عدد القراءات: 10349

لماذا لا يمكن أن تقوم دولة إسلامية اليوم؟

 

* معتز شكري فيصل

 

أولاً نسجل اعتراضنا على كلمة دولة إسلامية فهذا مصطلح مغلوط، فالدولة هي مؤسسات وعلاقات وأرض وشعب تحكم وتدار بواسطة قوانين، وهذا كله لا يمكن أن يوصف بوصف إسلامي.

أما كلمة حكومة إسلامية فهي تعاني من نفس الاعتراض، فالحكومة هي وزارات وإدارات ومؤسسات لايمكن وصفها بالإسلامية أو غير الإسلامية. يبقى أن نقول قوانين تحكم الدولة وتضبط عمل الحكومة، هذه القوانين يمكن أن تكون مستمدة من الفقه الإسلامي، ويمكن أن تكون غير متعارضة مع الفقه الإسلامي، ويمكن أن يكون لها أصل في الفقه الإسلامي، فإذا كان هذا هو المراد فيمكن أن نتكلم عن دولة تدار بقوانين وأنظمة إسلامية أو لا تتعارض مع الإسلام.

 

يظن البعض أن اسم الحاكم ولقبه يكفي، أو أن طول لحيته يحل المشكلة، ويظن آخرون أن تسمية الدولة بالإسلامية يحل الإشكال، ولكننا نخوض اليوم تجارب دامية يعلمنا الله من خلالها، (لأننا لم نتعلم من التاريخ ولا من تجارب الأمم ولا من تجاربنا السابقة)، يعلمنا الله ومن خلال نزيف دمائنا ودماء أهلنا وأطفالنا أن هذا حلم لن يتحقق.

عندما نتكلم عن قانون فإننا حكماً نتكلم عن قوة تستطيع فرض هذا القانون، وهذا دور الحكومة أو الدولة عادة، تستعين لتحقيق ذلك بالجيش والشرطة وكل وسائل القوة التي تحتكرها الدولة، وليست القضية هنا قضية فردية أو قضية جماعة أو تنظيماً أو حزبأ ضمن الدولة. ولا يقبل عاقل في الكون أن يكون تطبيق القانون موكولاً للأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو الميليشيات، وإلا وصلنا إلى ما نراه من تفكك الدولة كما في حالة لبنان والعراق وسوريا على سبيل المثال.

نحن اليوم أمام جماعات وأحزاب وقوى اجتماعية تتكلم عن دولة إسلامية، وترفع شعارات تعتبرها تمثل الإسلام، ولكنها في نفس الوقت لا تمتلك أهم مقومات هذه الدولة وهو فرض سيطرتها وقدرتها على تحقيق القانون الذي تعتبره قانوناً إسلامياً واجب التطبيق. لذلك اكتفت كل جماعة واكتفى كل حزب بالمنطقة التي يسيطر عليها ليعلن عليها دولة إسلامية لا تتجاوز مساحتها في بعض الأحيان كيلو متراً مربعاً واحداً. هذه المساحات تفتقر للأسف إلى أدنى مقومات الدولة وحتى إلى القانون، و أعظم ما استطاعت تحقيقه هو محاكم شرعية وقضاة شرعيين.

 

الإشكال الآخر والأهم هو أن هؤلاء المسلمين الطامحين لقيام دولة إسلامية كما يعلنون، غير قادرين على الاجتماع على رأي واحد في أي أمر من الأمور، خاصة أن الإسلام بقواعده الأساسية جاء عاماً شاملاً صالحاً لكل مكان وزمان، كما يردد من يريدون تطبيقه اليوم، فمن هي القوة التي ستلزم الناس أو ستجمعهم على رأي واحد؟ ومن الذي سيقرر أي رأي هو الأصلح لمشكلة معينة؟ ومن الذي سيختار عند سن القوانين الرأي الفقهي الأكثر ملائمة للناس وللمجتمع؟ هم عادة العلماء، ولكن العلماء غالباً ما يختلفون ولا بد لهم من سلطة تفرض رأيها في النهاية وتختار الرأي الفقهي المناسب للدولة ككل، فبدون سلطة وسلطان لن يكون هناك سوى الاختلاف الذي سيؤدي للخلاف وبعده النزاع وبعده القتال والتفكك.

لم نر في التاريخ الإسلامي دولة إسلامية بدون سلطة وبدون سلطان، كانت البداية من الأعلى بموافقة الطبقات الدنيا غالباً وبدون موافقتها أحياناً، بتوافق العلماء (القوة العلمية والقانونية) مع السلطان (القوة التنفيذية وأحيانا العلمية) أو بخضوعهم له طوعاً أو كرهاً أو درءاً للفتنة، سمها ما شئت، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن للدولة الإسلامية أن تقوم في المدينة المنورة لولا إجماع المسلمين على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى فهم علاقة المسلمين بنبيهم كقائد وسلطان ونبي مرسل مشرع بأمر الله تعالى، ولم تكن الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء لتقوم لولا اجتماع الناس على خلفائهم وطاعتهم لهم وتمكينهم من السيطرة على القوة التنفيذية والموافقة على احتكار التشريع والتقنين من طرف الخليفة ومن يختارهم من المستشارين العلميين المسؤولين عن التشريع والقضاء. لذلك وبمجرد سقوط شرط الطاعة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، انفرط عقد الدولة وأصابها الشرخ الأول في تاريخها والذي مازلنا نعاني منه إلى يومنا هذا.

 

فيما تلى من التاريخ الإسلامي كانت السلطة دوماً هي الأولى ثم كان التشريع والقضاء والقانون تبعاً لهذه السلطة، له من القوة ما يختلف من زمن إلى زمن، فكنا نسمع عن علماء كانوا تبعاً للسلطان، وعن علماء عارضوا السلطان، وعن علماء قادوا السلطان، وعن علماء فرضوا رأيهم على السلطان، المهم أنه لولا وجود السلطان لما كانت الدولة (وهذا بالتراضي والتفاهم والعقل والمنطق) وهذا كان السبب الرئيسي في سكوت العلماء أحياناً أو دوماً عن أمور نعتبرها نحن اليوم من الأخطاء التي لا يمكن السكوت عنها.

ما يفعله اليوم كل من يدعي أنه يريد إقامة دولة إسلامية، أو أنه يدير دولة إسلامية هو أنه يحاول بقوة السلاح فرض سيطرته على مكان معين وعلى كل من يقطنون هذا المكان، دون أي استشارة لهم أو أخذ برأيهم. هذا يدفع الناس للهجرة والهرب أو للرضوخ والخنوع منتظرين الفرصة الأولى للتخلص من هذا الحاكم الجديد الذي لا يختلف عن الحاكم السابق بشيء بالنسبة إليهم. هذا لا ينفي وجود من يقتنع بكلام الحاكم الجديد ويرضى بحكمه، ووجود من يرضى باعتباره أخف الضررين. ولكن ما هكذا تقوم الدولة لا الإسلامية ولا غير الإسلامية.

ما يحصل وسيحصل وسيستمر هو القتال بين هذه الفصائل، فهذا هو الأمر الوحيد المؤكد على الساحة اليوم. لن يجتمعوا على رأي في مجال الحكم والقانون والتشريع والشريعة، فهم كما نرى لم يجتمعوا على قتال عدوهم الذي يبيدهم بشكل ممنهج ويحاول سرقة ثورتهم وإخمادها إلى الأبد، ويعرّض أهلهم للتهجير والسجن والقتل والذبح، ويحاول استبدالهم بمؤيديه حتى من الغرباء، كل هذا لم يستطع أن يوحدهم عسكرياً فكيف سيتوحدون فكرياً وقانونياً وسياسياً؟

لن يكون هناك حلٌّ بالقوة، خاصة أن الجميع لا يستطيعون تصنيع رصاصة، وأنهم جميعاً مرتبطون ومحتاجون لمن يزودهم بالسلاح، وهو في المحصلة من يفرض شروطه شاؤوا أم أبوا. لن تقوم دولة بالقوة العسكرية ولن يستطيع أحد أن يكرر مأساة شعوبنا التي خاضتها بعد الاستعمار، حتى لو كان يظن أنه سيأتي للناس بالحل الإسلامي الذي سيسلب عقولهم وألبابهم فيسيرون ورائه مغمضي الأعين.

 

الحل الوحيد المطروح اليوم هو التغيير بالتراضي وبالتدرج، كما يفعل العقلاء من بني البشر، وكما أكدت التجربة في بلاد إسلامية أخرى، لابد من ممارسة اللعبة بقوانين المجتمع الدولي على علاتها ونذالتها أحياناً. لابد من ترسيخ الديمقراطية والحرية والحوار مع الجميع والتغيير السياسي البطيء والتغيير بالاقناع وبسلطة القانون وبنشر الرخاء المادي والثقة بوطنية وإخلاص من يصل إلى الحكم إو إلى مناصبه العليا من المسلمين الذين يريدون السير على هذا الطريق ويحلمون بالدولة الإسلامية المنشودة.

لن نصل بالحروب إلى نهاية إلا كما وصل غيرنا؛ إبادة شاملة ودمار شامل وأسلحة فتاكة وتهجير وقتل وسفك للدماء، هذا هو الطريق وهذه نهايته، ومن يعتقد أن حروب القرون الوسطى وما قبلها يمكن تكرارها وتكرار نتائجها بالأسلحة المتطورة الفتاكة اليوم، فهو حالم وما هيروشيما منا ببعيد.

من هنا نقول مرة أخرى لا يمكن بهذه الطرق أن تقوم دولة إسلامية، ولا يمكننا الاستمرار في خوض معارك وسفك دماء تحت رايات وشعارات براقة لا مضمون لها، ولا قوة تحميها، ولا فهم يسندها، ولا تصوراً للمستقبل يدعمها.

 

أكملوا ثوراتكم إلى نهايتها وتخلصوا من طغيان حكامكم بالتواصي بالصبر، واجمعوا صفوفكم وابحثوا عن الصراط المستقيم في الدنيا بالتواصي بالحق، وافهموا أكثر عن ربكم وعن نبيكم، وكفوا عن إسقاط التاريخ وقصص التاريخ على الحاضر، وانتبهوا من أوهامكم وأحلامكم وفكروا بحاضركم ومستقبلكم ومستقبل أمتكم ومستقبل أطفالكم…. فهناك الطريق.

 

التعليقات

حسنت جزاك الله خيرا . لا اجد في نفسي أي كلمة تناقض ما قلته

أظن أن كاتب هذا المقال إما من أتباع خالص جلبي أو هو منظر ولا يعيش في هذه الدنيا . كيف يكون التغيير من حاكم ظالم تتركه أن يقتلك . كيف إذا دخل أحد بيتك وأراد أن يأخذه تقول له انتظر حتى حتى أعلم نفسي الصبر وأخترع بندقية حتى أدافع عن نفسي. هذا غير منطقي . عندما قاتل النبي الكفار ما قال لهم انتظروا حتى يكون عندي المقلاع والمدفع . وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . أي قاوموا عدوكم بما تملكون من قوة . وليس انتظروا حتى تكون عندكم القوة لأن الإعداد لا ينتهي فكل زمان له عدته وقوته وسلاحه.

علِّق