عدد القراءات: 5452

سورية في مواجهة التشظي؛ دراسة أعدها مركز بحثي يعمل في دمشق حول حقيقة الكارثة السورية

 

أصدر المركز السوري لبحوث السياسات في شباط/فبراير 2016 تقريره عن الأزمة السورية بعنوان "سورية مواجهة التشظي، تقرير يرصد آثار الأزمة السورية خلال عام 2015" وهو التقرير الخامس في سلسلة تقارير يصدرها المركز حول الأزمة السورية.

تكمن أهمية التقرير، مثل ما سبقه من تقارير، في الجهد الكبير والمثابر الذي بذل فيه، وفي أن المركز الذي أعده مقيم في دمشق، وقد أُعِدَ التقرير من قبل خبراء مستقلين مقيمين في دمشق أيضاً، وبالتالي هو لصيق بالوضع الداخلي السوري ولكن في مناطق سيطرة الحكومة/النظام.

 

 

خلاصة التقرير:

يمكن أن نوجز خلاصة التقرير بأن كرة لهيب الكارثة السورية تكبر وتتعاظم، وأن كل شيء في سورية مستمر في التدهور إلا العنف والدمار فهما في ازدهار. فكافة المؤشرات الاقتصادية: الانتاج والناتج والانفاق والاستثمار والأسعار وعجز الموازنة والبطالة والصادرات , واسعار صرف الليرة والفقر الشديد والمدقع ومجمل مؤشرات التنمية الاقتصادية والبشرية وغيرها جميعها تدهورت عام 2015 عما كانت عليه عام 2014، أي أن الاتجاه الانحداري الشديد مستمر، وبالتالي تنعدم مقومات الاقتصاد الحقيقي، بينما ينمو الاقتصاد الجرمي والاقتصاد الأسود و السرقة والرشوة والتهريب وتزوير الوثائق وتجارتها والابتزاز والاحتكار والدعارة والسطو المسلح والاختطاف وصناعة المخدرات وأمراء الحرب.

 

خسائر بحجم كارثة:

يقدر التقرير أن الأضرار التي لحقت بمخزون ر أس المال خلال سنوات الصراع  في مختلف المنا طق، أي الأضرار التي لحقت بالمساكن والمباني الخاصة والعامة والبنية التحتية والمعدات والآلات والسيارات وغيرها من موجودات مادية بلغ نحو 67.3 مليار دولار أمريكي حتى نهاية عام 2015. ويقدر الإنفاق العسكري الإضافي للحكومة بنحو 14.5 مليار دولار أمريكي، وبلغ الانفاق العسكري للمجموعات المسلحة للمعارضة 5.9  مليار دولار بينما بلغت خسائر الانتاج غير الرسمي للنفط 3.8  مليار دولار، أما خسائر الناتج المحلي الاجمالي أي "فوات فرص النمو" فبلغت 163.3 مليار دولار أمريكي.  ويقيم التقرير تقديراته لخسائر الناتج للسنوات 2011 - 2015 عبر المقارنة بين قيمة الناتج المحلي الاجمالي في السيناريو الاستمراري، أي بفرض أن الأزمة لم تحدث، وبين قيمته في سيناريو الأزمة  ليستخرج الفرق بينهما.

وبالتالي فقد بلغ إجمالي الخسائر التي لحقت بسورية 254.7 مليار دولار منذ بداية الأزمة في ىذار 2011 حتى نهاية 2015. وهي تعادل نحو 4.68 مرة قيمة الناتج المحلي 2010 الذي قدره التقرير ب 54.4 مليار دولار بحسب إعادة التقدير التي أجراها لناتج 2010.

يقدر التقرير عدد الجرحى ب 1.88 مليون جريح  و عدد القتلى بنحو  485 الف قتيل (وقد حسبنا العدد بناءا على ملاحظة التقرير بأنه يقدر 4.1 جريح مقابل كل قتيل واحد). أي ان 11.5% من سكان سورية هم إما قتيل وإما جريح بنهاية 2015، ولا شك بأن الكثير من الجرحى أصيبوا بإعاقات دائمة. ولم يقدم معطيات عمن غرقوا في البحر أو ماتوا في الشاحنات ولكن يبدو أن بضعة آلاف من القتلى الإضافيين قد اصبحوا رقما لا يثير الاهتمام. ولم يذكر التقرير مصادره أو طرق التقدير التي اعتمد عليها. ويذكر انه بنتيجة الأوضاع فقد تراجع متوسط العمر المتوقع عند الولادة من 70.5 عام 2010 الى  55.4 عام  2015، وإن 45.2% من طلاب سورية لم يلتحقوا بالمدارس عام 2015، وأن 45% من السكان غادروا اماكن إقامتهم الى الخارج أو داخل سورية.

في الواقع يجب إضافة تكاليف أخرى للحساب المذكور أعلاه تشمل تكاليف 485 قتيل وتكاليف تأهيل 1.88 مليون جريح أنفق المجتمع عى تنشئتهم وتعليمهم وتأهيلهم، وتكاليف تنشئة وتعليم وتأهيل من هاجروا من سورية وتكاليف رؤوس الأموال التي هربت بل وتكاليف الزيادة في اعمال الخطف والسطو والسرقة والاغتصاب لما الحقته من ضرر مادي او اجتماعي او نفسي يضر بالقدرة الانتاجية للبشر وغيرها، وبالتالي فإن رقم الخسائر سيتضاعف. لقد أعيدت سورية لمائة عام لوراء.

 

 

الأوضاع الاقتصادية:

يقدم التقرير قراءة حول أوضاع الاقتصاد السوري ككل، والاقتصاد يشكل في النهاية أساس حياة البشر والمجتمع، وتعتمد تقديرات التقرير على مقارنة السيناريو الاستمراري بسيناريو الأزمة ويتّبع منهجيات التقارير الربعية. ويقدر أن الناتج المحلي لعام 2015 في سيناريو الأزمة تراجع الى 501 مليار ليرة سورية محسوباً بالأسعار الثابتة لعام  2000 بدلاً من أن يكون 1629 مليار ليرة سورية في السيناريو الاستمراري، أي في حال عدم وجود أزمة، اي أن الناتج لعام 2015 تراجع لنحو 30% عما يفترض أن يكون عليه.

تراجع الاستثمار الى حدود بعض الأعمال الضرورية لتسيير الحياة اليومية كي يبقى البشر على قيد الحياة، ولا قيمة فعلية للاستثمارات التي يقدمها التقرير، وبدلا من تزايد التكوين الرأسمالي  فقد تراجع من 330 مليار ليرة سورية سنة 2010 الى 77 مليار سنة 2015 وذلك بأسعار 2000 الثابتة (الرقم هنا للمقارنة بينما القيمة الفعلية بأسعار السوق الجارية أكبر من ذلك). وتراجع الاستهلاك من 364 مليار ليرة سورية بأسعار 2000 الثابتة الى  163 مليار سنة 2015.

يتدهور الوضع المالي للحكومة ويتزايد عجز الموازنة العامة، فقد تراجعت إيرادات الموازنة من نحو 24.1% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية إلى نحو 5.4% عام 2015، كما تراجعت النفقات من 24.3% عام 2010 الى 16.9%  عام ،2015 وزاد العجز من 3% عام 2010 الى 11.5% عام 2015. ومع إضافة الدعم من خارج الموازنة والزيادة في النفقات العسكرية يبلغ العجز 28.1%. ويمكن أن نختصر الوضع المالي المتدهور للخزينة العامة بان الإيرادات تقلصت الى حد بعيد بعد توقف النفط وتوقف الاقتصاد وتوقف الاستثمار ودمار البنية التحتية وقرابة 2.4 مليون جريح وقتيل و 4.28 مليون لاجئ ومهاجر الى الخارج و 6.36 مليون اضطر لتغيير مكان اقامته داخل سورية، بيمنا زاد الانفاق العسكري عدة اضعاف. مما يضطر النظام للاستدانة، ويشير التقرير الى الديون الخارجية الضخمة التي ستتحملها الأجيال القادمة، ولكن لا يذكر كم هي مبالغها ومن أين مصادرها، ولكن يذكر أن الدين الداخلي قد ارتفع من ما يعادل 17% من الناتج المحلي عام 2010 الى 93% عام 2015، كما ارتفع الدين الخارجي من ما يعادل 7% من الناتج المحلي عام 2010  ليصبح 63% منه عام 2015، دون ان يذكر التقرير رقمه المطلق، ولكن بتقديرنا إن مبالغ الدين الخارجي أكبر من ذلك بكثير بعد مبالغ  الديون الكبيرة التي تم استجرّها النظام من إيران ومن روسيا لتمويل الصراع،  ولكن النظام يحيط هذا الموضوع بكثير من السرية ولا يسمح بالحديث عنه بشفافية.

يشير التقرير الى ان سعر صرف الليرة السورية مستمر في التدهور وقد بلغ 382 ليرة سورية لكل دولار واحد نهاية 2015. وهو اليوم في شباط 2016 تجاوز ال 420 ليرة سورية للدولار الأمريكي الواحد، بينما بقيت الأجور في مستواها دون قدرة على زيادتها، بل بدأ النظام يقلص دعمه للسلع ويرفع من أسعار الوقود رغم تدهور أسعار النفط عالمياً. بينما يتزايد الانفاق العسكري للحكومة، وتصبح الزيادة في الانفاق التي اضيفت للمخصصات التي كانت معتادة للجيش نحو  14.5 مليار دولار امريكي نهاية 2015. ولكن التقرير لا يقدم رقماً مطلقاً لإجمالي حجم الانفاق العسكري السنوي للنظام في 2015.

مقابل تراجع الاستهلاك العام الحكومي برز خلال الأزمة ما سماه التقرير  "الاستهلاك شبه العام" الناجم عن انفاق التنظيمات المسيطرة على المناطق الخارجة عن النظام وتؤسس لنوع من المؤسسات التي تتولى بعض جوانب ادارة تلك المناطق وخدماتها. ويقدر التقرير ان هذه النفقات/الاستهلاك بما في ذلك الإنفاق العسكري للمجموعات المسلحة في تلك المناطق والتي كانت صفر قبل عام 2011  قد بلغت عام 2015 نحو  13.2 % من الناتج المحلي الاجمالي. ولكن لا يشير التقرير الى مصادر هذه التقديرات ولا الى الأسلوب الذي اتبعه في تقديرها.

حرم خروج مناطق إنتاج النفط من تحت سيطرة النظام موازنة الحكومة من أهم مواردها بالعملة الصعبة والمحلية،  فقد تراجع إنتاج النفط في عام 2015 في الحقول التي تسيطر عليها  الحكومة  إلى أقل من 10000 برميل في اليوم، بينما كان في 2010 نحو 385 الف برميل  .ويقدرالتقرير أن  إجمالي إنتاج آبار النفط في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، منذ بداية الأزمة وحتى نهاية عام 2015 ، بلغ  68.2  مليون برميل، ويذكر ان البيانات تشير أن نحو 75% من هذا الإنتاج للنفط تسيطر عليه الدولة الإسلامية.  ويتجاهل التقرير كلياً حزب البي يي دي الذي يسيطر هو على الجزء الأكبر من انتاج النفط خارج سيطرة النظام، فحزب البي يي دي قد استلم من النظام كافة حقول شمال سورية التي كانت نتتج نحو 100 الف برميل عام 2010 وهذه الحقول لم يلحق بها اي دمار، وبقيت تنتج الى أن تم قطع الضخ عبر الأنابيب القادمة من منطقة الحسكة الى مصفاتي حمص وبانياس عبر البادية السورية، وكان يتقاضى حصة من قيمة الانتاج، ويستمر حزب البي يي دي اليوم بالإنتاج من هذه الحقول ويسوق انتاجه عبر اربيل ليمول سلطته ويغذي آلته العسكرية مؤسساته العسكرية والمدنية التي اقامها وفرضها على جزء واسع من مجتمع شمال سورية تمهيداً لإقامة كانتون مستقل به. وتعد إيرادات النفط اليوم اهم مصادر قوته.

يقدر التقرير  إنتاج حقول الغاز في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة خلال عام 2015  5 بنحو 1.53 مليار متر مكعب أي بمعدل انتاج يومي قدره 420 ألف متر مكعب. ولا يقدم التقرير أية معطيات عن انتاج الكهرباء رغم اهميتها و رغم تراجع طاقات التوليد والنقل بشكل كبير بسبب نقص الوقود ونقص قطع الغيار ونقص الصيانة، وتدمير ابراج نقل القدرة ومحطات التوليد وتوقفها وخروجها عن الانتاج. ومع تراجع انتاج النفط والطاقة يتهدم أساس قيام اية حياة معاصرة اليوم.

ويذكر التقرير ان التقديرات تظهر أن قيمة الإنتاج غير الرسمي للنفط والغاز تصل إلى 5.2 مليار دولار حتى نهاية عام  2015، أي أن التقرير يعتمد سعر 75 دولار للبرميل الواحد. ويقدر التقرير ان نحو 1.6 مليار دولار ادرجت في نفقات الجماعات المسلحة ضمن خسارة الناتج المحلي الاجمالي، مما يجعل صافي خسائر الانتاج نحو 3.6 مليار دولار. (ص55). ويظهر ان التقرير يعتمد سعر وسطي 75 دولار لسعر برميل النفط، ومن الجديدر بالذكر ان فصائل المعارضة التي كانت قد سيطرة على حقول نفط منطقة دير الزور في البداية كانت تبيع النفط بنحو 20 - 25 دولار للبرميل سعة 200 ليتر (بينما برميل النفط الرسمي 158 ليتر تقريباً). وكان يباع  لمن يقومون بتكريره محلياً بطرق بدائية او بسيطة،او بيعه لتجار لتهريبه الى تركيا، ثم جاءت داعش وسيطرة على حقول النفط وآبارها ليشكل أحد مصادر تمويلها الرئيسية.

كان لتدهور الزراعة أكبر الأثر السلبي على حياة الناس لأنها قلصت إنتاج الغذاء محلياً، ويقدر التقرير ان الانتاج الزراعي قد تراجع عام 2015 الى نحو 60% عما كان عليه عام 2010. وذلك بسبب تدمير نظم الري ونهب أدواتها وخراب أقنيتها، و صعوبة الوصول إلى الأرا ضي في العديد من المناطق، وعدم توفّر مستلزمات الإنتاج، كالأسمدة والبذور والوقود ونقص القوى العاملة،و بسبب انقطاع الطرق وانعدام الأمن وصعوية الوصول إلى الأسواق وفرض الأتاوات مما يجعل المزارعين تحت رحمة الوسطاء والمجموعات المسيطرة على الأرض والطرق مما يرفع  تكاليف المنتجات الزراعية  وأسعار المستهلك النهائي.

أما الصناعة فقد عانت من مزيد من الدمار ومن سياسات الحكومة ومن تصاعد الفساد وغياب سلطة القانون كلياً، خاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة واستمرار الحكومة في "تطبيق السياسات النيوليبرالية"، ومن زيادة أسعار المواد الأولية ومستلزمات الانتاج، بما في ذلك الوقود والكهرباء. وفقدان المستلزمات وعدم توفر التمويل إضافة لصعوبات نقل المنتجات ومخاطره وتكاليفه وفقدان الأسواق الداخلية والخارجية، وفقدان النظام للسيطرة على معظم المنافذ الحدودية البرية.

استمرت معاناة قطاع النقل من تدمير وسائط النقل وعدم صيانة الطرقات وتدميرها بسبب القصف وسير الآليات العسكرية عليها، والسيطرة على الطرقات من قبل عصابات الطرفين والتحكم بها وفرض أتاوات وندرة الوقود والزيوت وارتفاع أسعارها. كل هذا جعل النقل صعباً ومكلفاً.

ونتيجة هذه الأوضاع فقد استمر تدهور التجارةالداخلية  إضافة لتدهور الصادرات ولكن لا يذكر التقرير اية معطيات عما يتم استيراده الآن ومن أين، وكيف تمول المستوردات وماذا يصدر وإلى أين، فمازلنا نجد زيت زيتون سوري في دول الخليج.

استمر قطاع العقارات يعاني الدمار بينما تم حرق بعض مراكز التسجيل العقاري مما يهدد بضياع الحقوق إضافة لتزوير البيوع لبيوت من اضطروا لمغادرة بيوتهم. ولكن لا يقدم التقرير اية تقديرات رقمية لعدد البيوت والمباني المدمرة.

يصف التقرير حالة الاقتصاد ب "المتشظي والمقسّم، والذي تهيمن عليه قوى التسلّط المتقاتلة، إذ تقوم كل واحدة من هذه القوى بإعادة بناء الكيانات والمقومات الاقتصادية المستقلة الخاصة بها والتي يتم فيها تحويل الموارد لخدمة أهدافها وقمع احتياجات الناس وتطلعاتهم." ص 12.  وقد "تم تغيير البنية الاقتصادية وتحويلها لخدمة أهداف وألولويات مختلف قوى التسلط التي تقوم بإعادة تخصيص الموارد في العنف والأنسطة المتعلقة به، وترافق ذلك مع غياب سيادة القانون، وحقوق الملكية، والمساءلة، إضافة إلى تفاقم الفساد. وخلقت هذه البيئة الاقتصادية الجديدة فاعلين جدد و/او غيرت من سلوك الفاعلين السابقين ليصبحوا جزءاً من قواعد اللعبة الجديدة التي تفرض الهيمنة بالقوة، وتقوم ببناء اقتصاد سياسي جديد يحافظ على استدامة النزاع.". ص 37

 

 

السكان:

يذكر التقرير أن المركز السوري لأبحاث السياسات قد قام "بمسح شامل" أجري في منتصف 2014 وشمل جميع مناطق البلاد، وقد  شارك في المسح نحو 300 شخص من باحثين وخبراء ومبرمجين. ورغم تساؤلنا عن إمكانية تنفيذ مثل هذا المسح، مع صعوبة الوصول الى مناطق سيطرة المعارضة ومناطق داعش بخاصة، وهي تسيطر على مناطق ومجموعات سكانية واسعة، ولكنه جهد يستحق التقدير لمركز يسعى لأن يفعل ما يستطيعه. كما قام المركز بإعادة تقدير عدد سكان سورية لعام 2010 وعدل عدد السكان الرسمي 20.87 مليوننسمة الى 21.8 مليون نسمة. ويشمل الرقم جميع من هم متواجدون على الأرض السورية عام 2010 بمن فيهم غير السوريين. إضافة لهؤلاء يوجد نحو مليونان سوري أو أكثر يحملون الجنسية السورية ولكنهم مهاجرون في الخارج.

يقدر التقرير معتمداً على المسح المذكور أعلاه بأن عدد سكان سورية نهاية 2015 بلغ 20.21 مليون نسمة، بينما كان المتوقع بلوغه في السيناريو الاستمراري نحو 25.59 مليون نسمة أي بفارق 5.38 مليون نسمة. ويقدر التقرير أن نحو 3.11 مليون لاجئ في دول الجوار يتوزعون بين تركيا 37.5% ولبنان  و 35.6% في والأردن 14.1% و مصر 4.8% و العراق 4.6% . إضافة إلى 1.17 مليون مهاجر الى دول بعيدة، ونعتقد ان التقرير يقصد بهذا الرقم من هاجروا خلال سنوات الصراع ولا يشمل المهاجرين قبل 2011. ولكننا لا نتفق مع استنتاج التقرير  في الصفحة 40 بأن "ارتفعت أاعداد المهاجرين غير اللاجئين، خلال عام 2015، ولكن بوتيرة اأبطأ مقارنة بالسنوات الأولى من النزاع، فأغلبية القادرين على السفر والراغبين فيه غادروا بالفعل"، فالموسرون هاجروا في السنوات الأولى غالباً بسبب توقف الأعمال أو ملاحقات النظام أو تزايد العنف، ولكن موجات النزوح التي تلت ذلك قد جاءت بسبب القصف الشديد لمناطق المعارضة، ونقدر أن موجات الهجرة التي شهدها النصف الثاني من عام 2015 لم يسبق لها مثيل، وقد أثارت ازمة أوروبية بحجمها الكبير، ونقدر ان أعداد الذين هاجروا خلال سنوات الصراع هي أكبر من 1.17 مليون المذكورة.

إن عدد سكان سورية نهاية 2015 المذكور (20.21 مليون نسمة) هو نتيجة ديناميك ما جرى للسكان خلال السنوات الخمس من الصراع، والتي لم يفصّل التقرير فيها. فمن جانب تقلص عدد السكان، فبعد بدء الأحداث، بدأ الكثير من السوريين الميسورين بمغادرة سورية أولا، وخاصة مع تقدم الصراع وتوقف الأعمال، كما غادر جزء كبير من العراقيين وغيرهم من غير السوريين المقيمين في سورية، وبنتيجة القصف والعمليات القتالية قتل العدد المذكور وهو 485 الف نسمة، ولجأ وهاجر نحو 4.28 مليون نسمة، ويضاف لهم تزايد عدد الوفيات بسبب الأمراض ونقص التغذية والأدوية ومجمل الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها السوريون، وخاصة من اضطروا للجوء أو النزوح الداخلي. وكل هذا يقلص عدد السكان، لكن من جهة أخرى ثمة زيادات في عدد السكان، يشمل الولادات الجديدة للمقيمن، ودخول عدد كبير من المقاتلين الأجانب إلى سورية، وخاصة الى جانب النظام مثل حزب الله والفصائل العراقية والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الأفغانية والباكستانية والمقاتلين الأكراد من تركيا والعراق وايران الذين انضموا ال حزب البي يي دي وغيرها ومؤخراً دخل الروس، كما دخلت مجموعات من المقاتلين الذين انضموا الى تنضم داعش والنصرة.

 

 

تدهور مريع في كافة مؤشرات التنمية البشرية:

يذكر التقرير إن  13.8 مليون سوري داخل سورية وخارجها فقدوا مصدر رزقهم ويحتاجون للدعم، منهم  9.5 مليون شخص ما زالوا داخل البلاد. وقد بلغت البطالة 52% بينما وظف اقتصاد العنف 17% من السكان النشيطين اقتصادياً دون أن يذكر المصادر التي اعتمدها في التقدير.  

ويذكر التقرير أن معدل الفقر بلغ 85.2% ، وأن الفقر الشديد بلغ 69.3%، وأن الفقر المدقع قد بلغ 35%، وتراجع ترتيب سورية في دليل التنمية البشرية من 121 عام 2010 الى 173 عام 2015 من أصل 187 دولة أي أصبحت سورية قرب نهاية السلم. وقد تراجعت مؤشرات مكونات دليل التنمية البشرية الثلاث وهي الدخل والتعليم والصحة، وأن أسوأ الأوضاع هي في دير الزور والرقة والحسكة وإدلب وحلب ودرعا.

إن تراجع هذه المؤشرات هو انعكاس لتدهور القدرة الشرائية لدخول معظم السوريين وهبوط سعر صرف الليرة السورية الى نحو ثمن ما كان عليه 2010 و وتقليص دعم الخدمات والسلع المدعومة وزيادة اسعارها، وتدهور الخدمات الصحية بسبب فقدان اللقاحات  و سوء التغذية و فقدان المياه النظيفة و تدهور الصرف الصحي وللسكن في المخيمات أو السكن في بيوت شبه مهدمة وللتكدس في المساكن، و تدمير المشافي وسجن وقتل و تهجير وهجرة الكادر الطبي الى خارج سورية.  وعلى صعيد التعليم يشير التقرير إلى أن 45.2% من تلاميذ سورية وطلابها لم يلتحقوا بالمدارس وأعلى معدل لعدم الالتحاق هو في الرقة ودير الزور 95% ونحو 74% في حلب و 49% في ريف دمشق مقابل 16% في دمشق و 17% في اللاذقية وصفر في طرطوس. وبلغت  سنوات فقدان التمدرس في  كافة سنوات التعليم 24.5 مليون سنة دراسية كلفتها 16.5 مليار دولار أمريكي. ولا يقدم التقرير معلومات عن عدد المدارس المهدمة جزئيا أو كلياً والمدارس المشغولة بالمهجرين كما لا يقدم معلومات عن أعداد المشافي والمستوصفات المهدمة وعن نقص الأدوية والتجهيزات وأعداد الكادر الطبي الذي بقي في سورية بينما هاجر معظمه، وخاصة في مناطق سيطرة المعارضة.

 

الجانب التقني في التقرير

يقفز التقرير عن ملاحظة أساسية وهي ان سورية قد انقسمت اقتصادياً، فالمؤسسات الرسمية تعمل فقط في مناطق سيطرة النظام والتي لا تزيد عن 20% من مساحة سورية، حيث يوجد سلطة مركزية واحدة، بينما تتوزع السلطة في مناطق سيطرة المعارضة بين المجموعات المتعددة التي تتحكم كل منها بمنطقة سيطرتها، ولا ترحب بقيام أية سلطة مركزية وعجزت عن إقامة سلطة مدنية موحدة لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وقد فشلت تجربة الحكومة المؤقتة او أفشلت ولم يرد لها النجاح. كما أن العلاقات الاقتصادية والتجارية وحتى البشرية بين مناطق سيطرة النظام وسيطرة المعارضة شبه منقطعة.

يلتزم التقرير الموضوعية والحياد تجاه ما يجري في سورية ويستخدم لغة برنامج الأمم المتحدة في وصف ما يجري فيها.

يذكر التقرير في الصفحة رقم 10 "أنه يتضمن تحليلاً للتطورات الاقتصادية والاجتماعية في كل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة والمناطق الخارجة عنها". ورغم تقديرنا للرغبة في إنتاج تقرير يشمل سورية بكليتها بعد توقف المكتب المركزي عن انتاج اية تقارير او إصدار اية بيانات، وبعد أن توقفت مؤسسات النظام عن التعامل مع مناطق سيطرة المعارضة على أنها أرض تهمها او هي جزء من سورية، ويغيب عن هذه المناطق أي جهد منظم حكومي أو غير حكومي لانتاج معلومات والقيام بدراسات ومسوح تحتاج لمؤسسات، ولا تجرى اية إحصاءات أو دراسات عن الاقتصاد والأداء الاقتصادي على نحو منهجي يمكن الاعتماد عليها في بناء التقديرات والتحليلات، ثم من الصعب الوصول إلى تلك المناطق،  لذلك نقدر الصعاب التي تواجه تحقيق مثل هذه الرغبة التي تعد جرأة بل مجازفة، و تبقى نتائجها تقدم معرفة تسد جزء من الحاجة ولو بالحد الأدنى ضمن الممكن والمتاح.

يستخدم التقرير النسب المئوية في الكثير من تقديراته وخاصة ما يخص الناتج المحلي وناتج القطاعات وأداء بعضها دون أن يقرنها بالقيم المطلقة ويترك للقارئ ان يستنتجها بالرجوع الى جداول أخرى، ولكن يورد التقرير جداول الناتج بالأسعار الثابتة لسنة  2000 وهي تبتعد 15 سنة عن عام 2015 وهو زمن بعيد، ورغم ان الحسابات تعطي مؤشر للاتجاه ومعدل التغير سلباً أو ايجابا، فهي لا تقدم الرقم المطلق كما هو اليوم، وهو شرط لمعرفة شفافة. وكان من الممكن للتقرير أن يستخدم أسعار 2010  الثابتة فهي أقرب بعقد كامل.

مما يمكن ان نورده حول التقرير أنه لا يشير لاية مراجع ولا يربط استنتاجاته بمصادرها او بيان طريقة تقديرها، ويعيدنا دائماً لتقاريره السابقة، كما انه يتجنب الخوض في عدد من الموضوعات المكملة والتي يمكن أن تضيف للتقرير قيمةمضافة كبيرة ولكننا نقدر الظروف الصعبة والحساسة لعمل فريق التقرير.

كان بالامكان جعل التقرير أكثر حيوية بحيث يقدم بعض الجوانب الحية في حركة الاقتصاد وحركة حياة الناس بأرقام ومعطيات وأمثلة ووصف وتحليل وان يقدم مثلاً تقدير للمساحة المزروعة وكيف يؤمن الفلاحون البذار والسماد والمازوت وكم هي النسبة التي يحصل عليها الوسطاء وكم هو سعر بيع المنتج وكم تصل الى المستهلك النهائي و تقدير قيمة الناتج الصناعي وعدد العمالة في الصناعة اليوم وفي اية مناطق و تقدير كم بلغ عدد  المساكن والمدارس والمستوصفات المصانع المهدمة والمتوقفة والمنهوبة وكيف يؤمن الصناعيون مستلزمات الانتاج وكيف يؤمنون التمويل وما هو وضع العملات الصعبة وسوقها وحجمها وكم بلغ حجم الأموال المهربة وما هي مصادر الموازنة وكيف تدير الحكومة أوضاعها وكيف تتدبر أمورها وما هو حجم القروض من ايران وروسيا وكيف يتدبر الناس أمورهم وأخذ بعض الشهادات وغيرها. ورغم علمنا بأن بعض هذه الموضوعات يصعب تناوله ولكن بعضها الآخر ممكن ويغني التقرير بحيوية.

 

 

جذور الكارثة السورية:

يشير التقرير على نحو غير مباشر إلى أن جذور الأزمة الداخلية تكمن في "الأنظمة الاستبدادية المعتمدة على الجيش والاستخبارات والإيديولوجية والإعلام، وعلى توزيع الريع الاقتصادي في نظام قائم على الحوافز يخدم استمرار السلطة، شكلت عائقاً أمام تعبير المجتمعات عن طموحاتها ومصالحها وتسخير الإمكانيات المجتمعية لتحقيق تنمية إنسانية. وقد أدى الاستبداد السياسي دوراً محورياً في هدر القدرات التنموية من خلال الإقصاء السياسي واحتكار السلطة واستخدام العنف الممنهج والسيطرة على الموارد المادية وغير المادية وتسخير عملية التنشئة الاجتماعية والتلقين عبر المؤسسات المجتمعية الرسمية وغير الرسمية بما فيها الدينية والتعليمية والأهلية والأسرية بما يضمن القبول المجتمعي لحالة الظلم والتفاوت القائمة )دويتش،2000)  كما أدى التحالف بين الاستبداد السياسي والقوى التقليدية المحافظة إلى تعمق الاغتراب والخضوع على نطاق واسع وتغييب إمكانية التغيير التجاوزي (بركات  2006) ص 51.

يبقى هذا التقرير والتقارير السابقة في السلسة التي يصدرها المركز السوري لبحوث السياسات جهداً مميزاً  يستحق التقدير.

علِّق