عدد القراءات: 5124

صالح مسلم وحزبه "المعارض"

 

* سمير سعيفان

سمير سعيفان2.jpg

 

أصول حزب البي يي دي:

حزب البي يي دي الذي يرأسه صالح مسلم هو الجناح السوري لحزب البي كي كي الكردي التركي الذي يرأسه أوجلان الملقب ب "آبو" الذي يدعو ويقاتل لقيام دولة كردية مستقلة في عموم كردستان.

بعد تأسيس أوجلان لهذا الحزب في سنة 1978، لجأ إلى سوريا التي كانت على خلاف مع تركيا لأسباب تعود جذورها لسلخ لواء اسكندرون عن سوريا عام 1939، ثم لقيام تركيا ببناء سدود عديدة على نهر الفرات بدون تنسيق واتفاق مع سوريا والعراق كون الفرات نهر دولي.  

 

أراد حافظ أسد استخدام حزب البي كي كي للضغط على تركيا فاستقبل الحزب وزعيمه أوجلان الى سوريا وقدم له الدعم بالمال والسلاح وإقامة معسكريات في الجزيرة السورية. ويشرح جمال باروت في كتابه "التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية" أن "ساهمت ثقة الرئيس السوري حافظ الأسد الكبيرة بأوجلان التي وصلت الى درجة حبه الشخصي له ومناداته ب " إبنيبدعم الحزب وتيسير الأجهزة السورية المعنية لعمله ونفوذه في الوسط الكردي السوري" (باروت ص 806).  ويقول في الصفحة 802 " بحلول تموز /يوليو 1984 غدا الحزب قادراً بفضل التسهيلات السورية على المبادأة بشن حرب عصابات منهجية ومنظمة داخل الأراضي التركية". ويشير الباحث "أن الجيش التركي رد على توسيع عمليات البي كي كي وتم تدمير نحو 2000 قرية كردية حتى العام 1994  وتهجير نحو 750 ألف نسمة" (باروت ص 804). وقد لجأت أعداد منهم الى الجزيرة السورية لتضاف الى الهجرات السابقة.  ويشير الباحث إلى سعي حزب ال بي كي كي لبسط هيمنته على المجتمع الكردي السوري وتهميش الأحزاب التقليدية الكردية التي تتركز قوتها في الجزيرة السورية، وتحولت هذه الهيمنة إلى عملية سيطرة بالقوة تجاه كافة القوى الكردية التي حاولت أن تعيق انتشاره وهيمنته، وفرض الحزب التبرعات على المجتمع الكردي السوري.

 

أوردت كل ما سبق لأوضح جذور العلاقة القوية بين البي كي كي ونظام الأسد، رغم أن الأسد اضطر للرضوخ للتهديد العسكري التركي عام 1998 وطرد أوجلان من سوريا عام 1998، حيث تم القبض عليه في كينيا عام 1999 في عملية شاركت فيها الاستخبارات الأمريكية والاسرائيلة مع التركية، بعد أن تنقل في عدة دول منها روسيا وايطاليا واليونان. بعدها بدأت صفحة جديدة من العلاقات السورية التركية نمت وتطورت على نحو خاص بعد 2005 وانعكست في علاقات منوعة اقتصادية وتجارية وسياسية وثقافية، حتى وصل الأمر أن تم ابرام 52 اتفاقية شملت كل مجال خلال زيارة أردوغان الى سوريا عام 2009.

بعد طرد أوجلان سنة 1998 قام الأسد بالتضييق على حزب البي يي دي، الجناح السوري لحزب البي كي كي، فتراجع نفوذه كثيراً، ولكن بقي البي كي كي وفرعه البي يي دي يتفهمان موقف النظام السوري الذي جاء تحت الضغط التركي.

 

لعبة النظام مع البي يي دي:

بعد قيام الانتفاضة السورية، أراد النظام أن يستخدم حزب البي يي دي في لعبته السياسية والعسكرية، وأن يبعد الأكراد، المعارضين التقليديين لنظام الأسد، عن الانتفاضة وعن المعارضة السورية، واستخدم لهذه السياسة اداتين رئيسيتين: الأولى قرار منح الجنسية لجميع الأكراد السوريين الذين امتنع عن تجنيسهم لعقود، مع تقديم وعد بإقامة حكم ذاتي كردي في شمال سوريا على نمط شمال العراق، والثانية أن يستخدم حزب البي يي دي كقوة على الأرض للسيطرة على مناطق واسعة من شمال سوريا يمنع المعارضة من السيطرة عليها.

يروي رياض حجاب رئيس وزراء سوريا المنشق، أنه في أواخر 2012 عقد الأسد اجتماعاً للجنة الأمنية التي تضم كافة قيادات أفرع الأمن السورية الكثيرة، وكان حجاب مشاركاً في الاجتماع بحكم أنه رئيس مجلس الوزراء. وفي الاجتماع طلب بشار الأسد من الأجهزة الأمنية تسليح الأكراد. وفي الواقع تم تسليح حزب البي يي دي فقط ولم يتم تسليح أية قوى كردية أخرى ، وتم تسليم البي يي دي مقرات وسيارات وأسلحة، وتمكينه من السيطرة على حقول النفط التي كانت  تنتج قبل 2011 أكثر من مائة ألف برميل في اليوم، فأصبح الحزب هو القوة الرئيسية في شمال سورية عسكرياً ومادياً، وقام بدوره على أكمل وجه، فسيطر على محافظة الحسكة ومدد سيطرته باتجاه عين العرب وتل أبيض وعفرين في الغرب، وأقصى القوى الكردية الأخرى، ومنع أي نشاط معارض للنظام سلمي ام مسلح. واتخذ كافة ترتيبات دولة مستقلة فأصدر دستوراً وانتخب برلمان وحدد العلم الخاص بالكيان، وشكل جيشاً وبدأ يتصرف كحكومة أمر واقع بانتظار تحويل الواقعي الى قانوني عندما تنضج الظروف، وبدأ يدعو الشباب لخدمة العلم ويجبي الضرائب ويستملك بيوت الغائبين ويقوم بالتهجير وتغيير التركيبة الديمغرافية، وأصبح هو القوة المهيمنة الواحدة. وبدأ بتغيير إسم الجزيرة السورية إلى "روج آفا" وإطلاق تسمية "كردستان الغربية" على شمال سورية، بزعم أنها أرض كردية تاريخية، رغم أن كافة الوثائق التاريخية تشير الى أن أرض الجزيرة كانت خالية من الأكراد حتى عشرينات القرن العشرين، عدا بعض القرى والجيوب القليلة على الحدود مع تركيا، وأن أكراد الجزيرة قد جاؤوا من الأراضي التركية نتيجة للثورات الكردية المتكررة وقمع الدولة التركية لها والتي لم تنتهي حتى اليوم. وأود الاستطراد هنا أن هذا لا يعني إنكار الحقوق المشروعة للسوريين الأكراد أسوة ببقية السوريين، ولكن ليس في كيان مستقل ولا كيان على نمط شمال العراق الذي يتحضر ليعلن استقلاله.

 

صالح مسلم المعارض:

الطريف في الأمر أن صالح مسلم يقدم نفسه كمعارض، وتصر روسيا والنظام على إشراكه في مفاوضات جنيف كمعارض. وهو من جانبه لا يتردد في إطلاق تصريحات معارضة، رغم تحالفه المعلن مع النظام، فهو يعلم ان النظام يحتاج له ولخدماته ولا يستطيع أن يستغني عنه، لذا لا يتردد في فعل وقول أي شيء يخدم مصلحته. وهو يرى مصلحته في أن يطرح نفسه كمعارض رغم تحالفه مع الأسد، إذ يرى أن الأسد لا مكان له على المدى الطويل، ومن جهة أخرى لا بد من أن يكون له علاقة مع المعارضة كي تيسر له مشاريعه أو على الأقل تحييد موقفها تجاه مشاريعه، وهو في الواقع يعلم أن المعارضة بأطيافها لن توافق على خططه، لذا يريد أن يكتسب قوته بذاته، وأن يعتمد على دعم يأتي من أربيل من جهة ومساندة أمريكية من جهة أخرى، حيث يتخذ الأمركان من الكانتونات الكردية حليفاً لهم، وقد أحسن صالح مسلم استغلال الحرب على الإرهاب في تمتين علاقته مع الأمريكان الذين ساندوه في معركة عين العرب وتل أبيض وفي غيرها في مواجهة داعش، بينما لم يساندوا الجيش الحر في أي من معاركه الكثيرة ضد داعش، كما نجح صالح مسلم في تمتين علاقته مع الروس أصدقاء النظام الذي يتحالف معه مسلم.

في الاجتماع التشاوري لتأسيس اتحاد الديمقراطيين السوريين في أيار 2013، وقد حضر صالح مسلم ضيفاً في هذا اللقاء بدعوة من ميشيل كيلو، ألقى صالح مسلم كلمة قال فيها أنه حزب معارض وأن نظام الأسد منع نشاطهم واعتقل منهم اكثر من 5000 عضو، وأنه مع تغيير النظام بالكامل ومع ذهاب الأسد إلى الأبد. وقد تسبب حضوره في زوبعة من احتجاجات الحاضرين ضد مشاركته في اللقاء كونه جزء من النظام ومعادي لانتفاضة الشعب السوري.

ضمن هذا النهج شارك صالح مسلم أيضاً  في مؤتمر القاهرة المعارض الأول والثاني عام 2015 ووافق على نص البيان وخريطة الطريق التي تقول بتطبيق جنيف وانتقال سياسي بدون الأسد، وبنفس الوقت يستمر تحالفه مع النظام، رغم بعض الاحتكاكات المحدودة التي نشأت بينه وبين قوات النظام في الحسكة عندما تجاوز الاتفاقات المبرمة مع النظام.  ويستمر الروس يضغطون لتمثيله ضمن أية هيئة تمثل المعارضة وضمن أي وفد للمفاوضات، وعندما لم يتم دعوته الى مؤتمر الرياض نظم صالح مسلم وحزبه مؤتمر القامشلي "المعارض" وأحضر بعض الشخصيات العربية والسريانية للتغطية، وأحضر هيثم مناع كواجهة "لدكانه المعارض".

 

في الحقيقة صالح مسلم وحزب البي يي دي ليس بالمعارض ولا بالموالي، بل هو كردي بمشروع قومي انفصالي يسعى لاستغلال الفوضى الحالية في سوريا لإقامة كيان كردي شبه مستقل على غرار شمال العراق الذي ينتظر ظروفاً مناسبة وقبول أمريكي وتجاوز الفيتو التركي ليعلن استقلاله. ويغريه في ذلك نفط الجزيرة ومياه أنهارها وأرضها الخصبة ومعدلات أمطارها المرتفعة وهو يطمع في اغتصاب مزيد من الأرض السورية ويحلم بالسيطرة على كامل شمال سوريا من  المالكية في أقصى الشرق وحتى الحدود التركية في الغرب دون انقطاع .

علِّق