عدد القراءات: 5993

نظرة تحليلية في نفسية الطاغية بشار الأسد

 

يعتقد الباحث في علم  النفس التحليلي مانفريد كيت دو فري أن الدافع للمرء لئن يصبح قائدا" هو الرغبة بالتعويض عن حرمان عاطفي سابق. كما يعتقد أن القائد الناجح هو الذي يتمتع بثلاث صفات: رؤية واضحة ملهمة و تتلاقى مع آمال الجماهير، ذكاء عاطفي يلهم الجماهير عبر التواصل معها، و ثقة بالذات تمكنه من التعامل الذكي مع الذين ﻻ يؤمنون بقيادته.
إن الشعور الخادع بالجبروت المترافق مع القوة كفيل بإغراء أي إنسان، و يكون لهذا الشعور تأثير هدام خاصة لدى أولئك الذين سبق لهم المعاناة من الإحساس بالدونية و اﻹحباط في مراحل مبكرة من تكوين الشخصية، و يشكل الوصول إلى السلطة لدى هؤلاء تحقيقاً و إثباتاً لذواتهم.
يقوم الطاغية و بشكل لاواعٍ بالعمل على خلق بيئة مريضة تركز على عظمته و إنجازاته بشكل مبالغ فيه للتعويض عن شعوره المبكر بالدونية و النقص و لكن هذا سرعان مايصبح غير كاف مما يدفع الطاغية و بشكل لاواعٍ أيضاً للسعي إلى تعديل هذه البيئة للحصول على إشباع أكبر لشهواته مستعملاً سلطاته المتعاظمة ﻹحاطة نفسه بشخصيات وضيعة لا تعرف سوى الرضوخ و التسبيح بحمد الطاغية. ضمن بيئة كهذه يصبح الطاغية ذو سلطة مطلقة و تتضاءل بذلك قدرته على اﻹحساس بمعاناة اﻵخرين و التعاطف معهم إذ يصبح هو مركز كل اهتمام.
لقد أظهرت بعض الدراسات أن كثيراً من الرجال الذين  شغلوا مناصب قيادية هامة، مثل بيل كلينتون، جاك ويلش، و وينستون تشرشل، كانت لديهم علاقة فاترة بآبائهم مقارنة بعلاقتهم الجيدة مع أمهاتهم . و يعتقد بعض الباحثين أن هؤلاء القادة قد طوروا مهاراتهم القيادية للتعويض عن دور اﻷب المفقود أو ﻹزاحة اﻷب من مكانه كرأس للعائلة.
ﻻ يوجد نظرية واحدة تفسر كيف يتحول شخص ما إلى طاغية و لكن يبدو أنه هناك إجماع بين العلماء على أن الطغاة هم أشخاص معتلون نفسيا" بسبب اﻵثار السلبية للسلطة المطلقة التي تجعل صفات معينة كالنرجسية و الارتياب و السادية تخرج من حالة الكمون إلى حالة الممارسة الفعلية.
من وجهة نظر نفسية فإنه من الواضح أن الطاغية بشار اﻷسد  ذكي و مخادع و ذو عقلية شمولية تؤمن بنظرية كل شيء أو لا شيء في السياسية مما يعني أنه من غير المحتمل أن يقبل بعملية نقل أو حتى مشاركة للسلطة و لو بشكل صوري مما يجعل أي مفاوضات  معه مضيعة للوقت. هو شخص عصبي و انفعالي و قادر على المناورة و التفكير بالبدائل عند الضرورة و لكن عجرفته و ولعه بالمعايير المثالية يدفعانه لمحاولة تحقيق أهدافه بصرف النظر عن التكاليف معتقداً أن ما يراه و يعتقده يستحق التضحية ﻷنه دائماً اﻷفضل حتى لو تسبب بمعاناة كبيرة للآخرين. و نظراً لوجود خلل في تطوره العاطفي فإن ردود أفعاله غالباً ما تكون حادة و قاسية و شاذة عندما يشعر بضغوط عاطفية  تتطلب منه إبداء شيء من الندم أو الاعتراف بالخطأ أو التعاطف مع الضحايا و هذا مابدا واضحاً في ردوده  على أسئلة باربرا والترز بخصوص حمزة الخطيب و ابراهيم القاشوش، إضافة لاعتباره جرائم أجهزة اﻷمن مجرد أخطاء يمكن تداركها و هذا دليل على خلل كبير في تركيبته النفسية العاطفية و اﻷخلاقية قد تكون مرتبطة بنشأته العائلية و نظرة اﻵخرين الدونية له. كما يبدو هذا الخلل واضحاً في عدم قدرته على التصرف بما يتناسب مع الحدث فهو يقهقه و يلقي النكات حين ينبغي له أن يكون جاداً مثل خطابه البائس بعد أحداث درعا اﻷولى و تنظيره السخيف في اجتماعات القمة العربية. شخصية معتلة كهذه لا ينبغي أبداً الاستهانة بقدرتها على الصمود و الاستمرار ﻷن هذه القدرة تتعاظم أثناء اﻷزمات.
و مثل أغلب الطغاة، فإن نظرة تحليلية في خطاب بشار اﻷسد تدل على أنه يحاول استعمال مفردات جزلة ذات دلالات دينية أو علمية و لكنها جوفاء لا تخدع إلا الدهماء و لا تدل إلا على خوائه العاطفي و اﻷخلاقي و تبدو نتيجة هذا واضحة في الطبقة التي تحيط باﻷسد إذ لا يوجد ضمنها أي شخص ذو قيمة فكرية أو علمية أو أخلاقية فحتى مستشاريه و موظفيه الديبلوماسيين يفتقرون للحد اﻷدنى من اللباقة و اﻷدب.
أعتقد شخصياً أن بشار اﻷسد قد وصل إلى مرحلة متقدمة من الاعتلال النفسي في وقت أقصر نسبياً من الوقت الذي احتاجه طغاة آخرون كصدام حسين و القذافي و ذلك بسبب اختلاف الصفات الشخصية و ظروف النشأة العائلية. لذلك فإنه يجب علينا كسوريين أن ندرك أن صراعنا مع هذا الطاغية هو صراع طويل و مكلف و لا يمكن الانتصار فيه إلا بإبداع آليات جديدة غير تقليدية للصمود و الاستمرار و إعادة تنظيم المعارضة و تجديد أدواتها لضمان استثمار كل المواهب و الطاقات و عدم اﻹصرار على تجربة نظريات سياسية ثبت فشلها و بطلانها.

علِّق