عدد القراءات: 3392

سورية … تسخين استباقاً للتبريد

 

*نصر اليوسف

 

نصر اليوسف.jpg

بعد سنتين من الجفاء والقطيعة حصل لقاء بين الرئيس الأمريكي والرئيس الروسي، في نيويورك، في الـ29 من شهر سبتمبر من العام الفائت 2015، على هامش الاجتماع السنوي للجمعية العموية للأمم المتحدة.

يؤكد المطلعون على خفايا الأمور أن الجانب الروسي ألحّ في طلب عقد ذلك اللقاء إلى حد التوسل، إدراكاً منه بأن تغييراً حتمياً سوف يطرأ على مقاربة "أصدقاء الشعب السوري" للكارثة السورية، في الأشهر القادمة. ويعلم الروس علم اليقين أن التغير المنتظر سيطرأ ليس لأن مأساة السوريين أصبحت أكبر من أن تتحملها أو تتجاهلها ضمائر الإدارة الأمريكية الحالية، وليس لأن الأوربيين لم يعودوا قادرين على تحمل مناظر الأجساد الغرقى تملأ شواطئ البحيرة التي تفصلهم مياهُها عن بؤرة الكارثة، بل لأن الأوربيين بدؤوا يكتوون بلهيب الحريق الذي اندلع في الحقل المجاور لهم، ولأن الانتخابات الأمريكية أصبحت على الأبواب؛ وهذا هو العامل الأهم.

ومهما تكن صحة تلك التسريبات أو التكهنات، فإن اللقاء تمّ فعلاً، وبالتئامه دخلت الكارثة السورية في منعطف جديد.

 

المتابع المتعمق للخطوات والتدابير التي اتخذت بعد ذلك اللقاء المفصلي، لا بد أن يخلص إلى أن الكارثة السورية تسير ببطء في طريقها إلى الحلحلة. لكن مما لا شك فيه هو أن نتائج هذه "الحلحلة" لن تكون بالشكل الذي يتمناه السوريون، ولن ترتقي إلى مستوى، ولن تكون موازية للتضحيات الجسيمة التي قدموها. ولهذا السبب؛ ليس من المستبعد أن تظهر خلافات كبيرة في أوساط جمهور الثورة، بين أصحاب الرؤوس الحامية وبين الواقعيين، الذين يدركون أن هذا هو المتاح في العالم المعاصر.

وإذا ما صدقت التسريبات في حينه عن محادثات الرئيسين بوتين و أوباما في نيويورك، ثم في أنطاليا (على هامش قمة العشرين)، فإن الخطوط العريضة لسيناريو الحلحلة وضعت وأقرت، وأن كل ما جرى؛ من لقاءات بين وزيري خارجية روسيا وأمريكا، واجتماعات عقدها كل من الوزيرين مع نظرائه في الحلف الذي يترأسه، واجتماعات ضيقة، ومؤتمرات موسعة، يهدف إلى تقسيم الخطوط العريضة إلى مراحل، ولوضع الخطوات التنفيذية لكل مرحلة.

عندما تنعقد جلسات مفاوضات "عملية الانتقال السياسي" ستكون على طرفي طاولة المفاوضات وجوه سورية، تتكلم بالعربية وأحياناً باللهجة السورية. لكنها ستنطق بما تـُلقّن خارج قاعة المفاوضات. وهذا ينسحب على وفد ما يسمى بـ"النظام" كما ينسحب على وفد المعارضة أو الثوار، لأن القضية خرجت من أيدي السوريين وأصبحت كل أوراقها بين أيدي الروس والأمريكيين.

يجب ألا يُفهم من هذا أن الأفق مسدود، وأن أحلام السوريين بالحرية والكرامة تبخرت، وأن التضحيات التي قدموها ـ على مدى ما يقارب خمس سنوات ـ ذهبت سدى. أبداً!، فالانتقال إلى سورية الجديدة قادم لا محالة. أما شكل سورية الجديدة، وسرعة الانتقال إليها فمرتبطان بعدد كبير من العوامل الداخلية والخارجية.

فعلى الصعيد الداخلي؛ تصر بعض الجهات والشخصيات المحسوبة على المعارضة، على الحديث عن تقصير الائتلاف ـ ومن قبله المجلس الوطني ـ في إعطاء الأقليات تطمينات على مستقبلها بعد سقوط ما يسمى بـ"النظام". وهذا الأمر يمهد للحديث بجرأة وبصراحة عن الفدرلة، التي أصبحت واقعاً، ولم يبق سوى تثبيتها بشكل قانوني في الدستور.

وعلى الصعيد الخارجي؛ يستشف من تصريحات سرغي لافروف، وحتى من تصريحات بوتين نفسه، بخصوص الخوف على مصير المسيحين، وعلى الأقليات عموما، أن روسيا ـ الراعي الأقوى لما يسمى بـ"النظام" ـ ستدفع باتجاه الفدرلة. ومن المستبعد أن يلقى هذا الخيار معارضة تذكر من قبل الولايات المتحدة ـ التي تتحكم عمليا بإيقاع تصرفات الغالبية الساحقة من القوى التي تصارع ما يسمى بـ"النظام" ـ لأنها هي دولة فيدرالية.

وفي ما يتعلق بسرعة الانتقال إلى سورية الجديدة فيمكن التنبؤ بها من خلال قراءة ما بين سطور قرار مجلس الأمن رقم 2254 ومن خلال دراسة الحراك الدبلوماسي الذي سبق اتخاذ ذلك القرار، والذي جعل اتخاذ ذلك القرار بالإجماع ممكناً.

فالقراءة المتأنية لتصريحات المسؤولين الأمريكيين والكثير من زملائهم الغربيين، التي تعتبر بشار فاقداً للشرعية، وتصريحات الرئيس الروسي ووزير خارجيته، التي تؤكد أن روسيا لا تتمسك بشخص بشار، بل بالقانون الدولي.

هذه التصريحات مجتمعة تدفع للاعتقاد أن بشار سيخرج من المشهد السياسي في مرحلة مبكرة.

ومع خروج بشار ستتصدع المنظومة الطائفية التي يشكل آل الأسد محورها، لتنهار تلقائياً بأسرع ما يتوقعه الكثيرون.

 

علِّق