عدد القراءات: 3273

زهران علوش، مع قليل من الحيادية…

 

* أحمد عسيلي

أحمد عسيلي.jpg

في المشاهد الأخيرة من فيلم ليلة الكريسماس، الذي يعيد إحياء ذكرى هدنة الثلاثة الأيام التي عقدها الجنود الفرنسيون و الألمان في الحرب العالمية الأولى في ليلة عيد الميلاد، يدخل قديس مسيحي، ملقيا موعظة أمام الجنود، مركزاًٍ على جوانب الكره و الحقد التي ذكرت في بعض فقرات الإنجيل، و ذلك كي يكسر  روح الإخاء التي عقدت بين طرفي النزاع .

هذه الآيات، هي بالتأكيد منتزعة من سياقها، و هي جريمة في حق المسيحية و الإنسانية، لكن دوما للواقع شروط مختلفة .

 

هناك حرب، ربما يجب علينا إيقافها بشكل ما، لكن لا يجب على القادة أبداً بث روح الهزيمة في الجنود، لن يأتي قائد عسكري أبدا ليقول لا تسيلوا دماءً، أو لينقاش واحدة من أفكار المحبة و الإخاء قبيل المعركة .

ربما يكون هذا القائد مثقفا، ربما يكون عاشقا للأدب، ربما يكون في دواخله أديبا عظيما، ربما يكون محبا للسلام، لكن ظروف الحرب وضعته في مكان تحفيز الهمم، و لكل مكان مقال .

لا نستطيع أبدا وضع كلمات قائد عسكري وقت الحرب، في ميزان قيمنا و مثالياتنا، و إلا لحكمنا على كل الأيديولوجيات و الأديان، و رجال التاريخ بأنهم مجرمون .

و إن كنا سخرنا من كلمات النمر في حديثه مع التفزيون السوري، فلأنه خطاب أجوف غير مفهوم، و لا يخدم الحالة التي اختار (أو حتى أجبرته الظروف ) أن يضع نفسه بها،

كانت كلمات النمر لا معنى لها، غير مفهومة، غير محفزة، و لا ترسم هدفا واضحا يفهمه جمهور المتلقي، لذلك، و لذلك فقط هي كلمات تستحق السخرية .

أما خطابات  زهران علوش، و استخدامه الأسلوب  الديني المحافظ، فيه شيئ من المعاداة للقيم الديمقراطية، فهو خطاب متناسب مع الجو العام الذي وضع فيه .

هو ليس بمفكر، و لا بمخطط استراتيجي للدولة ( و لا يوجد لدينا أمثال هؤلاء بكل حال )، بل قائد ميداني عسكري، من خلفية مدنية، دينية، يلتف حوله مجموعة من الشباب و العائلات المحافظة دينيا، فكيف سيكون الخطاب ؟

لن يكون بأي شكل علماني، و لا ديمقراطي أو انساني، و لا يساري بأي حال .

خطاب اسلامي، متناسب مع المتلقي لهذا الخطاب، و الذي يتحمل مسؤولية الفعل ( مؤقتا )، و لن يرضي بالتأكيد من ابتعد عن الفعل، و الذي  ربما يعود (لاحقا ) لينشر خطابه .

هو خطاب متناسب تماما مع ( لكل مقام مقال ) و الذي هضمه العرب سابقا، لكن الجيل الحالي من المثقفين الناطقين بالعربية، أبعد ما يكون عن أي فهم أو استيعاب .

و لو استمعنا الى خطب رجال الدين من كل الأديان العالمية، في فترات الحرب، لوجدنا نفس الأسلوب .

و هو خطاب لا يمثل بأي حال خريطة طريق للمستقبل، بل إن جيش الإسلام، و زهران علوش نفسه، لديه خطابات في تركيا، و في بعض مقاطع الفيديو الموجهة لقادة الدول، تختلف تماما عن خطاباته أمام جنوده .

بل أحيانا يضطر بعض القادة، لتغيير ملابسهم و أزيائهم، لغتهم و طريقة نطقهم بها، بما يتناسب مع الحالة التي يقفون أمامها .

فملك المغرب تراه يركب على حصان بثياب المغرب التقليدية، أثناء الإحتفالات المحلية في المغرب، بينما بباريس يركب سيارة حديثة مع ثياب رسمية، و لو عكس الحالة، أو لو تصرف بشكل مشابه في الحالتين، لكان غبي سياسيا بكل تأكيد .

هذا ينطبق أيضا على كل رؤساء العالم، و زعماء الأحزاب، في منطقتنا وفي العالم كله .

هي بديهية سياسية، يجب أن يعلمها الجميع، وأنا متيقن أن الجميع يعلمها، لكن سعير الكره و الحقد، و الرغبة في الظهور أحيانا، تعمي عن كل الحقائق و البديهيات .

فعلا لا أفهم أن يأتي (شاعر )، مهتم بعلوم اللغة، ليحلل خطابات علوش، و التي قيلت أمام بعض ( القبضايات ) في دوما، ليندب العلمانية و قيم الثورة السلمية .!

الثورة الآن لم تعد  سلمية، و هناك عشرات الآلاف من الشبيحة المتربصين على مداخل المدينة، الجاهزين  (ان استطاعوا ) لارتكاب كل الجرائم و الفظائع، لذلك يحق للقائد العسكري اختيار ما يراه مناسبا لبث الطاقة في جنوده، و ليس لطرح رؤيته لمعالم الدولة القادمة .

ربما أتفهم أن يدافع الإنسان عن موقفه و توجهاته الفكرية، لكن أعتقد أنه يلزمنا بعض الحيادية، و بعض التفهم لتقنيات تحليل الخطاب، قبل أن نتصدى باعتبارنا قادة فكريين، لنضع آرائنا في كل حيثيات الثورة .  

قليلا من الحيادية، قليلا فقط يا مثقفينا العظماء الأجلاء......فهذا القليل لن يحطم الأسطورة التي رسمتموها لأنفسكم في مخيلاتكم، باعتباركم القائمين على أسس الفكر الديمقراطي . و المؤهلين لرسم بنية الدولة السورية في المرحلة القادمة.....هذا إن تنازلتم لتساهموا في هذا العمل حين لزوم الأمر، و أنا أشك في هذا على أي حال .

 

أحمد عسيلي

طبيب نفسي سوري مقيم في باريس

التعليقات

لكل زمان مقال بس السؤال الي بيخطرلي لماذا اطلق النظام سراح زهران علوش الذي كان مسجون عنده عذا صح الخبر

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 24225

مقالات الكاتب

الزمن السوري
التعليقات: 4