المنطق الروسي وراء تدخل روسيا في سوريا

لم ينهِ سقوط الاتحاد السوفيتي عداء الغرب لروسيا، فقد استمرت أمريكا وأوروبا في عدائهما لها مع تغيير شكله، فقد تحولت الأخيرة بنظر الغرب من روسيا مصدر الخطر الشيوعي الداهم ، إلى روسيا الأرثوذوكسية وموطن الفلاحين ومعقل الاستبداد الآسيوي.

استغل الغرب انهيار الاتحاد السوفيتي وضعف روسيا بعد هذا الانهيار وفترة رئاسة البائس يلتسين، لكي يقضي على كل قوة لروسيا، فاستمر في تأجيج العداء لها بدلاً من الترحيب بها في عالم الراسمالية الجديد ما بعد الشيوعية السوفيتية، وسعى لإبعاد كافة دول المعسكر الاشتراكي السابق عنها محرضاً بأن روسيا كانت تستعمرهم خلال الحقبة الشيوعية. وسعى لضم دول المعسكر الاشتراكي السابق الى الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، ونصب شبكة صاروخية في هذه البلدان على حدود روسيا.

 

من جهة أخرى سيطرت أمريكا على بلدان أواسط آسيا التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي، وسيطرت الشركات الغربية وليس الروسية على ثرواتها النفطية، وأقام الأمريكان قواعد عسكرية فيها، وهذا يعدّ في السياسة الدولية تعدياً على مناطق النفوذ ويصنف كأعمال معادية.

المثال الأخير كان في أوكرانيا، فقد بدأ الصراع واضحاً بين روسيا والغرب هناك، فأوكرانيا أقرب بلدان المعسكر الشرقي لروسيا، وشكلت على مدى قرون دولة واحدة معها، ولكن الغرب سعى لتنمية الميول المعادية لروسيا بين صفوف الأوكرانيين، مستخدماً خبرة أكبر من خبرة الروس بكثير في التأثير في الرأي العام ومستفيداً من "أوهام" الحلم الأوروبي الذي يغزو عقول الشباب الأوكرانيين، مثلما غزا عقول شباب بلدان المعسكر الاشتراكي السابق دون أن يقدم لهم هذا الحلم سوى الأوهام.

روسيا من جانبها لا تملك سوى الغاز والنفط، وليس لديها أدوات أخرى تصارع بها الغرب سواء في أوكرانيا أو في غيرها. وفي أوكرانيا تحديداً كان هناك جولات في العقدين الماضيين بين أنصار توطيد العلاقة مع روسيا، وأنصار توطيد العلاقة مع الغرب على حساب العلاقة مع روسيا. كانت روسيا تستخدم إغراء موارد خطوط الغاز التي تعبر أراضي أوكرانيا لتزويد أوروبا بالغاز، ومن جهة أخرى إغراء تقديم الغاز بسعر مخفض لاستهلاك أوكرانيا الداخلي. ولكن ضغوط الغرب استمرت لدفع أوكرانيا كي تنضم  إلى الاتحاد الأوربي، ولكن الرئيس الأوكراني السابق المنتخب انتخاباً ديمقراطياً والموالي لموسكو رفض السير ببرنامج توقيع اتفاق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فقامت تظاهرات واسعة ضده مما أدى لهروبه متيحاً الفرصة للقوى الموالية للغرب السيطرة على الحكم عبر انتخابات ديمقراطية أيضاً، ولكن في أجواء التحريض على روسيا، حيث كانت الكفة بين الفريقين متقاربة أصلا فمرة كان يربح هؤلاء ومرة أولئك.

 

ولكن روسيا ردت بطريقة صارمة تجاه خسارة أوكرانيا، فقامت بضم جزيرة القرم إليها، والتي كانت في الأساس جزيرة روسية، ولكنها اليوم في القانون الدولي جزء من الأراضي الأوكرانية، ثم حرض بوتين تمرداً مسلحاً في شرق أوكرانيا مدعوماً بميليشيات من قبله ضد حكومة أوكرانيا المنتخبة ديمقراطياً.

 قبل أوكرانيا كانت حرب جيورجيا عام 2008، فقد حرض الغرب حكومة جيورجيا للهجوم على جنوب أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، مما استدعى رد الدب الروسي الذي قام سريعاً بلطم حكومة جيورجيا على وجهها أفقدها صوابها.

ضمن هذا الصراع العالمي المستمر عبر التاريخ تقاربت روسيا مع القوى البازغة التي تعارض هيمنة الغرب على العالم، فتشكل حلف البريكس من كل روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا. وعقدت أول قمة بين رؤساء الدول الأربع في روسيا في حزيران 2009 حيث تضمن الإعلان عن تأسيس البريكس الدعوة لقيام نظام عالمي ثنائي القطبية. 

ضمن هذا المناخ من الصراع العالمي يمكننا فهم دوافع روسيا. يضاف لها عامل آخر وهو خوفها من نمو قوى الاسلام السياسي مثل داعش والقاعدة وحتى تنظيمات لا تنتمي للقاعدة ولكنها تتبنى فكراً أصولياً يتسم بالغلو، وبالتالي انتقال هذه العدوى إلى روسا التي يقطنها نحو 20 مليون مسلم وتوجد بينهم بذور للتطرف وتنظيمات ارهابية نائمة. ورغم أن الكثير من الخبراء يرى أن تدخل روسيا في سوريا سيؤجج الأحقاد الدينية المذهبية عليها في روسيا ذاتها، أي له مفعول عكسي. ولكن لبوتين رؤية مختلفة، فهو يؤمن بالقوة الخشنة، يضاف لهذه العوامل مطامع روسيا القديمة في الوصول الى المياه الدافئة وعداؤها التاريخي القديم مع تركيا العثمانية من قبل والأطلسية اليوم.

 

وحتى تحقق روسيا غايتها فهي تتدخل بطريقة الدب الروسي الخشنة من جهة، كما  أن خرّيج معهد الكي جي بي بوتين، ينظر للأشياء بطريقته الاستخباراتية وبأسلوب التعامل السوفيتي السابق مع كل ما يخالفه الرأي، كما تؤثر شخصيته كلاعب جودو يحمل الحزام الأسود ويمارس رياضات عديدة تحتاج لعضلات قوية  أكثر مما تحتاج لمهارات عقلية، يضاف لهذا حلمه بأن يكون القيصر الجديد، فهو من جهة يريد أن يعيد لروسيا مجدها السوفيتي السابق كقوة دولية عظمى، ولكن ليس لديه ما يكفي من الأدوات سوى انتاج النفط والغاز الذي يعتمد عليه في صادراته وتحقيق ايرادات لخزينته، وقدرته على صناعة أسلحة متطورة تمنحه قوة تجبر الآخرين على أن يحسبوا لها حساب. وليس أدل على شخصية بوتين وفهمه للديمقراطية وحكم الشعب من تمثيلية توليه رئاسة روسيا "إلى الأبد" و تبادل الأدوار بينه وبين رئيس الوزراء ميدفييف الذي يشبه الصبي الصغير عند معلمه بوتين.

ضمن هذا المنظور العالمي يمكن فهم موقف روسيا، والمسألة لا علاقة لها لا بسيادة دول ولا ببشار الأسد ولا بحقوق شعوب ولا بديمقراطية ولا بتدخل خارجي ولا بحمل السلاح على سلطة شرعية كما يصرحون دائماً، فبوتين يدعم ويسلح في اوكرانيا مجموعات متمردة تقاتل ضد حكومة شرعية منتخبة انتخاباً ديمقراطياً وليس مزوراً.

وضمن هذا الفضاء والدوافع يعد الأسد ونظامه "الحليف الاخير" لموسكو في الشرق الاوسط بعدما فقدت موسكو الرئيسين العراقي صدام حسين والليبي معمر القذافي وإبرام طهران الاتفاق النووي. لذلك اتخذت روسيا موقفاً داعماً للأسد منذ آذار 2011 رغم العلاقة الفاترة بينما موسكو ودمشق قبل هذا التاريخ، وزاد من تعنت موسكو بروز ما تعده طابعاً إسلامياً للحراك في سوريا تزايد وتجذر مع مرور الوقت وارتفاع حدة الصراع، كما أن موقف المعارضة السورية التي أدارت ظهرها لروسيا ضمن أوهامها بموقف الغرب "الداعم" وأوهام التدخل العسكري وأوهام الخطوط الحمراء التي لن يسمح للنظام بتجاوزها، قد ساهمت بدفع بوتين نحو تبني الأسد بقوة تزايدت عاماً بعد عام بعد أن اقتنع أن أي نظام بديل سيكون معاد لروسيا.

لكن بوتين يعلم مخاطر هذا التدخل الذي يصعد الصراع مع الغرب أيضاً، ويخرجه من حدود القيود المضبوطة. و الغرب متحدٌ وراء مطلب تغيير الأسد وإن وافق على بقائه خلال مرحلة انتقالية تتخذ فيها ترتيبات تؤدي لانتقال سياسي فعلي. وبالتالي يعلم بوتين أن التمسك بالأسد سيكلفه الكثير.

سيكون من مصلحة بوتين ـن يجد مخرجاً قريباً لتدخله في سوريا، وهو يعلن عن أربعة أشهر بدأت في 30 أيلول وتنتهي نهاية نيسان. لذا تتحرك روسيا سياسياً ويعتقد أنها ستسعى مع الأمريكان لعقد مؤتمر جنيف 3، ولكنها تريد قبل هذا التاريخ  قلب الموازين على الأرض وإضعاف المعارضة وتعزيز قوة النظام قبل الجلوس على طاولة جنيف كي تستطيع إعادة تفسير جنيف وفق رؤيتها للحل وفرضه على المعارضة التي سيتم إضعافها وتسعى موسكو لتوصل الى تفاهم مع السعودية حول سوريا، ولكن يبدو مثل هذا التفاهم صعب التحقيق.  وكما يقول المثل " حساب الجرايا لا تنطبق مع حسابات السرايا" فروسيا ليست اللاعب الوحيد، ويعتقد أن مسار الصراع في الشهور الأربعة القادمة سيحدد مصير مغامرة موسكو في تدخلها المباشر في سوريا.

 

إذاً هل ستتحقق الاستراتيجية الروسية باتفاق مع أمريكا وإسرائيل اللاعب الخفي في الأحداث السورية؟

أم ستنجح المعارضة المسلحة في امتصاص الهجمة الجديدة بقيادة روسية وردها، موقعة خسائر كبيرة يتحملها الروس والنظام وحلفائهم، مستفيدة من دعم إضافي للمعارضة يشجعه رغبة الغرب في خسارة روسيا لهذه المعركة وتمريغ سمعة روسيا بالأرض؟.

التعليقات

التدخل الروسي كان بضوء أخضر من USA وحليفتها في المنطقة هذه أهم نقطة

علِّق