عدد القراءات: 6048

الديكتاتور المنتظر

انتقل كثير من موالي الأنظمة العربية والمنافحين عنها إلى المحاججة بالديكتاتورية كحل، بعدما كانوا قبل عصر الثورات غالباً ما يتقبلونها كواقع حال أو شر لا يمكن دفعه.

لا شك أن راهن منطقتنا بالغ التعقيد، لكن أي حلّ يُنتظر من تحييد عمل ملايين الروؤس وجعل وظيفتها الوحيدة الانحناء للمترئّس؟ يرينا أبسط استعراض لماضينا القريب والبعيد أن السلطة الفردية المطلقة لم تزد الواقع المخرّب والمعقد إلا خراباً وتعقيداً.
لا يعدو انتظار الخلاص من ديكتاتور أن يكون الصياغة العلمانية لانتظار كثير من المسلمين الخلاص من الإمام المهدي أو المهدي المنتظر، أو ارتجاء كثير من المسيحيين الخلاص متجسداً في عودة المسيح، أو التماس كثير من اليهود خلاصهم في ظهور الماشيح أو الميسيا. حيث إنقاذ الجماعة مشروط بظهور شخص فذ فيها، هو دون غيره من يقودها إلى خلاص ليس في جوهره ومظهره ما يزيد عن هذا الانقياد ذاته. فكون ظهور هذا المخلص شرط الخلاص اللازم والكافي لا يترك للأتباع والمتخلّصين على يديه دوراً عدا الامتثال لما يمليه والالتزام بما يعتبره السلوك المثالي. وراء ابتغاء خلاص كهذا رغبة بالتخلّص من مسؤوليات الذات وعبء حريتها، دون التخلص من الذات نفسها، بل بتحويرها لتطابق صورة مثالية تتطلبها شخصية خارجية-المخلّص أو لمطابقة هذه الشخصية الخارجية نفسها، والتي كثيراً ما يتناقض سلوكها الواقعي مع ما تتدعيه لنفسها أو تتطلبه من الآخرين. فتُحصر المسؤولية الأخلاقية في تحقيق هذه التطابقات ، وتُختزل الحرية فيما تفسحه التناقضات القائمة بين الذات الأصلية وصورتها المثالية المدّعاة، متمظهرة بتناقضات الفعل والقول كما تعرفها المجتمعات الديكتاتورية الدينية والعلمانية على السواء.
إن صح هذا الفهم للديكتاتورية والمهدوية فهو يتجانس مع النزوع للتطابق مع ما أثر عن الشخصيات المركزية في الأديان الثلاثة من سلوك وربما مظهر. فانتظار الخلاص عبر الانقياد لمهدي في الإسلام مثلاً هو من جنس النزوع إلى التطابق مع سلوك ووصايا النبي كما وصلت إلينا عبر مراشح التاريخ ومنعرجات عقول الناقلين والمؤوّلين من غير تفكّر شخصيّ.
تساءل الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي في روايته "الإخوة كارامازوف" على لسان إيفان، بطله الأكثر إشكالية، عن رد فعل المسيحية الرسمية إن عاد المسيح إلى عالمنا، وإن كانوا لن يبادروا إلى صلبه ثانية، كونه لا يؤدي دور المسيح كما سوقّوه للناس. فما المصير الذي سيلقاه النبي محمد إن بعث في هذا الزمان، فأعلن عن عدم رضاه عن الطريقة التي يتعامل بها المسلمون مع صورته وأقواله، ولا عن سعيهم للتفكير بعقله لا بعقولهم؟
في عمق نزعة االخضوع الأعمى معكوسها: نزعة الإخضاع المطلق.  يخضع المريدون لصورة النبي أوالمهدي أوالقائد ظاهراً، لكنهم يُخضِعون الآخرين من خلال خضوعهم هذا، بل يسعون لاخضاع مخضعهم الأكبر نفسه لصورته كما يتخيلونها.
بعد بضعة أشهر من وصول آدولف هتلر إلى سدة الحكم (1933) ألقى الفيسلسوف الألماني مارتن هايدغر في جامعة فرايبرغ التي كان يترأسها كلمة أرشد فيها طلبته إلى الطريق الذي ارتأى لهم سلوكه: "إن القائد ذاته، ووحده، هو الحقيقية الآنية والمستقبلية وقانونها الخاص". ذهب كثير من كتاب سيرة هذا المفكر الكبير غير المهتم بالسياسة عادة _ إذ سرعان ما خاب ظن هايدغر بالنازيين وانقلب عنهم بقرف_ إلى أنه، ولوهلة فحسب، قد لمح في الحركة القومية الاجتماعية _النازية_ الفرصة التاريخية لتحقّق فلسفته الخاصة، فكأنما هايدغر قد اعتقد أن بإمكانه "أن يقود القائد".
فهل يحلم منتظرو القادة والمهديين بغير ذلك؟ أن يكونوا الشخص الذي ينتظرون؟ أو يكونهم؟
 

علِّق