عدد القراءات: 14147

رداً على مقال الدكتور محمد حبش... هل القرآن صالح لكل زمان ومكان

هذا المقال رد على ماكتبه الدكتور محمد حبش بعنوان هل يصلح القرآن لكل زمان ومكان ؟ أفترض أن القارئ اطلع عليه أولاً
هل القرآن صالح لكل زمان ومكان ؟ نعم إأذا كنّا نقصد الأهداف التي جاء القرآن ليحققها وهي حفظ ( الدين والمال والعرض والنفس والعقل )، أما إذا تمسكنا بظاهر النص فلا. ظاهر النص لايحقق الصلاحية بدليل قول الرسول صل الله عليه وسلم  أنتم أعلم بإمور دنياكم في حادثة تأبير النخل 
هذه خلاصة الفقرة الأولى من المقالة، والمغالطة أن خطاب التكليف هو خطاب شرعي بينما أعمال الدنيا المتمثلة بالخبرات والتنظيم والإدارة والحرف والصناعة والزراعة هي أحكام  العرف الذي يقدم مستوى الأداء الدنيوي العام، حين ينطق بها النبي صل الله عليه وسلم بإمور الدنيا يتم مناقشتها معه  (وحادثة تأبير النخل منها ) وهي قابلة للتعديل بالحوار، أما الحكم  الشرعي فيتم تعديله بالوحي، هذا الفرق ينقض مبدأ ظاهر النص والتأويل  المطروح في الفقرة الأولى لاختلاف محل الدعوى بينهما. 
أوهام تعطيل النصوص أو إسقاطها:
الفقه المبني على القياس ومراعاة المصالح والأعراف، يقبل التغير والتطور لصالح الحاجات الزمنية، وخير البشرية، والبيئات المختلفة زمانا ومكانا، مادام الحكم في نطاق مقاصد الشريعة وأصولها الصحيحة ولا يوجد تعطيل للأحكام أو الحدود عندما تتوقف عن العمل بقرار من الحكومة  في حالات معينة، لأن الحكم يرتبط بوجودعلل وشرائط وموانع بهم جميعاً يتقرر تنزيل الحكم على الواقع من عدمه، و ما حصل في عام الرمادة بسبب المجاعة لا يشذ عن هذا.
هل هناك مدنية وضعية ؟ :
ليس من الحق والمنطق تجاوز سلطة الدين على المجتمع ومؤسساته ليوصف بالمدني والوضعي فيما القضاء والتعليم والمساجد والمعاهد والوقف والإفتاء وجماعات الضغط  والنشاط جميعها تحت وسم  الدين. ولو تدبرنا المدارس الفقهية الكبرى لوجدنا منذ ولادتها في القرن الثاني الهجري وهي منفتحة على المجتمع  واستمرت بتقديم الأجوبة والحلول وعاصرت كل مراحل الحكم حتى المماليك، ثم إن العثمانيين كما نعرف  حكموا البلاد  بالفقه الحنفي حتى سقوط الخلافة  . 
أزمة الثنائيات:
التأويل والتفويض، الرأي وأهل الحديث، العقل والأثر، المعتزلة وأهل الرواية ، المذهبية والسلفية، هي ثنائيات تؤمن جميعها بالنص وتعمل داخل الدائرة الدينية، والخلاف بينهم خلاف تنوع و خطأ وصواب إذا ما استبعدنا المتشددين من الطرفين، ويبقى التيار العام الذي يمثله أهل السنة والجمهور هوالجامع والمعبر عن القيم الأرجح والأوسط والأجمع دينياً، أما العلمانية والديمقراطية فهي من خارج المنظومة المعرفية الإسلامية و تنص على استبعاد الوحي من التقنين واعتماد العقل والتجربة، فلا يصح منا مزجها وهضمها قبل إعادة تعريفها أولاً .
الظاهر كما يعرفه الإمام الجويني في الورقات ( والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر ويؤول الظاهر بالدليل ويسمى الظاهر بالدليل) بينما الكاتب يؤسس لمفهوم جديديتصف بالسيولة أحياناً والشغب أخرى، يكون الظاهر سبباً لثورة الخوارج  وسبباً لتيار مدني يتمثل في الفقة الظاهري الذي استمر حتى القرن الثامن الهجري، ثم يكون التأويل جوهر ثورات التشيع ويكون سبباً في الحياة المدنية في مدارس الفقهاء وسيكون سبباً عند الباطنية والزنادقة وتتأسس عليه حكومات دموية العبيدين والفاطميين ودولة القرامطة) 
بناء نظرية تفسر التاريخ الإسلامي على قسمة الظاهر للثورة و التأويل للمدنية والدولة قسمة فاشلة لاتستحق النظر،  إن التأويل المفتوح  دون التمييز بين التأويل الصحيح والتأويل الفاسد ،واختزال النص بمفردة الظاهر الغير معرّف أو الذي نريد تعريفه ، علماً بأن الظاهر شكلٌ من جملة أشكال متعددة  في اللغة، فلايصح  منا تفسير التاريخ بمثل هده التناقضات .
النسخ :
(الحق أن الأصل في آيات القرآن كلها الإحكام لا النسخ، إلا أن يقوم دليل صريح على النسخ فلا مفر من الأخذ به، وما زال العلماء المحققون بالآيات التي قيل إنها منسوخة يبحثونها من وجوهها المختلفة حتى حصروا ما يصلح منهالدعوى النسخ في عدد قليل, وتعقب آخرون هذا القليل نفسه فآثروا في طائفة منه القول بالإحكام على القول بالنسخ: فالسيوطي مثلا حصر دعوى النسخ في إحدى وعشرين آية على خلاف ولولا خشية الاستطراد لتعقبناها !).ص٢٧٤ مباحث في علوم القرآن د.صبحي الصالح، هذا التوضيح لمفهوم النسخ ولعدد آياته التي انتهت بعد التدقيق الى عشر آيات، ليس إسقاطاً وإنما بيان لسنن التدرج والتغير في الأحكام.
إسقاط الأدلة :
يذكر الإمام الجويني طريقة التعامل مع الأدلة ( في التعارض إذا تعارض نطقان فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين أو أحدهما عاما والآخر خاصا أو كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه، فإن كانا عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ فإن علم التاريخ ينسخ المتقدم بالمتأخر وكذا إذا كانا خاصين، وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا فيخصص العام بالخاص، وإن كان أحدهما عاما من وجه وخاصا من وجه فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر.) 
توقيف بعض الأحاديث ليس اسقاطاً  بالإدعاء، هو خبر يفيد اليقين العملي وليس اليقين المطلق فلابد من النظر إليه من خلال مجموع الشواهد في المسألة الواحدة من جهة بعد مفاضلتها، وإعمال عقل المجتهد  بمنهجه الأُصولي على مجمل المادة المجموعة للخروج بالحكم .  
مصيبة في القرآن تحتاج لإزالة !
الآيات التي تتحدث عن ثبات الأرض  لست أدريها علماً وأين شواهدها، مانعرفه  أن  للإعجاز  العلمي الفلكي  في القرآن  إشارات  ودلالات متقدمة بشهادة الخبراء، وإذا كان لدى الكاتب قناعة بوجود هذا التناقض  فنحن في كارثة، هذا يعني الإعتراف بأن النص القرآني يكذب، وأن صاحب المقال يشرف  على تطهيره بالنسخ والإبطال بدعوى التعارض القائم في ذهنه !
تناقضات أخرى :
آيات خلود العصاة في جهنم ليست  فتحاً جديداً يدعيه الكاتب، لقد ميز القرآن بين الخلود للدلالة على طول المدة، وبين التأبيد الذي يعني الإقامة المطلقة، وأحكام الرق تشريعات مرهونة بشروطها، وتوقف العمل بها منذ ان توقف العالم عن ممارستها باتفاق أممي، وهذا التوجه أراده الإسلام ولكن كان ينتظر من الآخرين التوافق عليه، النصوص لم تسقط  وأنما فقدت وظيفتها لفقد الشرط، كل مايريده الكاتب محاولة لزيادة عدد الآيات الغير معمول بها كمايدعي ليقول إن تجاوز النص مسألة عادية ونهج قديم.     
الإسلام والمسيحية :
هل صحيح أن الإسلام والمسيحية يمارسان التقديس للنص والتأويل في التشريع وأن الفارق بينهما الإعلان والإعتراف الذي قدمته المسيحية ولم يقدمه الإسلام ؟ وهل المسيحية تمتلك تشريعات للحياة والاجتماع والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية ،وتم تجاوزها ؟
الكل يعلم أن التشريعات الغربية من القانون الروماني وأن الديانة المسيحية وتاريخها  ووظائفها ومصداقية مصادرها ومادتها العلمية والإخبارية محط تهمة، وأنها مزيج من الوثنية واليهودية والأناجيل المحرفة وأنها قدمت أسوأ تجربة إنسانية عن الدين جاهد البشر ضدها للخلاص والتحرر والنهضة ودفعوا بحوراً من دماء،  يكفيك استعرض آيات القرآن في أهل الكتاب ثم لك أن تتساءل  بعدها، أين القداسة ؟

للأسف، لايمكن وضع  هذه المقالة  في حقل الإصلاح الديني، ما يفعله الكاتب في النص القرآني، لم يفعله أحد، هو يمارس سلطة على الله وعلى كلامه فيمنح نفسه  (النقض والنسخ والإسقاط والتصحيح على يقوله في كتابه العزيز  ) سلطة تجعله أكبر من خالقه، و أنّا له هذا .

التعليقات

شو عرفوا أنو الإسلام كان بدو إنهاء الرق؟ شايف الكاتب نفسو عم بفسر ع كيفو خارج نطاق "ثوابت" الدين

من المعلوم لدى اي طالب علم مبتدئ ان الله سبحانه جعل كفارة ذنوب كثيرة (ومنها بعض الذنوب البسيطة)، جعل الله سبحانه كفارة هذه الذنوب في كتابه العزيز عتق رقبة وهذا مما استدل به العلماء على توجه الاسلام الى إلغاء الرّق. وهذا امر مقبول عقلا نظرا لان الله سبحانه سارى بين البشر، ولم يبق الاسلام اُسلوب لاتخاذ عبيد جدد الا سبايا الحرب والحكمة من ذلك ان يختلطوا المسلمين في بيوتهم ليسلموا وهذا افضل لهم ولا شك من ان يموتوا كفارا.

الحوار الذي يتم بشكل حضاري حول الدين وتفسيره أقر عيني أكثر من موضوع المقالين :)
صورة eiad

هذا تماماً ما نريده ونعمل عليه... تكريس هذه اللغة الحضارية في تلاقح الافكار

نظرة سطحية للكاتب المأخوذ بالاعراف ... اول شي وين دليلك انو الاسلام كان بدو يلغي العبودية ؟؟؟؟ تاني شي طالما انك عم تحكي بالاعجاز العلمي للقرآن و عم تقول بشهادة العلماء اللي ما شفنا واحد منهن حكى عن اكتشاف كوني او طبيعي و جاب رأي القرآن فيه طبعا انا بقصد بالعلماءباحثين العلوم و ليس كما يسميهمالكاتب و يقصد علماء الدين لأن هؤلاء ليسو بعلماء اساسا طالما عم تحكي بهالمنطق انا ما بقدر اعتبر مقالتك الا ترجمةلما يفكر به من يملك روح القطيع

علِّق