عدد القراءات: 3111

خاتمةٌ لم أتعمد استنتاجها

 

طبيعيٌّ أن يكون التعامل مع المنطقة الجغرافية الكبيرة، والتي تحتضنُ دمشقَ من الجهة الشرقية، و تطل على أوتوستراد دمشق - حمص، وتحملُ ثأراً كبيراً موغلاً في الدم مع النظام أن تحظى تسويتها باسم مختلف التسميات الأخرى التي حظيت بها المناطق الأخرى، لاختلا ف موازين القوى بينها و بين تلك المناطق.

 الحديثُ عن الغوطة الشرقية، الإمبراطورية الثورية، والتي تحررت بالكامل مطلع عام 2013 وانفتحت بلداتها و مُدنها على بعضها نهائياً، لتغدو دولة صغيرة مستقلة، تديرها جذور الثورة، وسط دولة كبرى تديرها عصابة الأسد و مبادئ الاستبداد والطائفية.

"المسامحة" هو الاسم الذي انتشر في الإعلام وبين أهل الغوطة أنفسهم، كتوصيف للتسوية التي بدأ النظام بالترويج لها قبل أسبوعين بأساليبه الخاصة، ويتم إعدادها للغوطة الشرقية؛ على خلاف التوصيف الذي حملته تسوياتُ مدنٍ أخرى كالتل و خان الشيخ و الهامة وقدسيا، و تنوّعَ بين التسوية و المصالحة.

 

المسامحة مفردة لطيفة، و أقربُ إلى البعد الرحماني الإنساني الذي يمكن أن يوصفَ به سلوكُ فض الخلاف بين صديقين، منها إلى التوظيف الحربي. إلا أن الواقع الاستثنائي دفع بالاستنجاد بها هذه المرة، فالتعاملُ اليوم يتمُ مع جسمٍ مختلف.  

"المصالحة" هو المفردة التي تجنب النظامُ استخدامها هذه المرة، لما تحمله في ذاكرة الثوار من وقع سيئ و مذلّ كنموذج من نماذج المفاوضات، بعد أن خبروا جرائر تسويات حملت هذا التوصيف، إضافة إلى اختلاف الدوافع والظروف النفسية و الاجتماعية والأمنية المختلفة التي خضعت لها تلك الشرائح المجتمعية التي فاوضت و قبلت بالتسوية، وحالة الحصار و الضعف العسكري، قياساً بامتلاك النظام لأوراق ضغط كثيرة، منها المدنيون.

تلك الترسانة العسكرية الضخمة والمنغلقة على نفسها، الغوطة الشرقية، حيثُ لن يكون بمقدور النظام أن يستخدم في التفاوض معها مفردات على نظير "المصالحة – التسوية – حضن الوطن" هي من تفوقه اليوم أوراق ضغط و قوة.

إذ تشكلُ الغوطة الشرقية المحررة خطراً يهددُ دمشق بأكملها، تمتد مساحتها من وسط دمشق في جبهة جوبر وصولاً إلى طريق دمشق – حمص الدولي غرباً والذي سبق أن فاوض عليه ثوار الغوطة، وُصولاً لمطار دمشق الدولي، و مشارف القلمون الشرقي، متضمنةً لعشرات البلدات و القرى و النواحي.

ترسانة بحجم الغوطة خطرٌ كبيرٌ يهددُ نواة النظام الماثلة بالعاصمة، و يكاد الموقف الثوري للحاضنة الشعبية فيها يكونُ أشدّ حدة من موقف الفصائل المسلحة، لكونه يستندُ إلى المبادئ و الجذور الثورية الأولى، التي لا تخطئ العدو ولا الخطوات ولا الخيارات.

***

 

التسويات التي يلجأ إليها النظام عادة ما تعتمد على المدنيين كورقة ضغط رئيسية على حملة السلاح للتسليم أو الرضوخ لخيارات التسوية، وعند الحديث عن تسوية تخصّ الغوطة، تسقطُ هذه الورقة من يد النظام، لأنّ المدنيين الذين كان يستخدمهم سابقاً كورقة ضغط، هم ذاتهم اليوم الطرفُ الذي سيقوم بالجلوس معه للتفاوض على مستقبل الغوطة، استناداً لحجم الضغط والتأثير الذي تمتلكه الحاضنة في التأثير بالقرارات المفصلية التي تمسّ مستقبل امبراطوريتهم الثورية  المستقلة.

و من الجدير بالذكر أنّ الخلافات الأخيرة التي وقعت في الغوطة، و ما جرّته عليها من مآسٍ و خسائر بالأرواح و المناطق و المعنويات، و مماطلة أحد طرفيها فيها في الرضوخ للصلح، و سيادة جوٍّ من اليأس و السلبية و الغموض، قد صاغَ قناعةً لدى الأهالي، مفادها "اقلع شوكك بيديك" .. سيما بعد رؤيتهم فشل كافة المبادرات الخارجية التي طُرحت للصلح، و استمرار تدهور أحوال الغوطة؛   مما دفعهم كحاضنة شعبية إلى النموّ في هذا الفراغ الذي خلّفته الخلافات، والتغول في التأثير، لتبرزَ كجهة ضغط قوية، تمنحُ و تحجبُ الشرعية الثورية عن كل فصيل أو خطوة تخالف مبادئ و أفكار الثورة.

إذاً .. لقد كان لخلافات الغوطة وجه جيد .!  

( سيقولُ أحدهم مُواسياً و مُفائلاً بقضية يائسة، كفرَ بها كثيرٌ من قادتها يوم انحرفوا بها في حين كان بيدهم زمامُ إنجاحها، لولا أن قيادة امبراطورياتها المصغرة فاقت القضية في جذبهم واستقطابهم إليها )

***

 

في داريا .. لم تحمل التسوية الخاصة بها توصيفاً محدداً، لأن الموت المسكوب لم يسنح بفرصة للرسو على صفة تناسب التسوية التي خرج بها الثوار بعد ست سنوات من الحصار، في داريا كان الواقع أشخص و أوضحَ من أن يُحكى عنه، و لذا حافظت التسوية على اسمها الوظيفي المجرد "تسوية".

في الغوطة الشرقية .. قد يجلسُ النظام للمفاوضة بالأيام القادمة مع الفصائل في الكراسي الأمامية، لكنّ التفاوض الفعلي سيكونُ مع الحاضنة، من يقبعُ في الخلفية.

في حالتها لا يملكُ النظامُ أيّ ورقة ضغطٍ  إضافية على الفصائل، فهو لا يفاوضهم هم أساساً و إنما مع الجهة التي يفترض أن تكون الضحية، و يتاحَ له استخدامها كورقة ضغط، فيما لو كان يفاوض منطقة غير الغوطة.

في الغوطة .. لا حديث عن ضغط إضافي يمكن أن يلوح به، فقد سبق و أن مارس عليها كل أنواع العنف المُرهب، بدءاً من الحصار، الكيماوي، طيران حربي، مدفعية وهجوم أرضي، وختَمها بالطيران الروسي.

إذاً هو يفاوضُ مدينةً جرّبت كل أنواع العنف، وتربى ثأرها ببطء، يفاوضُ شيئاً استثنائياً سيضطره إلى التعامل معه بطريقة استثنائية.

***

 
 

" المسامحة " ..

لعله اسمٌ توخى النظامُ فيه الابتعاد عن التوصيفات التي سبق واستخدمها في مناطق أخرى وفق شروط مذلة، مثل التل و قدسيا و الهامة و خان الشيح؛ و التي تحملُ مدلولاتها صورة سيئة بذاكرة الثوار، و تعبرُ عن مفاوضات بشروط مذلة، بين طرفين أحدهما أقوى من الآخر، و يملكُ أوراق ضغط يحتاجُ إليها الثاني، تجنباً لاستفزاز غريزة الثأر و اللامبالاة في نفوس الثوار.

مع الغوطة منظور المصالحات يتعذر، لأن الحقائق تكذبُ دوافعه.!

فالمساحة المحررة من الغوطة واسعةٌ جداً، تعادل شطرَ محافظة إدلب المحررة، إضافة لسيطرة الثوار على مناطق حساسة، كأوتوستراد دمشق - حمص الدولي، وجبهات وسط دمشق "جوبر والعباسيين" وامتدادها على مساحات واسعة واكتفائها الغذائي والطبي، و انغلاقها وتكورها على ذاتها.

إذاً .. النظامُ لن يتفاوض هذه المرة مع طرف أضعفِ منه، و إنما يماثله في القوة أو أوراق الضغط على الأقل، و لذلك فضّل تجنب التوصيفات  المستفزة، إلى توصيف ألطف لعملية التسوية التي يعد لها؛ توصيفٌ يشعر ثوار الغوطة بأن كرامتهم و موقفهم الثورية لم تُمَسّ، وأنّ ما يجري هو نوع من المُسامحة وإعادة التعايش ثانية، لا تفاوضٌ بشروطٍ مُذلة.

***

 

في حال تم التفاوض الذي تقوم إعلام النظام بالتمهيد له، فإنه سيجلس لطاولة التفاوض مع أطراف جاءت لتنقل صورة، لا لتتخذ قراراً بالنيابة، وجلست على كرسيّ لتمثل روح الشهيد وأنّة  المعتقل والهتاف الأول وروح الثورة في نفوس أكثر من نصف مليون شخص لا يزالُ يحرسُ حلمه على ثغور وجبهات الغوطة، لا لتفرضَ على إرادتهم واقعاً جديداً، هم السعداء بآلامهم، المؤمنون بأحلامهم، الواثقون بقضيتهم.

"مسامحة"... هو التعبير الأقل استفزازاً، و الأكثرُ احتمالاً للقبول (من وجهة نظر النظام) لمن غرزوا سكيناً في خوفهم منذ اليوم الأول لتحرير الغوطة، و تذوّق مذاق الحرية، و باتوا يستيقظون كل يومٍ على دفن ثائر، و تلقين ابنه الحلم و طريقَ أبيه من بعده.

لقد أجبروه على التنازل في صعيد اللغة، و الرضوخ لحجمهم و قوتهم قبل أن يجلس للمفاوضات المحتملة، هو من لا

يبالي أصلاً بالتنازل عن أي معنى و قيمة مقابل الارتفاع و التقدم في صعيد الجغرافيا الملموسة، وتأمين المناطق بمحيط دمشق.

**

و كخاتمة لم أتعمد استنتاجها :

( قد يتخلى النظام عن اسمٍ و معنى لا تتربتُ عليه قيمة فعلية، مقابلَ أن يقدمَ له مصالح و منافع فعلية على الأرض وهو على استبداده، لكنّ ذلك تعذر لآخرين آمنوا بقضية الثورة ضد الظلم يوماً، ثمّ انحرفت بهم الأيام لخدمة مشاريع ثانوية بعيدة عن النقاء الأول، لم يُغلق أمامهم الباب بعد للرجوع، والخنادقُ بيوت المقاتلين لم تزل، والآباء يلقنون أطفالهم أحلام القضية كل يوم، قبل أن يتأخروا بالرجوع ذات مساءٍ ليتبين أنهم قد قضوا على التخوم، ودُفِنوا في الحياض على عجل. الثأرُ بلغ اللاعودة، وأم الشهيد عابسة، وروحُه تراقبُ من سيضجرُ من المدافع، و صرخةٌ حنجرةٍ بحرقةٍ، لم تنم منذ يومين في حلب، تذود عن حياضِ الشرق الغارقِ في السياسة، اختزلها أزيزُ البنادق بكلمتين: لن نسلّم .. لن نغادر )

 
 
 

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 6785

مقالات الكاتب