عدد القراءات: 11429

برلمان سوري.. افتراضي

لم يُتَح للسوريين أن ينتخبوا برلماناً يُمثلهم سوى في الخمسينات من القرن الماضي ولفترة قصيرة جداً؛ سرعان ما أطاحت به الانقلابات العسكرية المتوالية؛ التي قام بها ضباط منفردون؛ ثم قام به ضباط حزب شمولي قومي على غرار حزب الجنرال هتلر.
الانقلابات العسكرية في العالم الثالث.. بدأت من سوريا؛ إنها براءة اختراع سورية للأسف؛ سرعان ما تداولتها بلدان عربية غيرنا؛ و في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
براءة الاختراع الثانية؛ خرجت أيضاً من عباءة العسكر؛ من حذاء الجنرال القائد الأوحد في كوريا الشمالية؛ وعربياً.. كانت أول ثمارها في سورية: التوريث الملكي لجمهورية دستورية؛ ثم.. في أذربيجان؛ وسواها من جمهوريات العسكر في شرقستان الكبرى؛ المُمتدّة في العقل الجَمعي؛ و في التاريخ؛ حتى كادت تترسخ دستوراً غيرَ مكتوب؛ لولا أن الربيع العربي قد أطاح بفكرة التوريث الملكي للجمهورية إلى الابد.
كان على ثورات الربيع العربي أن تُنتِجَ برلماناتها كنقيضٍ لمجالس الشعب التي لا تُمثّل الشعب بقدر ماهي تمثّل طُغاته و مُريديه؛ فانتجت الثورة السورية أولَ برلماناتها تحت قبّة المظاهرات في الشوارع؛ برلمان شبابي محض؛ على هيئة تنسيقياتٍ قادت حِرَاك الحرية و المواطنة؛ لكن إعلام أصدقاء سوريا الأعداء: الأعدقاء؛ قد روّجَ كثيراً لفكرة أنها ثورات بلا قادة على الأرض؛ ليخطف منها شرعيتها؛ فيستبدلها في كل بلدٍ بهيئةٍ من صُنعِه هو؛ وبحسب تركيبة كلّ بلد.
هل نستطيع القول بأن المجلس الوطني السوري؛ ثمّ الائتلاف الوطني السوري؛ الذان رعتهما دول إقليمية وسواها؛ قد خطفا أول برلمان سوري منتخبٍ تحت رصاص الطاغية؛ بل إنهما قد خطفا برلمان التنسيقيات.. مرتين: الأولى.. من ناشطيه الحقيقيين؛ والثانية.. من مهاده في كلّ شارعٍ.. إلى كلّ فندقٍ فاخر؛ في كل عاصمةٍ من عواصم القرار و التمويل؛ فأفرغته من قوته الحقيقية؛ من قوة صرخات المتظاهرين في الشوارع ضد الطاغية؛ و من الحاضنة الشعبية السورية التي أنتجته برغم الدم والاعتقالات و البطش الشديد.
مع ذاك كلّه.. قامت هذه الحاضنة الشعبية السورية؛ ذاك البرلمان الشعبي المنتخب في المظاهرات؛ بتفويض من جاؤوا من خارج رحمه.. جمعة المجلس الوطني يمثلنا؛ ثم اتضح أن أغلب هؤلاء.. قد ارتهنوا لسوى الشعب السوري من مراكز  نفوذٍ و تمويل.
أولُ أعداء برلمانات الثورة.. ليس الطغاةَ وحدهم؛ بل.. الدول التي تتشدّق بالحرية و الديموقراطية؛ والدول التي هي نتاج الاستبداد والتوريث في هذا الشرق كله؛ تستمرّ في استبدادها حتى الآن بفضل انضوائها تحت جناح الولايات المتحدة الامريكية وفي ركابها؛ بل.. إنها تخاف انتقال عدوى الربيع الى بلدانها؛ و لهذا تُسارِعُ إلى احتوائها؛ بل.. إلى شراءها بالمال أيضاً؛ بينما اختصّ الروس: حمراً و بيضاً.. بدعم أنظمة العسكر في كلّ العالم الثالث.
و لو أن السوريين اليومَ.. قرّروا استرداد برلمان ثورتهم من مُختطفيه الدوليين والاقليمين ومن السوريين الذين تاجروا به و بالثورة أيضاً؛ ثم قرّروا إنجاز أول برلماناتهم الحرة؛ بأنفسهم؛ فما هي شروط الترشّح إليه؛ ومن هم المرشحون إليه؛ ثمّ لا يهمّ إذا إنجزت انتخاباته تحت القصف الهمجيّ.
من البدهي أن البرلمانات لا تضمُّ العسكر؛ حتى لو كانوا عسكراً مُنشقين عن عسكر نظامٍ يقتل شعبه؛ هكذا.. سيتم استبعاد كلّ أمراء الحرب؛ ومن ثمّ سيستبعد السوريون كلَّ من تاجر بثورتهم: سياسياً و مالياً و بالمساعدات الانسانية و بأموال التسليح؛ حتى بات الممولون الاقليميون والدوليون أنفسهم؛ لا يثقون بهم على الإطلاق؛ و بهذا يتمُّ استبعاد سماسرة الثورة السورية؛ و انتهازيوها.. أيضاً.
من سيُمثل السوريين إذاً.. في أول برلمانٍ حرٍ لهم في التاريخ ؟!
هل رأيتم برلماناً في العالم يضمُّ الشرفاء وحدهم.. نظيفي ذاتِ أرواحهم و ذاتِ أيديهم.. فقط ؟!
و كم هم الشرفاء حقاً.. في كلِّ أقليةٍ و في كلِّ أغلبية؛ حتى لا يأخذكم أحدٌ.. مرةً ثانية؛ لانتاج ديموقراطية توافقية على غِرَار اتفاق الطائف؛ دستور جارنا اللبناني إلى مئات من السنين!!.
حتى برلمانات ما يُسمّى بالعالم الحرّ؛ هي برلمانات المافيا التي تحكم العالم بالفعل؛ ما فيا شركات السلاح والنفط والطاقة؛ وهي بالفعل.. برلمانات أسياد روما الجديدة فحسب و ليس عبيدها؛ سوى.. من بعض العبيد الذين باعوا أرواحهم لسادتهم.
ليس هناك.. سبارتاكوس في أيّ برلمانٍ على هذه الأرض؛ وليس هناك سبارتاكوسيون؛ وذاك.. لأن برلمان الثورة هو الثورة ذاتها؛ في استمراريتها ضدّ الاستبداد.. حتى يرحل؛ و ضد نفسها أيضاً.. حتى لا تنحرف عن مهادها الشعبي؛ وعن حلمٍ ما تزال أجيال البشرية تدفع ثمنه من لقمة يومها ومن دمائها.
إياكم واللوياجيركا الأفغانية؛ ولا تنتظروا كرزاي سورياً.. يقومون بتصنيعه لكم في أروقة المافيا و كواليسها؛ و خصيصاً.. لجمهورية سورياستان؛ قادمةٍ على حراب الآخرين.. ولو بعد حين.


 

علِّق

مقالات الكاتب

سوريون
وجهات نظر
وجهات نظر
التعليقات: 1