عدد القراءات: 10627

المسلمون.. والميل للانتحار!


حبس المسلمون في أوروبا أنفاسهم بعد حادثة سقوط الطائرة الألمانية في جبال الألب الفرنسيّة، والتي أدّت إلى مقتل الفاعل (وهو مساعد الطيّار) بالإضافة إلى 150 شخصاً كانوا على متنها. وبينما كانت التحقيقات جارية لمعرفة أسباب السقوط كان المسلمون يتأهبون لاستقبال خبرٍ صادم حول هويّة مساعد الطيّار، بعد أن أصبحت أصابع الاتهام موجّهة لهم أينما وجد الإرهاب، محليّاً أو عالميّاً..

تزامنت الحادثة مع إجراء الانتخابات الإقليميّة في فرنسا، والتي شهدت فوزاً ساحقاً لليمين الجمهوري بقيادة ساركوزي على تيّار اليسار في معظم الأقاليم، فيما عزّز اليمين المتطرّف مواقعه في المجالس الإقليميّة.. تسارعت الأحداث ضمن جوٍّ من التعبئة الإعلاميّة (والمجتمعيّة) ضد المسلمين، وعقيدتهم بصورة عامّة، بعد أن أصبح الإسلام مستهدفاً ثقافيّاً، وأصبح معه الوجود الإسلاميّ في فرنسا مادّة رئيسيّة في الدعاية الانتخابيّة للأحزاب السياسيّة المتصارعة على السلطة، لا سيما الأحزاب اليمينيّة..

تزامن ذلك أيضاً مع احتفال صالات السينما في فرنسا بعرض الفيلم الموريتاني تمبيكتو (أو حزن الطيور بحسب تسمية بديلة) الذي تمّ إصداره في شهر أيار من العام الماضي..  وبالمناسبة فإنّ الفيلم حصد العديد من الجوائز  في فرنسا ورُشّح لجائزة الأوسكار عن أفضل فيلم بلغة أجنبيّة. تدور أحداث الفيلم حول واقعة اجتياح الجماعات الإسلاميّة (على رأسها جماعة أنصار الدين) لشمال مالي وسعيها إلى فرض فهمها للشريعة الإسلاميّة على المجتمع (الإسلامي) المحلي.. الجدير بالذكر أنّ الفيلم لا يعدو أن يكون عملاً وثائقيّاً، لكنّه أنجز  بتقنيّات سينمائيّة لا خلاف عليها، من حيث براعة التصوير و عمق المشاهد الإيحائيّة والموسيقى التصويريّة المؤثّرة.. تقوم الحبكة على سرد بعض القصص والأحداث الحقيقيّة، كحادثة الرجم التي جرت بحق عشيقين في المدينة. مضافاً إليها قائمة من الانتهاكات التي جرى تكثيفها خلال مدّة لا تتجاوز الساعة والنصف؛ بدءاً بمنع وتحريم الموسيقا وكرة القدم مروراً بالرجم وانتهاءً بتطبيق عقوبة الإعدام بحق مرتكب جريمة القتل بالخطأ.. اعتمد الفيلم على السرد المكثف بهدف الوصول إلى شيطنة مُحكمة لمجمل الجماعات الإسلاميّة ولفكرة تطبيق الشريعة.. ولا جدال في أنّ هذه الجماعات تقدّم لخصومها كل مبررات الشيطنة، دون أن تعترف بضرورة المراجعة والنقد.. يدّعي مخرج الفيلم أنّه يقدّم من خلال عمله نقداً للجماعات المتطرّفة، وتوضيحاً لموقف المجتمع المسلم الرافض لها.. وفي الواقع كان هذا الانطباع الذي عبّرت عنه فئة من الفرنسيّين بعد مشاهدة الفيلم.. لكنّ الذي لاحظته شخصيّاً (ضمن نقاشٍ موسّع حول العمل) أنّ بعض المتابعين (من جنسيّات مختلفة: آسيويّة.. لاتينيّة.. أوروبيّة) قد أخذوا انطباعاً مختلفاً تماماً.. فاحتقارهم لم يقتصر على هذه الجماعات، بل تعداها ليشمل المجتمعات الحاضنة لها أيضاً ! فالفيلم ينقل ـــــــ من جملة الموبقات التي يسردها ـــــــ حادثة قتل غير مقصود لأحد أبناء المنطقة من قبل جاره (المعادي أساساً لوجود المتطرّفين ولسلوكيّاتهم العنيفة).. فحمولة الفيلم تتجاوز إذاً مسألة نقد الإسلاميّين إلى انتقاد المجتمع الإسلامي (المحلّي) بالمجمل، لكونه -بحسب ما توحيه الصورة- مجتمعاً بدائيّاً قائماً على أساس العنف، وقابلاً لإنتاج الجماعات العدميّة أو احتضانها في لحظةٍ ما.. في حين أنّ الإشارة إلى الإسلام الشعبي المعتدل والعقلاني في العمل لا تتجاوز دقائق معدودة، يكاد يُهمل تأثيرها أمام قسوة ورسوخ مشاهد الجلد والرجم والقتل واشتهاء النساء.. فهل يحقُّ لنا بعد ذلك أن نتساءل بعد ذلك حول سبب الشهرة والجوائز التي نالها الفيلم والحفاوة التي يستقبل بها في أوروبا؟! سيما بعد أن نعلم أنّ مخرج الفيلم (وهو الموريتاني عبد الرحمن سيساكو) كان ينوي بادئ الأمر إنجاز فيلمٍ عن العبوديّة في موريتانيا، الأمر الذي لاقى معارضةً من الرئيس الموريتاني، ليفاجئ العالم بعد ذلك بفيلمه هذا حول الجهاديين، بدعمٍ من النظام الموريتاني الذي أمّن الدعم المالي والحماية العسكرية الكاملة لطاقم العمل !

تزامنت هذه الأحداث أيضاً مع أخبار الشرق الأوسط المشتعل، من سوريا مروراً بالعراق وليبيا انتهاءً باليمن.. والتي لا يرغب الغربيّ إلا بسماع رواية وحيدة عنها؛ فلا حديث اليوم إلا عن داعش والقاعدة.. والإرهاب الإسلاميّ القادم من الشرق.. لا يريد أحد أن يسأل نفسه كيف حدث كل هذا.. فالمهمّ الآن (غربيّاً) هو الحديث عن التكوين العنفي البدائي لمجتمعاتنا، و الذي ينتج كل هذا الكم من الإجرام..

وبالعودة إلى حادثة الطائرة الألمانيّة، التي قد تبدو لا علاقة لها بهذه اللقطات المتفرّقة للمشهد الإسلامي؛  فإنّه ممّا لا شكّ فيه أن مسلمي أوروبّا ــــــ وبعد أن أنجاهم الله من عواقب هذه الحادثة ـــــ قد ذرفوا الكثير من الدموع.. لكن على القاتل هذه المرّة وليس على الضحايا ! بعد أن صدّعت وسائل الإعلام رؤوسهم بالحالة النفسيّة السيئة التي مرّ بها مساعد الطيّار والتي أدّت إلى انتحاره (بطائرة محمّلة بالركّاب).. لم يعد من الضروري التذكير بعشرات الضحايا الأوروبيّين طالما أنّ الجاني (الأوروبي المسكين) يعاني ــــ بحسب قولهم ــــ من ميول انتحاريّة !

حين يكون القاتل غربيّاً، فعلينا أن نجلد أنفسنا على تقصيرنا في معالجة ميوله الانتحاريّة.. لا قيمة هنا لضحاياه، وإن كانوا بالمئات.. أما حين يقوم بضعة مسلمين "مجانين" بارتكاب جريمة، فعلينا أن نجلد جميع المسلمين وأن ندفعهم إلى الانتحار..

ترى ألا تكفي ممارسات الغرب لأن يعاني كل ساكني هذا الشرق.. من ميول انتحاريّة؟!

علِّق