عدد القراءات: 20822

سوريا ولّت وهاكم طريق إعادتها

* د. طارق أبو غزالة

طارق أبو غزالة.jpg


رغم انني كنت مسرورا جدا بالمشاركة في النشاط الذي أقامته الجالية السورية الامريكية في واشنطن يوم السبت 30 نيسان، والذي تكلل بنجاح غير متوقع حين سار المتظاهرون من البيت الابيض الى فندق الهيلتون، وتظاهروا هناك رافعين صوت الحق امام أوباما والآلة الاعلامية الامريكية الجبارة التي دعاها لحضور العشاء الذي يقيمه البيت الابيض سنويا على شرف الاعلاميين والمراسلين الامريكيين، الذين لهم دور كبير في صياغة الوعي الدولي تجاه معظم القضايا، إلا أنه رغم ذلك أبت قصة قديمة الا أن تقفز الى ذهني.

 

قصة كان قد حدثنيها أخ طبيب سوري كان قد ترك أمريكا وسافر الى السعودية للعمل هناك. التحق هذا الطبيب بعمله في مشفى خاص في الرياض وبدأ ممارسة مهنته متفوقا كعادته حيث كان قد تخرج من كلية الطب في جامعة دمشق على رأس دفعته بمرتبة الشرف ثم لمع خلال اختصاصه بالامراض الباطنية ومن ثم القلبية والقثطرة قبل ان ينتقل الى السعودية.
قال لي هذا الاخ الطبيب وهو يشرح لي ظروف العمل في المشافي الخاصة في المملكة: جاءني مرة مريض يشتكي من أعراض قلبية وبعد أن فحصته بدقة وشخصته أخبرته انه يحتاج الى القثطرة وعند ذلك أخرج من جيبه قصاصة ورقية عليها رقم هاتف وطلب مني وهو يتملص بذكاء أن أهاتف الطبيب الاستشاري في مستشفى الملك فيصل التخصصي لاجراء القثطرة هناك!


ثم تابع صديقي الطبيب قائلا ظننت الامر في البدء نادرا واذا بي أفاجأ ان كل المرضى تأتي اليّ للتشخيص فقط حتى اذا احتاج الامر للقثطرة طلبوا مني الاتصال بالمستشفى التخصصي لنقل الحالة اليها كي يجري الاطباء هناك عملية القثطرة التي كنت اجريها بسهولة ونجاح في امريكا في دقائق.
ثم أردف صديقي قائلا: عند ذلك فقط علمت أنني في المكان الخطأ وانني انا الذي يجب ان اكون على الطرف الآخر من الهاتف في مستشفى الملك فيصل استقبل المرضى لاجراء عملية القثطرة.
وفعلا بدأ صديقي بالعمل على ذلك وبعد أشهر انتقل للعمل في نفس المستشفى التخصصي في جدة وأصبح رئيسا لمخبر القثطرة فيه وأفاد من علمه الكثيرون.
هذا المثال الذي الذي طفا إلى سطح ذاكرتي اليوم بعد شعور السرور من نجاح الوقفة الاحتجاجية التي قمنا بها في واشنطن فيما كبار الاعلاميين يمرون من امامنا ونحن نتظاهر ونبح الحناجر سببه أنني أحسست فجأة أننا نقف على الرصيف الخطأ واننا لو اردنا فعلا ان نخدم سوريا لكان لزاما علينا أن يكون من بيننا من هم على الرصيف الآخر الذي يمشي عليه الاعلاميون في طريقهم الى الفندق لا كمتظاهرين بل كمدعوين الى حفل العشاء الرئاسي بحكم تفوقنا في مجال الاعلام الامريكي.


آن الاوان ليستفيق السوريون على الحقيقة المرة. سوريا لن تعود الآن ولن تعود غدا. نحن السوريين قد أصبحنا مثل الارمن في مطلع القرن العشرين ومثل اليهود في منتصفه. يلزمنا وقت طويل لنصل لما وصلوا إليه. لكن يجب ان نبدأ بالمسير والا فلن نصل. اليهود عددهم ١٦ مليونا في كل العالم والسوريون عددهم فوق الخمسين مليونا ينتشرون في كل القارات. الفرق بيننا وبين الارمن واليهود ان اولئك تعاونوا وأوصلوا شبابهم الى مفاصل القرارات الهامة في اميركا. ونحن مازلنا بعيدين عن روح التعاون هذه يظن معظمنا اننا تجار في سوق الحريقة نتنافس على الغلة. آن الأوان للسوريين لتغيير نمط حياتهم بشكل جذري والتخطيط بعيد المدى. اقتصارنا على إدخال أبنائنا وبناتنا كليات الطب والصيدلة والهندسة فقط لن يفي بالموضوع. يجب علينا ان نشجعهم على الدخول في مجالات الاعلام والسياسة والمحاماة والقضاء والمال والفن وغير ذلك.
لذلك فأنا أدعو المهتمين من السوريين الامريكيين الى الانسحاب (ريتريت)  في مكان ما ليومين أو ثلاثة لتدارس هذه المسألة، مسألة الانخراط في مفاصل القوة في هذه البلاد ووضع تصور لهذا الموضوع والعمل على نشره. اذا نجحنا في ذلك فلن يكون تأثيرنا مقتصرا على سوريا با سيتعداه الى التأثير على كثير من القضايا الانسانية بما نراه نحن حقاً وعدلاً.

التعليقات

اعتقد ان هذه المسالة يجب ان تكون الشغل الشاغل لمنظمات العرب الأمريكيين التي تعمل على "الدعوة لتنظيم وتنشيط الجاليات لإسماع صوتها في المجالات السياسية التي تهمها في أمريكا وفي البلاد العربية "مجتمعة او منفردة.

علِّق