عدد القراءات: 2655

هل على الله أن ينصرنا في حلب و غيرها حقاً ؟

 

الله موجودٌ دائماً.. و يبصرُ الدماء و الأرواح المُسلمة و المظلومة، و هي تُزهقُ منذ بدء الخليقة و سيظل يبصرها حتى قيام الساعة، لكنه سبحانه سنّ سنناً و شرع قوانين ليعبُر عليها عباده إلى رفع الضر و الانتصار، و تغيير الحال لحال؛  و أطلعهم أنّها الطريقُ الوحيدُ الموصلُ إلى النّصر، أن لا ينتظروا حلول النصر في محطة أخرى.

الله سبحانه لا يكافئُ بالنّصر من سالت دماؤه بسبب تقصيره في الإعداد و تخلّفه عن السّنن، مهما صرخَ و نادى، و ظلّ على تقصيره. فالصراخ دون عملٍ أو إعدادٍ رميٌ مُبطّنٌ للتهمة على الله سبحانه عن عباده، و إخلافه بما وعد به، وفيه من الإساءة بالأدب ما فيه.

النصرُ .. إنّما يمنحه الله لعباده الذين بذلوا جهدهم بالإعداد، و التفتيش عن السنن الملائمة و تحقيقها، و لمن تصبب العرقُ منهم، و سالت دماؤهم برهاناً و إثباتاً على صدقهم بالتضحية، و جدّيتهم في طريق رفع الظلم و مدافعة الظالم، و على رغبتهم الحقيقية بتغيُّر الحال

 

في غمرة القصف و الدم ( تقول الناسُ و منشورات الفيس بوك المتعاطفة مع شهداء حلب ):

إن دماء المسلمين المظلومة في حلب، و دعاء الأيامى و الأرامل و الأيتام، لن تذهب هدراً أو سدى، و أن الله سينصرهم، و لو بعد حين، كونهم تعرضوا لقتل و سفك كبير في الدم بهذه الصورة المريعة، إلا أنّ سنن الكون تقولُ شيئاً آخر:

تقولُ: إن الله يختزنُ عنده دعوات المظلومين، و قضايا المضطهدين، ليأخذ لها حقّها ممّن ظلمها، في الدنيا أو في الآخرة، سواء كان الظالمُ هو العدوّ بشكل مباشر، أو ممّن كان بإمكانه أن يجيبَ تلك الدعوات  و خذلته ذنوبه و مشاريعه الهامشية بشكل غير مباشر.

كما أنّ السّنن تقولُ شيئاً آخر مهماً جداً، وهي أن الله يغير صورة الواقع، و ينتقم و ينزل نصره بواسطة عبيده أنفسهم، لا بقدرٍ استثنائيّ فجائي يأتي بغتة، عبيدٍ لهم مواصفات خاصة، يحققون شروطاً خاصة، و يلتزمون منهاجاً ومفاهيم خاصة، لم تكن حكراً يوماً عن أحد، أو محجوبة عنه، و لقد أشار الله لهذه المعادلة  بأكثر من موضع:

[ فسوف يأتي الله بقومٍ يحبّهم و يحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزّة على الكافرين ].

[ إن تتولوا يستبدل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم ].

 

***

إذاً .. الله سينتقم و سيستجيبُ دعوة من ظُلم، لكنّ ليس ضمن الموازين الحاليّة، ليس بهذا التشرذم والتفرق المُخجل، ليس بوجود الامبراطوريّات المصغّرة التي تتنازعُ على أرضٍ لم تتحرّر بعد.. ليس بالمواصفات الحالية.!

(كيف سينتصرُ فريقٌ إذا ما خمدت جبهتهم مع عدوّهم، أدوارها فيما بينهم، يتصارعون على النفوذ و السيطرة ؟)

ليس كلّ أفراد الفصائل السورية سواسية .. صحيح، و ما قد يرتكبه قائدٌ ما، قد لا يرتضيه أحدُ عناصره، و المطلوبُ هو النهي .. نهيُه عن ذلك، الوقوفُ في وجهه.. أن "كفى .. لقد بتنا في العام الخامس .. هل تريدُ أن تمتدّ لعامٍ آخر ؟!"

المطلوبُ هو التخلّصُ من الحالة المهيمنة، و هي القبول بالخطأ الممزوج بالركود، و السيرِ بغير خطة و مسار واضح المعالم

 

***

من عادة الحقيقة الواضحة أن يكون طعمها مراً ومذاقها سيئاً لأنها تصدمُ الجيل بعيوبه، و تحمله جريرة تردّي الحال و سوء الوضع، وعلى مرّ التاريخ  .. دائماً ما كان الناس يتأخرون في الاعتراف بها مكابرة، لما تحمِلها ضمناً بوجههم من اتهامات و تضييق على أهوائهم و نفوسهم فيما لو رضخوا لها.

و في بعض مراحل التاريخ كان المجتمع يفيءُ للطريق الصحيح، و يرضخُ للمعيار السليم، و بات يطرقُ الغايات من أبوابها الصحيحة، بعد أن تحاصرهم الظروف و تغلبهم أخطاؤهم، و يصبحَ الالتزام و الرضوخُ للمسار السليم هو الخيار الوحيد المتبقي إن أراد المجتمع تجنب الهلاك.

 

***

دعاوى المظلومين لن تذهب سدىً ... نعم، والديان لا ينام .. نعم، و سينزل نصره على السوريين .. نعم.. لكن ليس بصاعقة من السماء، و لا بملائكة مسوّمة، و لا بفيضان من البحر المتوسط، و إنما بواسطتهم هم، بعد أن يستفيقوا من وهم امبراطوريتهم المصغرة، و ينبذوا المشاريع الدخيلة، و تتوجه بنادقهم بالكلية جهة النظام.

على السوريين عامة، و قادة الفصائل خاصة أن لا يتوقعوا أن الله سينزلُ صاعقة تقتصُّ من الظالم و القاتل لشدة إجرامه و طغيانه، فيما هم ذاتهم قد أهملوا شروط النصر و التغيير.

ربّما في ظروفٍ استثنائيّة جدّاً .. و بآخر المطاف، قد يعاقب الله الظالم من فريق المضطهدين، المعنيُّ بتأخر النصر، ليستبدلهم بآخرين مناسبين و يصلحون لإكمال المشوار بنقاء و نظافة، مع من تبقى مكافحاً حياً من الشعب.

إلّا أنّه اللطيف .. الرحيم .. الحليم .. يمهل .. و يمهل .. و يمهل .. و تسجّلُ كتبتَه سائر ما يجري، و يتركُ العذابَ للخيارات الأخيرة، غير غافلٍ عما يقترفُ الظالمون.

لم على الله أن ينصرنا في حلب و غيرها ؟ إن لم نؤدِّ ما علينا مما طلبه بالفعل؟!

 

التساؤل عن تأخر نصر لم يُنتظرَ قطاره في المحطة الصحيحة، و لم يُطرق من بابه المناسب، و لم يُؤخذ بأبسط سننه .. إنما هو ( سوء أدب، و تحميلٌ لله مسؤوليات ليست من شأنه، و اتهامٌ مبطنٌ له بالتقصير )

 

التعليقات

ما شاء الله عليك... مقال رائع جداً ويستحق القراءة بتمعن.. ليته يصل لأصحاب الشأن

وافر الامتنان و الشكر

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 6378

مقالات الكاتب

الزمن السوري