عدد القراءات: 4668

مدخل إلى النقاش حول مسألة الحريّة والدين

أذنت ثورات الربيع العربي بطرح سؤال الحرية على نطاق واسع، ربما بشكل غير مسبوق في تاريخ المنطقة. هذه المنطقة التي خاضت معركة تحرّر طويلة ضد الاستعمار الأجنبي منذ بدايات القرن الماضي، واستطاعت أغلب دولها أن تتخلّص من وصايته المباشرة، إلا أن الحريّة بمفهومها الواسع، والدقيق، بقي فهمها مشوّشاً في ثقافة المجتمعات التي نالت استقلالها. عملياً لم تكن المفردة تعني لإنسان المنطقة، أكثر من التحرر من الوصاية "الخارجيّة تحديداً"، وهو تحرّر مدعوم بثقافة متكاملة، على مستوى التقاليد والأفكار الموروثة، والأهم على مستوى النصوص الدينيّة والمناهج التدريسيّة التي تدعو إلى الخلاص من المستعمر. استفادت ديكتاتوريّات ما بعد الاستقلال من هذا الظرف الثقافي والاجتماعي، فعملت على تأسيس امبراطوريّات الصمت والرعب، مدعومة بأفكار وتقاليد، وأفهام دينيّة متأثّرة بتجارب سياسيّة تاريخيّة تم خلالها تسخير النص الديني في لعبة الصراع على السلطة.

في واقع الأمر، أدّت الديكتاتوريّات، مستغلّة النزعة التحرريّة عند الشعوب، دوراً أسوأ من الدور الذي قام به الاستعمار على مستوى الحريّات، وعملت على تعزيز ثقافة الاستبداد من خلال إفساح المجال لانتشار المفاهيم الدينيّة التقليديّة الموروثة التي تخدم وجود أنظمتها، وقامت في المقابل بمحاصرة كل توجّه إصلاحي يهتم بإحياء المضامين العميقة للتحرّر، ويدعو إلى إعادة تقييم الثقافة والتراث، خدمة لهذا الهدف. لا بدّ وأن الأنظمة استشعرت بأن أي محاولة لقراءة التاريخ، ستمرّ حكماً بقراءة الواقع، أو ستنطلق منه، وهذا يعني أن أي حديث جوهري في الحريّة، هو حديث في صلب وجود كل كيانات الاستبداد، على كل المستويات، وعلى رأسها كيانات الاستبداد السياسي! كان لا بدّ أن تؤدي السياسة المعادية للحريات التي انتهجتها الأنظمة إلى حدوث حراك ما هنا، ومحاولات للتغيير هناك. لكن انسداد الأفق، والمشاكل المركّبة داخلياً وإقليمياً ودولياً جعلت من الإصلاح السياسي والفكري حلماً غير قابل للتحقيق، مما مهّد الطريق أمام حدوث انفجار مجتمعي، تُرجم بثورات اجتاحت المنطقة، بعد أن كانت الشرارة من تونس.

حملت الانتفاضات شعارات الكرامة والديمقراطية والتعددية وإلغاء الأحكام العرفيّة، وغيرها من الشعارات التي يجمع بينها روح تحرر واحدة. في بدايته، غطّى الصراع مع الأنظمة على كامل المشهد، ولم تظهر مكبوتات المجتمع ومكامن الخلل فيه إلى السطح، فالذهول من قدرة الشعوب على تحطيم جدار الصمت، عطّل قدرة النخبة الثقافية على التنبؤ بخطورة فوضى الشعارات التي لم تحمل الرصيد الكافي من التحضير. يعود غياب التحضير والعمل الثقافي والمدني إلى العمل الممنهج للأنظمة بالدرجة الأولى، لكن النخبة الثقافية تتحمّل مسؤولية كبيرة في هذا القصور، لم يكن قصورها واضحاً في بدايات الحراك، حين كان يمكن إلقاء اللوم في كل شيء على قمع الأنظمة، لكن الأحداث اللاحقة أظهرت، بما لا يترك مجالاً للشك، أن هذه النخبة الثقافية تعاني من أزمات لا تقل خطورة عن أزمات "النخبة" السياسيّة، أو عن مجمل أزمات المجتمع.

لم تدم الصورة المثالية للانتفاضات الشعبيّة لفترة طويلة، إذ سرعان ما ظهرت المكبوتات كلها، بتأثير القمع لا سيّما بعد تغييب القيادات القادرة على توجيه الحراك، وظهور حقيقة العجز الذي تعاني منه بقيّة النخب. في حين ساهم الدور العدائي المبطّن للأنظمة تجاه التكوين الإسلامي المحافظ لمجمل مجتمعات المنطقة، في أن جعل الحراك، ومنذ بدايته، يأخذ طابعاً إسلامياً واضحاً، كإعادة تعريف للهوية الإسلامية التي حاولت الأنظمة طمسها على مدى عقود.

في سوريا، من بين بلدان الربيع العربي، أخذت الأمور شكلها الأقسى، فالنظام كان الأقسى من بين الأنظمة، والواقع السوري كان الأكثر خصوصيّة أيضاً. برزت هنا التيارات الإسلاميّة بتنويعاتها، من تيارات الإسلام المعتدل بتنويعاته، إلى تيارات الإسلام القاعدي و "ما بعد القاعدي"*  ممثلاً بتنظيمات ذهبت بالتطرّف نحو نهايات لم تصل إليها القاعدة في نسختها الأصليّة!  وبعد أن أتيح لهذه التيارات )بنسختيها المعتدلة والمتطرّفة( فرصة تقديم تجربة إسلامية مصغّرة، كما حدث في المناطق التي خرجت من قبضة النظام، بدأ الخلل في فهم الحريّة يظهر جليّاً في المناهج التطبيقية لهذه التيارات على أرض الواقع.

أظهرت تجربة الإسلام السياسي ضرورة إعادة طرح سؤال الحريّة من جديد. كما أظهرت أن الاكتفاء بتعليق مجمل أخطائنا ومشاكلنا على شمّاعة الأنظمة، لا يقدّم التفسير الشافي لتعقيدات الحالة التي وصلنا إليها.

بداية علينا أن نعترف بأن أزمتنا ليست أزمة تطبيق للحريّة، بقدر ما هي أزمة فهم وتعريف لها، وأن ثقافتنا تعاني في عمقها من حالة سوء فهم، وتشكيك واضح بالقيمة، على اعتبارها، في وعي الكثيرين، قيمة دخيلة على ثقافتنا! لكن هل هي كذلك فعلاً؟ وما هو موقع الحريّة في النصوص المؤسّسة لثقافتنا؟ وما هي الملابسات التاريخيّة التي جعلتها في هذا الموقع الهامشي أو المشكوك فيه؟ أحتاج للإجابة عن هذه الأسئلة المحوريّة إلى تناولها ضمن سلسلة محاور مقبلة، أجعلها وفق الترتيب التالي:

-الحريّة في النص القرآني: أناقش فيه مواضع الحريّة في النصوص التأسيسيّة الأولى.

-الحريّة في الروايات والأحاديث: أناقش فيه الروايات التي تتناول "الردّة" ومسائل الحريّات الفكرية.

-مفهوم الحريّة والملابسات التاريخيّة التي أثّرت فيه.

في اعتقادي، إن سؤال الحريّة هو السؤال المركزي الذي يتوجّب علينا إثارة النقاش حوله في هذه الفترة بالذات، وإن الربيع العربي يعتبر الفرصة الأنسب لتعرية مواضع الاستبداد في ثقافتنا*

 

 

علِّق