عدد القراءات: 4401

المريض العربي

يا فاجرة، يا فاجرة!
كان يصرخ بأعلى صوته –ويقول أشياء أخرى— وهو يلوح يديه في الهواء. كنت أقف عند زجاجات المربى في سوبرماركت أنيق في مدينة بريدة قبل عدة سنوات في زيارة لأهلي في السعودية لما رأيت منظر هذا الرجل في نهاية الممر الذي كنت أقف فيه. حزنت في نفسي على المرأة التي يرميها بهذا الشكل وتوقعت أنها ربما أجنبية في الممر الذي بجانبي قادمة مؤخرا ولم تتعلم بعد عادات المدينة وعرفها. وتوقعت أنها كاشفة عن شعرها أو ربما وجهها كليا. وقلت في نفسي، ايه الحمد لله أني لم اسمع لأمي ولبست القفازات السوداء أيضا تجنبا لأي إزعاج. وعدت بنظري لزجاجات المربى. ولكن الرجل في نهاية الممر صار يقفز ويزداد صراخا ويزداد سبابا. نظرت حولي، فلم أجد أحدا غيري في نهاية الممر. استغربت قليلا ووقفت باستقامة ثم نظرت إلى نهاية الممر نحوه، فوجدت أنه يؤشر نحوي. فعملت إشارة استفهام بتوجيه اصبع لنفسي، كاستفهام صامت، هل تقصدني أنا؟ فصار يقفز، ويقول: "نعم ايه ايه أنتِ أنتِ!" استغربت كثيرا. سبحان الله. وعملت حركة أخرى بتدوير يدي في الهواء قاصدة، ولم هذا؟ فصرخ من آخر الممر، "التزمي بالحجاب الكامل!" عندها انتبهت أنه عندما كنت احاول اختيار زجاجة مربى كنت رفعت الغطاء الخارجي للبرقع، مما ابرز عيني فقط بينما بقي وجهي كله مغطى. وقفت مندهشة. كانت لحظة سوريالية. لم أكن مغلفة في حياتي كما في تلك اللحظة ولكن في نفس الوقت لم أشعر بالتبرج كما شعرته في تلك اللحظة. كنت أريد عباءة سوبرمان لتقيني نظراته وكلامه. شعرت أن كل السواد الذي ألبسه لم يكن كافيا.
ذهبت تلك اللحظة وأحياتنا تندرت عليها واختفت تقريبا من ذاكراتي وكنت أشعر بأن هذه الممارسات ستتلاشى مع تقدم الوقت، كما غابت عني ملامح ذاك الرجل كليا بعد هذه السنين. لكن وجدت نفسي أعود إلى التفكير به بعد أن ظهر الرجل في سوريا بل وصار يستنسخ نفسه كما نرى أحيانا في أفلام الخيال العلمي، لنجد نسخة منه في كل مدينة وحي، ويزعق نافثا غبار التاريخ في وجوهنا.
كان هذا موقفا نشازا لتجاربي مع الرجال العرب والمسلمين الذين نشأت حولهم أو تعاملت معهم. وكان ايضا متعاكسا مع الإسلام الجميل الذي نشأت في احضانه مع همسات جدتي التي أدخلت حب القرآن إلى قلبي أو زوجة خالي الراحلة التي كانت تدرسنا السيرة في قريتنا الهانئة في هضبات الجولان في العطل الصيفية أو كل الأفكار الإنسانية عن سنن الكون والتاريخ التي تعلمتها من خالي. لذلك لم يكن الإسلام السعودي بشبيحته من فرق المطاوعة يقلق مضجعي كثيرا وكنت أراه أبعد من الإسلام بأشد من بعد الهندوسية عنها. كان بالنسبة لي أقرب لامتدادات كهنوت قديم عتيق في الجزيرة العربية وصدى لمسيلمة في تلك المناطق ومحاولة منافسته للإسلام. كنت فعلا أرى أنه دين جديد لا يمت بصلة لديني الذي كنت ارى فيه نورا لقلبي وحياتي.
ولذا لما وقف هذا الرجل يسب فقد بدا لي مريضا نفسيا وخارجا كليا عن النمط الإسلامي الذي اعتدته في خيالي وقلبي. بل واشفقت عليه –وحاليا استغفر له. تماما مثل أن ترى رجلا يلبس بيجامة ويضع منشفة على رأسه يمشي حافيا بين السيارات ويزعق بكلام غير مفهوم. بالتأكيد ستشفق عليه وقد تحاول أن تتحدث مع من حولك في كيفية مساعدته. ولكن ماذا سيحدث لك إذا صارت ثورة في بلدك، وصرت تكتشف أن آلاف الناس بل مئات آلاف الناس يضعون المناشف على رؤوسهم ويمشون بهذيان بين السيارات وأن ذلك الرجل المريض الذي اشفقت لوضعه الاستثنائي قد صار هو النمط الاعتيادي وصار يتجول بنسخ مكررة في بلدك الذي كنت تراه بعيدا بعيدا عن ذاك المرض؟
الفرق الوحيد أن مسيلمة صار يسوق سيارة وعنده تلفون خلوي.
ما يحدث لنا حاليا ليس له علاقة بالدين حسب وجهة نظري. هو تجلي لأمراض إنسانية بسبب الأمية الفكرية والأمية العاطفية والغياب عما حدث في التاريخ المعاصر. فنحن الآن نريد أن نعمل معارك طواحين انتهى منها الآخرون. الغرب وخاصة في القارة الأوربية قام بحروبه المذهبية والدينية وحرقوا النساء بتهمة السحر ونتفوا تعذيبا وقطعا اجساد من رأوا بأنهم مهرطقون. ثم ابعدوا الدين فدخلوا في دوامات الصراعات القومية وأيضا فجروا بعضم ونتفوا بعضهم وقاموا بحربين عالميتين. بعد أن جربوا كل شيء قرروا أن يخرجوا من الجنون بكل تجلياته فاستطاعوا ان يوحدوا القارة تحت مصالحهم المشتركة وأزالوا الحدود وصارت أرضا حراما لا يقتلون فيها بعضهم.
كيف نتجرأ أن نعمل أي شيء أو نتحدث عن أي شيء بدون أن نخرج من عقلية الحارة الضيقة ونعرف ما حدث حولنا؟
هذا الرجل الذي يزعق حاليا في حارات الوطن العربي يحتاج لعلاج سريع، يبدأ أولا بفك أميته الفعلية والفكرية والعاطفية. وبعدها لو كان دينيا أو علمانيا أو قوميا أو مريخيا سيمشي سويا يتحدث بأدب وتهذيب مع من حولة وسيتحول الدين إلى أداة رحمة بيده وسيتحول العلم إلى وسيلة لحل مشاكله وستصير العلمانية إطارا محايدا لفهمه السياسي، لأن ما يقع بين يدي الإنسان الرشيد يكون نورا يسعى بين يديه. أزمتنا هي أزمة جهل وغياب وعندما نحل هذا سيتحول كل ما عندنا وما عند الآخرين إلى كنوز معرفية تضيء حياتنا.

علِّق

مقالات الكاتب

وجهات نظر
سوريون
التعليقات: 0