عدد القراءات: 2829

الواقعية السياسية ومآلات الصراع في سورية

 

* عزام القصير

عزام القصير.jpg

 

بعد إتمام عملية تحرير الكويت من احتلال الجيش العراقي في 1991 لم يكن من الصعب على قوات التحالف الدولي أن تتابع عملية عاصفة الصحراء وتوجه ضربة قاضية تنهي حكم نظام صدام حسين. لكن في الواقع، وبناءاً على اعتبارات الواقعية السياسية، توقفت الحملة العسكرية الدولية بالرغم من مناشدات معارضي نظام حزب البعث العربي الاشتراكي بضرورة متابعة القصف. فكانت النتيجة أن استمر صدام في كتم كل صوت معارض، سجناً أو أو قتلاً أو تهديد، حتى الغزو الأمريكي للعراق في 2003.

 

في تلك الأثناء كان العالم مذهولاً أمام مغامرة صدام التي أتت بعد حرب طاحنة مع إيران دامت نحو ثماني سنوات. كان الجميع، بمن فيهم صدام حسين، يعلمون كم استنزفت الحرب مع إيران من موارد العراق وخبراته البشرية. تصاعدت في تلك الفترة الأصوات والحركات المعارضة للنظام البعثي، خاصة بين صفوف الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال. إلى جانب ذلك، ومع نهاية الثمانينيات، بدأت الصحافة الغربية تسلط الضوء على الفظاعات التي نجمت عن استخدام النظام العراقي للأسلحة الكيميائية، سواء خلال حربه مع إيران أو أثناء قمع معارضيه من العراقيين. لكن كل ذلك لم يغير من قرار التحالف الدولي بإيقاف العملية العسكرية مباشرة بعد إنهاء مهمة دحر القوات العراقية من الكويت. اختار الغرب إبقاء صدام في موقعه لكن مع تقليم أظافره ورسم حدود طموحاته الاستراتيجية والتوسعية. وبالفعل بقي صدام رئيساً بسلطة مطلقة، يحكم العراق الممزق والرازح تحت عقوبات اقتصادية وحظر طيران فوق أجزاء واسعة من أراضيه.

 

انتظر الغرب إثني عشر عاماً حتى اتخذ قراراً بإنهاء نظام صدام. حدث ذلك عندما اختلف السياق الدولي والإقليمي، خاصة بعد أن اهتز العرش الأمريكي بعد هجمات 11 أيلول 2001، وبرزت حاجة الولايات المتحدة لنصر يؤكد بقاءها في قمة هرم النظام العالمي. عندما اتخذت الإدارة الأمريكية قرار التدخل في العراق لم يصعب عليها تبرير ذلك، حيث تم الغزو في 2003 بذريعة خرق العراق لقرار مجلس الأمن  1441المتعلق بنزع أسلحة الدمار الشامل. كما تم لاحقاً إضافة العلاقة مع القاعدة كأحد أسباب شرعنة التدخل في العراق.

انكشف الشرق الأوسط بعد 2003، وبات واضحاُ أن الطريق لايزال طويلاً حتى تصل شعوب المنطقة إلى الديمقراطية والاستقرار. قد تأتي الديمقراطية في ختام هذه الفوضى العارمة، لكن بات من المؤكد أن ذلك ليس قريب. الغالبية في الشرق الأوسط، وجميع من في الغرب، يدركون ذلك. كما أنهم يدركون أن الفوضى بيئة خصبة للتطرف والإرهاب. وبالتالي فهل تترك الأمور على سجيتها لتفرز ما قد تفرز؟ بالطبع لا، السياسات الدولية لا تعمل بهذا الشكل. إن كان لابد من التغيير فليكن مدروساً وليفضي إلى تعظيم المصالح. وبالتالي فإن عبارات من قبيل "خيانة" و"خذلان" و"حرية الشعوب في اختياراتها" ليست أولويات في اعتبارات صناع السياسات الدولية.

 

في الحالة السورية، نظام بشار الأسد نظام عسكريتاري ديكتاتوري شمولي، وهو ليس الحليف الأمثل بالنسبة للدول الغربية. لكن ما أفرزته الحالة السورية من عسكرة وأسلمة وفوضى تهدد استقرار المنطقة برمتها يحتّم على الغرب إعادة التفكير في الخيارات واحتمالات المستقبل السياسي لسورية.

في الحديث عن البدائل، بالطبع ليست المعارضات السورية بشكلها الحالي هي ما ترغب به الدول الكبرى. على الأرض، تلك التشكيلة من الجماعات المقاتلة تحوي بين صفوفها الكثيرين ممن لا يعترفون بقواعد اللعبة السياسية والتوازنات القائمة، والأهم أن تلك الجماعات لا تتبع جسماً سياسياً واحداً يمكن الوثوق به أو ترويضه لاحقاً. في المقابل، أثبت نظام الأسد طيلة سنوات حكمه السابقة التزامه بتلك القواعد على الرغم من صراخه المتكرر وتصريحاته النارية وتبنيه لخطاب المقاومة والممانعة. أضف إلى ذلك انزياح الرأي العام في الغرب نحو قبول استمرار الأسد ورفض دعم معارضيه. قد يفيد هنا التذكير أن  7%فقط من الأمريكيين يعتقدون أن بقاء الأسد في الحكم يضر بمصالح بلدهم. الطرف الثالث الذي أفرزته الحرب في سورية هو تنظيم داعش الذي تجرأ وأقدم على مغامرة انتحارية في قلب الشرق الأوسط فأسس لمشروع لا يعترف باللعبة السياسية القائمة ولا حتى بالقواعد الأخلاقية السائدة في عالمنا الراهن. بالنسبة للمجتمع الدولي، جميع البدائل السابقة ليست جيدة، لكن بعضها أقل سوء من غيره.

 

بعد استبعاد داعش يبقى فقط النظام ومعارضيه. يسود حالياً شبه يقين بأن لا انتصار ساحق يمكن أن تحققه المعارضات على الأسد. كان يمكن لتدخل إقليمي أن يحسم الموقف لصالح مناوئي الأسد لو أنه تم قبل أن ترمي روسيا بثقلها عسكرياً في سورية إلى جانب النظام وبرضى دولي. أما أن يحصل تدخل سعودي أو تركي في الوقت الحالي فذلك سيسهم فقط في تعقيد الصورة وإطالة أمد الحرب الدائرة. أما إن استمرت الأمور على ما هي عليه، ما الذي قد يمنع الأطراف الدولية من فسح المجال للنظام السوري ليستعيد السيطرة على الكثير مما خسره! نظام الأسد بات ضعيفاً ومرتهن الإرادة أكثر من أي وقت مضى. وفي حال أعاد بسط سيطرته سيبقى منشغلاً بترتيب ملفاته الداخلية.

أسد منزوع الأنياب والمخالب يحكم بلداً مدمر ومجتمعاً منهك ومتشظي قد يكون السيناريو الأكثر واقعية في ظل المعطيات الحالية. لكن لا يجب أن يُفهم من ذلك أن الأسد سيصبح فجأة حليفاً للغرب. بل أن هكذا خيار سيمنح الغرب مزيداً من الوقت لضبط إيقاع التحضير لما بعد الأسد، بما يعيد إلى الأذهان سيناريو عراق مابعد حرب الخليج الثانية. اليوم، إسقاط الأسد ليس في مصلحة غالبية الفاعلين الدوليين. بعد عدة أعوام قد تتغير الظروف في سورية أو قد يحصل مستجد في عالم العلاقات الدولية يجعل من إزاحة الأسد ممكن التحقق. من دون أن ينفي ذلك إحتمال انخراط الأسد في تحالفات إقليمية ودولية قد تضمن له بقاءاً أطول. أو قد تظهر معارضة سورية ذات خبرة سياسية ودبلوماسية تتبنى خطاباً مختلف يراعي موقع سورية وطبيعة العلاقات الدولية والإقليمية القائمة.

 

بعيداً عن النظرة الحالمة ولغة التمنيات، إما أن يستمر الأخذ والرد في الحرب الدائرة على الأرض السورية، أو أن يحكم الأسد سورية كما حكم صدام العراق في التسعينيات، محاصر دولياً ويثبّت حكمه بالحديد والنار. في الحالتين الشعب السوري يدفع الثمن دماً وجوعاً وقهراً وتشريد. لكن الجيد أنه من غير الممكن الجزم بمسارات الأحداث لاستحالة الإحاطة بجميع المدخلات في الحقل السياسي. فتلك الصورة القاتمة ليست حتمية، لكنها نتيجة قراءة موضوعية للخبرة التاريخية وباستخدام مفردات الواقعية السياسية التي هي لغة العلاقات الدولية. من الممكن تغيير سيناريوهات المستقبل لصالح المزيد من العدالة والحرية لشعوب المنطقة فقط إن تم دعم إرادة التغيير بمزيد من الوعي والمسؤولية والتخطيط الاستراتيجي الجيد.

 

* عزام القصير:

-  باحث سوري مقيم في لندن، حاصل على ماجستير في سياسات الشرق الأوسط من جامعة إكستر، بريطانيا

-  مهتم بدراسة حركات الإسلام السياسي وقضايا الإصلاح الديني والتحديث السياسي.


 

التعليقات

تحليل منطقي وواقعي وخاصة أنه لم يجزم بنهايات الامور وترك الباب مفتوحا لكل الاحتمالات وهو مايعني استمرار امد الصراع

علِّق

المنشورات: 2
القراءات: 7233

مقالات الكاتب

دين ودنيا