عدد القراءات: 7737

الشعب السوري وحبر ماك آرثر ويلر السرّي

في عام 1995 قرر شخص يدعى ماك أرثر ويلر أن يقوم بسرقة بنك في مدينة بيتسبرغ الأمريكية.
لكن ويلر قرر أن يقوم بطلاء وجهه بعصير الليمون ظنا منه أن ذلك سيؤدي إلى حجب وجهه عن كاميرات المراقبة البنكية.
اعتمد ويلر في ظنه هذا على معرفته أن الليمون يستخدم كحبر سري لا يَظهر إلا إن سُخِّنَت الورقة التي كُتب عليها به, وبالتالي فإن طلاءه لوجهه بالليمون سيحجب وجهه عن الكاميرات ويخفيه. وفعلا قام ويلر بسرقة مصرفين بدل مصرف واحد ثم انصرف إلى بيته وهو واثق من أن الكاميرات لن تستطيع تسجيل وجهه لأنه مطلي بالليمون الذي سيحجبه عنها!
لم تمض ساعات إلا وقد أصبح ويلر في قبضة العدالة بعد أن راجع المحققون فيلم الكاميرات التي سجلت حادثتي السرقة فقاموا بتعميم صورة وجهه على نشرات الأخبار فما كان من أحد المواطنين إلا أن تعرف عليه ودل الشرطة على مكانه.
الغريب في الموضوع أن ويلر وخلال التحقيق معه أظهر شكَّا كبيرا بجهله وكيف  خذله هذا الجهل الكبير.
أثارت هذه الحادثة اهتمام عالِمَيْ النفس ديفيد دانينغ وجاستن كروغر من جامعة كورنيل في نيويورك فقررا دراستها عن كثب. وبدءا بدراسة تلك الثقة المطلقة التي أبداها ويلر والتي جعلته يؤمن أنه يستطيع مخاتلة الكاميرات بطلاء وجهه بالليمون. كان ويلر يمتلك ثقة عمياء بما يعتقده لكنه لم يكن مؤهلا أهلية علمية تخوله استنباط النتيجة التي وصل إليها.
بعد دراسة هذه الظاهرة استطاع هذان العالمان صياغة نتيجة البحث ونشراه في مجلة "الشخصية وعلم النفس الاجتماعي" عام 1999 تحت عنوان "غِرٌّ وجاهل بذلك"   “Unskilled and Unaware of it”
وأصبح يعرف بعد ذلك بـ "تأثير دانينغ كروغر" الذي هو عبارة عن انحراف معرفي يظهر وجود علاقة عكسية بين درجة الكفاءة ودرجة الثقة بتلك الكفاءة. فكان أن أظهرت الدراسة أن الأفراد الأقل كفاءة في أداء مهارة نوعية ما يميلون لتضخيم تقويمهم الذاتي لهذه المهارة. بكلمة أخرى, هؤلاء الأقل كفاءة لايدرون بنقص كفاءتهم وإذا طُلِب منهم تقويم كفاءتهم حكموا بأنهم أكفأ الناس بها.
بناء على ذلك فقد اقترح دانينغ وكروغر أن الأغرار في مهارة ما:
يفشلون بالتسليم بنقص مهارتهم
يفشلون بالتسليم بمهارة الآخرين
يفشلون بالتسليم بدرجة العوز الشديدة لديهم في هذه المهارة
لكنهم يتعرفون على عوز المهارة السابق لديهم ويعترفون به في حال  تم تدريبهم تدريبا خاصا بتلك المهارة
وفيما بعد نحت دانينغ مصطلحا سماه "عمه العاهة" وشبهه بشخص أعاقته أذية دماغية فيزيائيا فهو لا يعي إعاقته ولذلك يستطيع أن ينفي وجودها.
يقول دانينغ: "...فإذا كنت معاقا فلا يمكنك عندئذ التعرف على إعاقتك لأن المهارات اللازمة لإنتاج الجواب الصحيح هي ذات المهارات التي تحتاجها كي تدرك أن هذا الجواب هو الصحيح..."
هذه الدراسة أجريت على أفراد لكنها لم تجر على جماعات. ولكن هل نستطيع سحب نتيجة الدراسة على جماعة معينة إن كانت هذه الجماعة قد تعرضت لإعاقة ما منعتها من تحصيل مهارة معينة؟
هل نستطيع أن نعتبر الاستبداد مثلاً بمثابة الأذية الدماغية التي ولدت إعاقة شعبية عامة سببها نقص المهارة في العمل السياسي؟
هل ينطبق ذلك على الشعوب العربية بدرجات متفاوتة تتناسب وشدة حالة الاستبداد التي رزح تحتها هذا الشعب أو ذاك تزيد بزيادته وتنقص بنقصانه؟
وإلا فكيف نفسر هذه الظاهرة المتفشية في أحد الشعوب العربية الذي يظن كل فرد فيه أنه رب السياسة يفهم فيها أكثر من كيسينجر نفسه؟
بل كيف نفسر عدم تسليم الكثير من أفراد هذا الشعب بأمِّيَّته السياسية في وقت احترقت فيه البلاد وشُرِّدت منها العباد؟
كيف استطاع معظم أفراد هذا الشعب القفز فوق حقيقة أنهم أميون سياسيا؟ هل سبب ذلك غياب نموذج الممارسة السياسية الحقيقية خلال نصف قرن من حكم الحزب الواحد والأب القائد؟
وإذا أضفنا لما سبق التركيبة الإثنية لهذا الشعب وانقسامه إلى أكثرية وأقليات, وانقسام الأكثرية إلى تيارات مختلفة, نجد أن القدرة على المحاكمة السياسية أصبحت شبه منعدمة لكل الاعتبارات أعلاه. فالشعب ابتداء تنقصه الكفاءة السياسية التي تسمح له بتقدير المواقف, وحين يغفل الشعب عن ملاحظة ذلك ولا يعترف بهذه الحقيقة يلجأ إلى الاحتماء بجماعته أو طائفته فيصبح حكم الجماعة أو الطائفة هو الحكم الصحيح لا لأنه صحيح لكن لأنه الحكم الذي يظن أنه القادر على حمايته ممن يظن أنهم يتربصون به. ومن هنا يستشري التمترس خلف المعتقدات والأهواء فتصبح هي الفيصل بين الحق والباطل بدل أن يكون الحق والباطل مجردان عنها لاستقلال مفهومهما عن أي انتماء أصلا.
ماهو الحل للخروج من حالة الاستعصاء هذه؟
إن الحل للخروج من هذه الحالة صعب لكنه ليس مستحيلا.
فهو يكمن أولاً في "الاعتراف الواعي" بأننا أغرار في السياسة بسبب النقص الشديد في ممارستها وتحصيل الخبرة بها والتوقف عن ظاهرة التقافز على المناصب. يجب أن نعترف أن العقود الطويلة في السجون والمنافي قد تصنع أبطالا لكنها ليست قادرة على صناعة ساسة محنَّكين. بعد ذلك يجب أن يُوَسَّد الأمرُ أهلَه, فإن لم يكن له أهل فخلق المجال المناسب اللازم لصناعة أهل السياسسة في هذا العلم ومن ثم إنزالهم لساحات الممارسة والكف عن الانتقاد والتسفيه والتخوين.
نعم إن السياسة اليوم أصبحت علما وصناعة يُصنع فيها السياسي صناعةً عبر تعليم وتدريب وممارسة طويلة تبدأ بالمجالس المحلية وتمر بالبرلمانات حتى تنتهي بالسلطة التنفيذية من وزارات وهيئات رئاسية.  لكن كل ما سبق لن يبدأ حسب تعريف دانينغ لعمه العاهة قبل أن نسلِّم بفقرنا المدقع في أمور السياسة فالأمر لم يعد يحتمل التأخير فهو ليس مباراة كرة قدم يصيح فيها من شاء على المدرب ويعطيه النصائح فيمن يدخل ومن يخرج من الملعب, لكن الأمر قارب أن يكون دمار أمة وزوال حضارة.

 

علِّق