عدد القراءات: 16926

أننقذ من لو يشاء الله أنقذه..؟!

 

 

*بشار غوجل

قرأت الكثير من الأسئلة المتحدية التي يتم طرحها ضمن ظروف الصدمة النفسية والألم من قبل: "وينك يا الله؟! وليش ما عم تتدخل يا رب؟! وماناك شايف شو عم يصير!!!"

أعتقد أن هذه الرؤية لمعنى الله كمفهوم وكقوة محركة في هذا الوجود هي رؤية طفولية بدائية، إن لم نقل رؤية عبثية وثنية لمفهوم الألوهية.

بالنسبة للمؤمنين، في الشدائد تمتحن القناعات ويختبر الإيمان. ولا أعني باختبار الإيمان أن يعتقد المرء أن واحد زائد واحد يساوي خمسة ويستمر في دفع خسمة دولارات مقابل كل اثنين يحصل عليها مستديما الخسارة ومعاندا فقط ليثبت صحة “إيمانه”، وإنما أعني بالاختبار أن سنن الله ومشيئته ووعده لا تتحقق إلا وفق قوانين محددة على المؤمن أن يصبر عليها ويضبط بوصلته دائما وفقها وأن يصحح فهمه لها مع كل مصيبة تنزل وفاجعة تحدث. الخسائر هي أثمان الفهم الخاطئ أو التنفيذ القاصر، وهي أحيانا لا تصيب الذين ظلموا خاصة.

 

أما بالنسبة للذين لا يؤمنون بالله: فبإمكان من شاء أن يفهم الكون على أنه فيزيائي بحت ويتحرك ضمن قوانين الثرمودينامكس وحسب، ولكن لهذا التفسير تبعاته الفكرية التي يجب أن يلتزم بها من ينادي بها. أعتقد أنه من التناقض "العلمي" أن يطرح غير مؤمن بالله سؤال "أين الله" على "الله" الغير موجود أصلا في منظومته الفكرية. من حق أيا كان أن يؤمن بما يريد، ولكن أضعف هذا الإيمان أن يحترم هو أبسط مسلماته التي يدعو إليها. إذا كنت لا تؤمن بالله فتوقف عن مناشدته أو التهكم على حياديته، من أجل مصداقيتك قبل أي شيء آخر.

هناك آية تختزل برأيي هذه الإشكالية وتطرحها بشكل واضح ومبسط. يقول تعالى في سورة يس:

"وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه! إن أنتم إلا في ضلال مبين. ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟!"

الفهم العبثي والوثني لمعنى الله، وكأنه أحد آلهة الأولمب يجلس مسترخيا على برج عاجي يراقب ببرود ما يحدث من ظلم في هذا العالم، هذا الفهم اللا سنني لله يؤدي إلى ذلك الموقف السلبي:

أنطعم من لو يشاء الله أطمعه؟! ومثلها: أننصر من لو يشاء الله نصره؟! أو: أين الله من هذه الجرائم؟! ألا يرى الله هذا العذاب والظلم؟!

الإجابة هي بلى، إنه يرى ويسمع وعسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون.

أفكر بالله كطاقة تحكم هذا الكون كالجاذبية، طاقة وقوة موجودة في كل شيء وتؤثر في كل شيء. لا قدرة لي على الإحاطة به، ولكني أفهمه كفكرة، تماما كالحرية والديمقراطية والعدل والسلام، وبالتالي ما معنى أن يتساأل المرء: أين الحرية لتنصرنا؟ لماذا لا تتدخل الديمقراطية وتنقذنا؟

إذا نظرنا إلى الموضوع من وجهة نظر أنثربولوجية، وهذا أمر قد يساعد الذين لا يؤمنون بالله، يمكن أن نفهم الله كفكرة آمن بها الإنسان ليكون هناك جملة مقارنة خارجية تجعل البشر متساويين أمامها بشكل أوتوماتيكي. من وجهة النظر هذه، فالله فكرة لما تتحقق بشكل كامل بعد بين البشر - فكرة التساوي أمام جملة مقارنة خارجية. لذلك ليس من المنطقي أن يسأل المرء: لماذا لم يتدخل الله؟ فهو هنا يردد صدى السؤال السابق: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ والأجدر أن يسأل: ماذا أفعل ليتحقق ملكوت الله؟ ما هو دوري ليتحقق العدل في هذا العالم؟

والملفت في الحوار القرءاني من سورة يس أنه بعد عدة أيات تأتي نهاية المشهد والإجابة على  التساؤل:

"فاليوم لا تظلم نفس شيئا، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون"

...

نحن نعيش اليوم في عالم مبنى على الظلم، الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، هذا صحيح. الظلم في عالمنا ذو إرث تاريخي عريق ومغلف بكل أنواع القداسة الدينية والعرقية والوطنية والجنسية. ولكن المعادلة القرءانية فيها متحول مهم وجوهري: "ما كنتم تعملون".  يضيف كل منا نفحة صغيرة من روح الله في نفسه إلى هذا العالم، فربما نتركه بحال أفضل مما قدمنا إليه، ولو بمسافة نانومتر نحو الأمام، وفي جهد تراكمي عبر الأجيال

...

حلب تحت القصف. ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. رحمة الله على الشهداء والأبرياء والمستضعفين الذين يقتلهم المجرمون ولا يجدون من هذا العالم إلا قول: أننقذ من لو من يشاء الله أنقذه!

لا أمان في عالم يشرعن الظلم والدكتاتورية ويقدس حق الفيتو ويتجاهل المظلومين والفقراء. لا أمان في عالم قادر تكنولوجيا على وضع مركبة فضائية فوق نيزك على بعد نصف مليار كيلو متر، وغير قادر أخلاقيا على وقف القصف على مستشفيات الأطفال في أعرق مدينة سكنها الإنسان.

سمها الله، أو العدالة، أو الحق، أو المساواة … سمها ما شئت ولكن لا تتوقف عن نصرتها والعمل لأجلها حتى تتحقق

 

التعليقات

بداية شكرا للاستاذ بشار غوجل المقال أكثر من رائع

شكر د بشار بدل ان نبحث عن دور الله علينا أن نت فقد دو نا لأن إرادة الله أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

علِّق

المنشورات: 2
القراءات: 43029

مقالات الكاتب