عدد القراءات: 9083

في رثاء ذواتنا

نخيط أيامنا المهترئة بأحلام تتقارب وتتلاقى حين يغيب عنا التقاتل والخصام وتتباعد وتتلاشى حين يغزونا السراب، يوصينا الوقت بأن نكون أكثر حلماً من الماضي فلم نبالى بما قالته الساعات حتى صرنا كأسلافنا من الذي رحلوا وقد أهلكتهم أشباح الحروب والدمار

ثيران تمزق الواقع بتعصبها لحماقتها وجهلها، فبدلاً من أن نلتهم المعرفة بشموليتها، التهمنا واقعنا نياً بسكاكين ظلمتنا، كاتم للأصوات نحن في مذابح للأفكار، فضاق كل شيء وضاع المنطق حتى لا نكاد نتبينه.

 

أنبش عن سبب لهذا التراخي الفكري وعدم محاولتنا لإيجاد موطئ قدم في عالم شيمته التقدم العلمي، كلما أراد واحدنا الإبتعاد عن الأفكار المحلية التقليدية والخروج من الدائرة الضيقة ليتأمل ويقرأ ويتعلم من الحضارات والعوالم المتمدنة التي تسبقنا معرفياً وفكرياً وعلمياً بآلاف السنوات الضوئية، يهزمه الخوف من الغرق في مستنقع الشتائم والتخوين والإلغاء، مستنقع اجتمعت فيه الآراء والأفكار والغايات النبيلة ومكثت فيه طويلاً حتى تفسخت وتعفنت، يغطي مستنقعنا الأئمة والساسة وأنصاف المتعلمين والمثقفين وعصابات الفكر، وما المجتمعات التي تصاب بحمى المستنقعات الفكرية إلا مجتمعنا بطيئ النمو والتغيير إلى درجة تجعلنا أشبه بالبؤرة الساكنة، مقارنة بالمجتمعات التي توضعت تاريخيا على الخط الرئيسي لإتجاه الحضارة، الذي انتهى بالمجتمع الصناعي الغربي الجديث، فهذا كله بدوره يؤدي إلى جفاف الأمل فينا بتكوين أفراد مفيدة طموحة لأن تكون نقية من سموم الوجود الفكري، واختفاء أي زمرة تخدم غايات معرفية وخلقية.

 

نرى أن هناك أشخاصاً اتخذوا لنفسهم دور الرقابة على سلوكيات الأفراد الاجتماعية، يعتقدون بأن الخبرات الفردية للمجتمع قد ذابت في خبرة واحدة وهم من امتلكوا قوامها، وبدلاً من استخدام هذه الخبرة الثقافية للإنقلاب على المفاهيم التقليدية التي من شأنها تردي شكل الفكر في المجتمع وبدلا من استخدامها لإنعاش روح العلم وبنية المعرفة، تم استخدام هذه الخبرة لغايات "شوفينية" قائمة على إبراز صورة شخصية بعينها، وترتب على هذا الأسلوب تقديس الأشخاص وإهمال الركيزة الأساسية في بناء المعرفة وهي الفكرة، وقلب مفاهيم ومسميات المعارف لصالح مجموعات سياسية ودينية وفكرية، مما أدى إلى تقليص فرصة إختيار الأفراد توجهاتم الثقافية بحرية تامة واضحة صافية من جميع أشكال التأثير المادي والمعنوي، وإمتداد حالة تبعية الأفراد للأشخاص والرموز وإغفال ذواتهم.

 

منبتنا الثقافي الراهن يقدم لنا حشداً من الفئات التي تكون مشحونة بقوة همجية ينبغي عدم السماح لها بالإنتقال إلى الآخرين، ومع ذلك غلب على مجتمعنا أسلوب القوة والإكراه في العلاقات الإنسانية المتبادلة، أفقدتها حالة التوازن العقلاني، وفي غياب القوانين العادلة المصحوبة بالمعرفة، وفي ظل الأعراف التقليدية التي أضحت قواعد وأحكام وشرائع معترف بها رسميا في مجتمعنا، إلى جانب الإستبداد السياسي الفكري، نتج عن ذلك بأكمله مجتمع أفكاره سيئة السمعة لدى باقي المجتمعات المتحضرة، انصاعت لها فئات ليست بالقليلة، وهذه الحالة الهمجية تبدت وظهرت مصبوغة بتعصبات دينية عقائدية وعرقية بين العلاقات في المجتمع الدولي، ومن الواضح أن الدول في المنطقة المتعارضة دينيا لم تلجأ أبدا إلى حوار حقيقي فكري مبني على أسس معرفية خالية من التعصبات أو وضع أفكار مدنية موضع التطبيق العملي، بل عملت على تغذية روح الصراع الطائفي بأفكار وحشية، وكانت قادرة على اجتثاث الوعي بالدين الصحيح من نفوس الناس، واستخدمت أساليب بربرية سوقية في التعامل فيما بينها في العلاقات التي لم تعد دبلوماسية تخضع بتصرفاتها لقانون دولي، تمثلت هذه الأساليب بالحروب والجرائم الفكرية والتعديات الجسدية والنفسية، حتى فسدت المؤسسة الدينية حيث تم تسييسها والضغط عليها لمصالح الحكومات واستخدامها أداة تسلط على الناس، و بات التفكير جريمة تستلزم القصاص الفوري، ولم تدرك هذه الفئات بأن الإنسان بتعصبه يقتل، فإستحالة أن تحكم هذه الفئات والأحزاب دولها بهذا المنهج وهذا الأسلوب من التعصب، الذي جعل المنطقة بكليتها هائمة محرومة من الراحة، وصار ضربا من الخيال أن تدير شؤونها الداخلية والإدارية بنفسها وبمعزل عن تدخلات خارجية من الدول الأخرى.

 

في كل يوم نشيع قتلانا نتيجة الحروب التي خلقتها أدمغتنا الدموية، في الوقت نفسه يكون حاضرنا مأتم والميت نحن بالتأكيد، نُشَيَّعُ إلى الجحيم ويرافقنا في جنازتنا الدول المتمدنة لا لتضع أكاليل الزهور على ضريحنا، بل للتبول عليه، فحين كنا أحياء نرزق خلقنا من واقعنا كومة من شظايا الصوان، فتشقق إلى الزوال وانقرض.

علِّق