عدد القراءات: 6214

بين مجزرتين.. أين تكمن المشكلة؟


بعد مرور شهر وثلاثة أيام على وقوع مجزرة تشارلي إيبدو في فرنسا، وقعت المجزرة المصغّرة في جامعة تشابيل هيل في ولاية كارولينا الشماليّة والتي راح ضحيّتها ثلاثة من الطلبة المتفوّقين من المسلمين.. تناولت بعض وسائل الإعلام الغربيّ الحادثة بكثير من الموضوعيّة ! فقد اقتضت موضوعيّة صحيفة وول ستريت جورنال، على سبيل المثال، أن تعيد تكرار بعض الأقاويل الضعيفة التي لا يمكن لعاقل أن يصدّقها، كالحديث عن الخلاف بين القاتل والضحايا حول مكان ركن السيارات ! وهو ما ردّده محامي الدفاع عن الشيطان (القاتل) في ردٍّ أوّلي على الحادثة..
الجريمة، باختصار، ما هي إلا حصيلة للضخّ الإعلاميّ الغربي الموجّه ضد ممارساتٍ تُحسب على المسلمين ولا يقبلها غالبيّـتهم. بعض هذه الممارسات يحتمل أن يكون وراءها اختراقات استخباراتيّة تسعى لتشكيل موقفٍ سياسيّ مطلوب أو إلى تغيير واقعٍ سياسيٍّ قائم، دون أن يكون الهدف من كلامي هذا التنصّل من حقيقة وجود أخطاء أو جرائم يرتكبها مسلمون، على اعتبار أنّهم بشرٌ  !
هذا الضخ الإعلاميّ يقابله تبريرٌ لجرائم تحدث ضد المسلمين، وتهاونٌ في معالجتها، وتهوينٌ من خطورتها، واستبعادٌ لعنصر الكراهيّة الموجّه ضد أتباع ديانة بأكملها.. حيث غاب عن الإعلام تناول الكراهيّة والعنصريّة التي لم يسعَ القاتل في جريمة تشابيل هيل لإخفائها في صفحته على الفيس بوك، في حين أنّ هذا الإعلام كان، وفي كلّ مرّة، قادراً على تحديد هويّة القاتل وديانته، في العمليّات التي يقوم بها ممّن يحسبون أنفسهم على الإسلام، على الرغم من أنّ غالبيّة العمليّات من هذا النوع كان يقوم بها ملثّمون ولا يتمّ تبنّيها من بعض الجماعات إلا بعد فترة من الزمن !.. عموماً، وللإنصاف، لا بدّ من الإشارة إلى التغطية الجيّدة التي قامت بها السي إن إن للجريمة مع الاهتمام بتوضيح أبعادها، ولو أنها لم ترقَ إلى مستوى تغطيتها المكثّفة في حادثة تشارلي إيبدو..
للأمانة، ليس الإعلام الغربي ما يشغلني الآن، فهو يقع في الحيّز الذي لا نستطيع تغييره، ربما يصلح الحديث عنه للشكوى لا أكثر ! فلماذا علينا أن نتوقّع الإنصاف من إعلامٍ لا يمثّلنا إن كنّا لا نحصل على شيءٍ من هذا الإنصاف الذي نطلب من إعلامٍ يمثّلنا ! يقودنا هذا السؤال إلى سؤال آخر: هل نملك في هذه المنطقة إعلاماً يمثّلنا؟ والسؤال الأهم الذي يتوجّب علينا التفكير به: هل لدينا إعلام من الأصل؟!
في حقيقة الأمر ، ليس لدينا إعلام حياديٌّ غير مسيّس، وإذا أردنا أن نكون موضوعيّين مع أنفسنا علينا أن نعترف بأنّه لا يحقّ لنا حتّى انتقاد إعلام الغرب ! فهذا الإعلام العربي بين أيديكم، مرئي ومسموع ومكتوب، إذا استطاع أحدكم أن يحضّر مادة مقروءة أو مسموعة، لا تتطابق مع التوجّهات العامّة لمالكيه ومموّليه، فليرمِ بقيّة العالم بحجر !
واقعنا أسوأ بكثير ممّا نعتقد، وإذا أردنا أن نصفّي حساباتنا فعلاً مع الأطراف المتحيّزة، فأعتقد أنّ أشدّ المتحيّزين ضدّ العرب والمسلمين هم من العرب والمسلمين أنفسهم ! فلا يوجد مثقّف غربي يحتقر ثقافتنا بقدر احتقار بعض مثقّفي العرب لأصولهم وثقافتهم الأم.. ولا يوجد سياسي غربي يحتقرنا بقدر احتقار كثير من سياسيّنا لنا..
مشكلتنا ليست في الغرب إذن، بل في من يمثّلنا أو يدّعي تمثيلنا.. هؤلاء تسابقوا جميعاً: وزراء خارجية، وفود، رؤساء وملوك، للتعبير عن تضامنهم مع ضحايا الإرهاب في تشارلي ايبدو، وشارك بعضهم في المظاهرة المشهودة في باريس، تضامناً مع الأمّة الفرنسيّة.. لكنّهم لم يحرّكوا ساكناً بخصوص ضحايا تشابيل هيل، أو غيرها من الوقائع التي استبيحت فيها دماء وكرامة ابن هذه المنطقة.. وتبقى الإساءة التي يسبّبها سياسيّ عربي (يعظّم إنسانيّة الآخرين ويحتقر إنسانيّة الشعب الذي يفترض به تمثيله) هي المهانة الأكبر، و لا تعادلها أيّة إساءة قد تصدر من خصم أو كاره لهذه الشعوب..
الحلول كلّها تبدأ من هنا: من إعادة بناء الذات الكريمة، ومن مواجهة الحقيقة، ولهذا السبب ثارت الشعوب على أنظمتها.. أمّا الشكوى من الغرب وإعلامه فلا تنفع ولا تعيد لنا كرامتنا المهدورة على يد بعضنا..
 

 

علِّق