عدد القراءات: 5991

ذكريات منشق عن التلفزيون السوري


الحديث الآن عن الذكريات في التلفزيون السوري في هذه العجالة (التي تفرضها طبيعة المادة الصحفية)، سابقاً لأوانه بعض الشيء، ذلك أن حجم ما يحدث في تلك البؤرة يتطلب المجلدات لكشف عوالمه وأسراره الخفية.
غير أن ذلك لا يمنع من التذكير ببعض الأحداث والوقائع التي أزعم أن بمقدورها إعطاء فكرة عن تلك الأجواء المستورة والمفضوحة بآنٍ معاً.
إن كل من أتيح له العمل يوماً في تلك البؤرة لديه الكثير من المعلومات والحوادث والوقائع والأسرار والفضائح عن عالم الفساد الذي يلفها إلى الدرجة التي لا يمكن فيها أن تتخيل أن أحداً ممن عمل هناك لم يكن شريكاً بهذا القدر أو ذاك في هذه اللعبة القذرة عن حسن نية أو سوئها، بالرضى، أو بالتواطؤ والإكراه.
للفساد هناك أشكال عدة منها ما يتعلق بالجانب المادي حيث الأبواب مشرعة للسرقة والتزوير والرشوة بأشكالها والابتزاز، ومنها ما يتعلق باستغلال الراغبين بالدخول إلى تلك الأجواء المبهرة لمن لا يعرف حقيقة ما يحدث في كواليسها.
كل ما سبق شيء، والحديث عن ارتهان هذه البؤرة لعالم المخابرات السورية شيءٌ آخر تماماً.
يعرف العاملون في التلفزيون السوري جيداً أنهم يعملون وسط بيئة لا تختلف كثيراً عن بيئة أي فرع مخابرات سورية، من حيث كونهم مراقبون في كل تصرفاتهم الاعتيادية، وأن زميلهم الآخر في العمل يجب أن يكون بالضرورة تابعاً لجهاز مخابرات ما، حتى لو لم يكن كذلك فعلاً.
الأمر الذي يؤدي إلى أن كثيرين بعد تجربة عمل طويلة مع بعضهم لا يعرفون شيئاً عن خصوصية تفكيرهم، لأنهم محكومون بالشك أولاً وقبل كل شيء.
وسط هذه الأجواء الداخلية التي يعيشها العاملون في التلفزيون السوري، اندلعت الثورة السورية في شهر آذار عام 2011 وامتد لهيبها إلى المدن والبلدات السورية بالتتالي، وكان علينا (نحن العاملون في تلك البؤرة) أن نستعد نفسياً للتعامل مع تلك الأجواء الجديدة التي فرضتها هذه الثورة:
كيف سيكون الحال مع تلقي الأخبار من الخارج، وكيف سيكون تعامل التلفزيون مع هذه الأخبار، كيف سينقلها ويقدمها للعالم، وما هي عواقب القراءة الأخرى غير المتطابقة مع القراءة الرسمية، وما مصير النظرة الموضوعية والحيادية والمهنية من كل ذلك؟!... أسئلة بدأت تلقي بظلالها على الجميع، وبدأت الأجواء في داخل هذه المؤسسة الضخمة بالتوتر والاستنفار الذي أخذ يزداد يوماً إثر يوم وفقاً لمجريات الأحداث على أرض الواقع الميدانية، حيث المظاهرات السلمية الأولى أفقدت السلطات صوابها، وألجأتها لاستخدام العنف منذ اللحظات الأولى.
بدأت الوجوه بالتغير، والعيون، والآذان، ازدادت الحاجة إليها في مهمات عمل إضافية، صار المطلوب الآن من المخبرين العمل الإضافي، بطاقة أكبر من طاقاتهم الاعتيادية، لأن الوضع لم يعد محتملاً من قبل السلطات الأمنية التي تدير العمل في التلفزيون من خلف الستار، عبر أزلامها الذين يلبسون ثياب العاملين في كل الاختصاصات.
بدأت عمليات التشكيك، والاصطياد، والاستدراج، والتأويل للكلمات والمواقف، وبدأ شكل آخر من الثورة يندلع بين أروقة هذا المعسكر الأمني الكبير.
من كانوا مكشوفين بارتباطاتهم المفضوحة مع الأجهزة الأمنية من مخبرين، لم يكونوا يشكلوا خطراً على أحد لأنهم معروفون للجميع، غير أن الخطر الحقيقي ظل يتمثل بتلك الخلايا المخابراتية النائمة التي يمكن لها خداع البعض، واستدراجه في الحديث تعقيباً على حدث هنا، أو تعليق هناك.
منذ الأسابيع الأولى بدأت عملية الاستدعاءات الأمنية لبعض المشكوك في ولائهم من العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وكانت التحقيقات تنصب على استفسارات بسيطة في ظاهرها، قد يكون أهم ما فيها بث الرعب في النفوس، وإيصال رسالة للآخرين مفادها أنكم جميعاً في قبضتنا.
كيف كانت الأجواء في ظل هذه القبضة؟!....
الذين انحازوا إلى خط الثورة والشعب بدأوا فيما بينهم لغة خاصة في التواصل، وتكثفت اللقاءات الحذرة في المكاتب، وحين تكون تلك الجلسات خالية تماماً من عملاء النظام المكشوفين أو المحتملين، فإن الأحاديث كانت تدور بمنتهى الوضوح والمباشرة.
السؤال التحدي الكبير الذي كان يواجه أياً منا في تلك المرحلة الأولى:
ماذا علينا أن نفعل في حال تم تكليفنا بعمل ما (برنامج، أو تقرير) مطلوب فيه منا تزوير الحقيقة، خاصة أن الرفض المباشر غير وارد إطلاقاً، ويعتبر ضرباً من الجنون؟!...
  أذكر هنا حادثة شخصية من خلال البرنامج الذي كلفت به مع عدد آخر من الزملاء بعنوان: سوريا شباب.
كنت أعد للحلقة المخصصة للحديث عن الإعلام السوري، وهو عبارة عن ندوة تلفزيونية مسجلة لمدة ساعة، من المفروض أن أستضيف فيها عدداً من الإعلاميين السوريين يمثلون الإعلام الرسمي، والخاص، المقروء والمرئي والمسموع، ومن أجيال مختلفة.
ضيفي الأساسي الأول الصحفي إياد عيسى من جريدة تشرين، وقد اتصل به للمشاركة في البرنامج كضيف، المشرف على البرنامج (معن صالح) معاون المدير العام للتلفزيون يومها.
وكنت اتصلت بدوري بعدد من الأصدقاء والزملاء الصحفيين للمشاركة، أذكر منهم على سبيل المثال: إياد شربجي عن مجلة شببلك، حمود المحمود عن مجلة الاقتصادي، لينا ديوب عن جريدة الثورة، وآخرين.
قبل موعد تسجيل الحلقة المتفق عليه اتصلت بالصديق إياد عيسى للتأكيد على الموعد، فأبلغني أنه يعتذر عن الحضور، استفسرت منه عن السبب، فقال بالحرف الواحد: لن أمنحهم شرف الظهور على شاشتهم إن لم يكن اللقاء على الهواء مباشرة.
أبلغت معن صالح باعتذار اياد عيسى عن الحضور، وطلبت منه أن يؤمن لي ضيفاُ بديلاً للحلقة.
في هذه الأثناء وأنا في مكتبه دخل صديقه عصام داري المدير العام السابق لجريدة تشرين، فعرض عليه المشاركة، ووافق فوراً.
قبل موعد التسجيل نشر الصديق إياد شربجي على صفحته في الفيس بوك أنه يتوجه الآن للتلفزيون السوري للمشاركة في برنامج عن الإعلام السوري، وقد طلب رأي متابعيه في هذه الخطوة.
لم أكن أعلم شيئاً عن هذا الذي فعله لو لم يخبرني به معن صالح حين قال: ما رأيك بكلام صديقك إياد شربجي على الفيس بوك؟!.
ذهبت إلى الاستديو للقاء المشاركين الذين بدأوا الوصول تباعاً إلى المبنى، بينما ظل عصام داري ينتظر في مكتب صديقه معن صالح ريثما أطلب منه الحضور الى الاستوديو.
أول الواصلين حمود المحمود الذي بادر لسؤالي عن المشاركين في الحلقة، فأخبرته أن عصام داري أولهم، فاعتذر مني وطلب المغادرة فوراً، سألته عن السبب، فقال: كيف يمكنني مواجهة عصام داري وهو الذي حين أصبح مديراً عاماً لتشرين فإن أول قرار اتخذه هو طردي من الجريدة؟!...
بعد ذلك وصل اياد شربجي، وكان متردداً جداً في المشاركة، وسألني رأيي: هل تنصحني يا صديقي؟!.
قلت: طبعاً، وكن على ثقة يا إياد فأنا المسؤول عن الحلقة، لكن الاثنين تراجعا و قررا المغادرة فوراً
أثار انسحاب حمود المحمود واياد شربجي وقبلهما عدم حضور اياد عيسى شكوك الآخرين، وبدأ خطر عدم تسجيل الحلقة يحاصرني.
بذلت جهوداً حثيثة مع من تبقى ممن حضروا لتسجيل الحلقة، ومن أجل هذا بدأت الدردشة معهم بغية وضعهم في المحاور التي أريد إدارتها في البرنامج.
من خلال هذه الدردشة كنت أريد تحريضهم على قول كل شيء، معتمداً على المقولة التي تم إبلاغنا بها من قبل إدارة التلفزيون في اجتماع سابق أنهم لن يضعوا قيوداً أو حدوداً أمام أي أحد، ولا سقف لكلام الناس سوى: الوطن، وبشار الأسد.
لم يستطع المشاركون في هذه الدردشة التقاط هذه النقطة (بسبب الخوف وعدم الثقة بي أساساً)، باستثناء لينا ديوب من جريدة الثورة فقد التقطت بحسها المخابراتي العالي أن هناك شيئاً غير مقبول – برأيها – وهو ما حاولت التعبير عنه أثناء التسجيل حين خرجت عن الموضوع عدة مرات بهدف إفشال الحلقة، إلا أنني استطعت إدارة الحوار في الكونترول مع المذيعة وتوجيهها حتى انتهت الحلقة على خير أخيراً.
أثناء التسجيل تم التطرق بجرأة لعدد من النقاط غير المألوفة في التلفزيون السوري، منها قول عصام داري على سبيل المثال: أنا شاهد من خلال تجربتي في الإعلام السوري لمدة تزيد عن الثلاثين عاماً على أنه إعلام فاسد بدليل أن الكلمة لا يمكن أن تظهر إن لم تكن مدفوعة الثمن، ثم أردف مصححاً، ولكن الإعلام السوري فيه الكثير من الشرفاء بدليل أننا نناقش مثل هذا الأمر الآن.
بعد التسجيل هناك المونتاج، وعرض الحلقة على الرقابة أولاً، وبعدها يتم إدراجها في جدول العرض.
تمت الأمور إلى أن وصلت إلى معن صالح المشرف على البرنامج، الذي سأل مراقب الحلقة عنها، فأخبره بعبارة عصام داري عن الفساد في الإعلام السوري.
فطلب مني حذف هذه العبارة فوراً، فقمت بتذكيره بوعدهم السابق عن الحرية الجديدة التي ينوون اتباعها في برامج التلفزيون السوري من الآن فصاعداً.
صمت، ثم قال: طيب.
أدرجت الحلقة في موعدها المحدد للعرض، ونشرت على صفحتي كلاماً عن موعد بث الحلقة، وطلبت الرأي فيها.
قبل موعد بث الحلقة بنصف ساعة بالضبط طلبني معن صالح، وأمرني مجدداً بحذف الكلام الخطير فيها عن الإعلام الفاسد.
نفذت أوامره فوراً بالحذف، وبثت الحلقة ناقصة، وحين انتهت ذهبت إلى مكتبه، وقلت له كلمة واحدة:
أرجو إعفائي من البرنامج.
فقال لي كلمة واحدة أيضاً: أعفيتك.
لم يعلق بشيء، ضيفني فنجان قهوة، وتابع توقيع بعض الأوراق، إلى أن فاجأني بالسؤال:
أي فرحان لماذا طلبت الإعفاء؟!.
قلت: بصراحة يا أستاذ يوم أمس تم إعفاء سميرة مسالمة من عملها كمدير عام لتشرين بسبب الدمعة التي نزلت على خدها في اللقاء التلفزيوني، وأنا كما تعلم أضعف من أن أتحمل عواقب خطأ يقع في برنامج لذلك طلبت هذا.
غادرت المكتب، وكان هذا آخر عمل لي في التلفزيون السوري، سبق خروجي من دمشق إلى القاهرة بتاريخ 11-6-2011 لأعلن من هناك بعد عشرة أيام انشقاقي عن هذه البؤرة القذرة التي تدعى التلفزيون العربي السوري، وكان لي شرف الريادة في تلك الخطوة التي اعتبرها كثيرون جنونية أكثر مما يحتمل خاصة أولئك الذين كانوا يعلمون أنني تركت أسرتي هناك في الوقت الذي بدأت فيه من القاهرة الظهور على القنوات التلفزيونية لمواجهة النظام المجرم وفضح أكاذيبه باعتباري خرجت للتو من ذاك المطبخ.
أخيراً وعودٌ على بدء، أذكر أن كل الأصدقاء الذين كنت أتشرف باللقاء والاجتماع معهم داخل المكاتب، قد انشقوا عن هذا التلفزيون. لهم التحية أينما كانوا، والأمنيات بالعودة إلى سوريا الحلم الذي أرغمنا على الخروج منه جميعاً.

علِّق

مقالات الكاتب