالب .. فإن كثيراً ممن يفرح .. يربطُ فرحه باتساع رقعة الدين بزيادة أعداد المنتسبين إليه، وبالتالي باقتراب الحسم بتضاؤل وزوال الخصم، و هذا الذي لن يحصل أبداً لاعتبارات وجودية وكونية.!

 

ليس إيجابياً أبداً الفرحُ بزيادة الكمّ، مع إهمال طبيعة وعي الكيف الذي سينضمُ إليه هذا الكمّ .!؟

القياس بالكمّ .. مؤشرٌ عن نوعية الوعي السائد، الذي يؤمن بالرقم أكثر من النوع.

 

فرقٌ كبيرٌ بين التفاؤل بالعدد، وبما سيكون عليه الأمر لو كان التفاؤل بقدرتنا على إعادة إنتاج وعي السكان الأساسيين لهذا الدين وفق النسق القرآني، والمفاهيم العقلانية - التي يرتبها القرآن في وعي الفرد - التي تحترم إنسانية الفرد، وتقدر قيمته، وتوجهه للاعتناء بجوهر وجوده، وتغرس فيه وعياً نبيلاً يجعلُ منه إنساناً مبادراً لبذر الأرض بالنهضة.

 

تصويرُ الدين .. على أنه قضية رابحة و محسومة قدرياً .. يعطي انطباعاً أنّ دور الإنسان مهمّشٌ وهامشي في عملية الربح هذه، وأنّ الدين ماضٍ في الانتصار والسيادة بتدخل بشري أو بدونه، وهو تصورٌ يُلغي غاية وجود الإنسان أصلاً في هذه الحياة، - (وهي التأثيرُ بانتصار قضية ومبدأ الدين، لا متابعته و مشاهدته و هو ينتصر.!) - وهذا تصويرٌ مخالفٌ لأدنى بديهيات الدين، علاوة على ما فيه من الفوضوية والعبثية، وخلط للنصوص بعضها ببعض.

على مثل هذه القوارع أتوقفُ عادة، وأتساءل  .. عندما نتأمل بواقع أفضل على ضوء هذه المعطيات، فهل نحنُ نسرفُ بالأمل فعلاً ؟

..

بالمناسبة ..

لقد رجعتُ إلى مختلف وسائل البحث العلمي، و إلى موقع الوكالة ذاتها فلم أجد إحصائية بهذه الصيغة أبداً.

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 5839

مقالات الكاتب