عدد القراءات: 9788

العودة إلى ما قبل الطوفان

 
لنفترض أننا من سلالة قرود خلقتها الآلهة حين كانت مجتمعة، أو أنها طرحتنا من الجنان إلى الأرض عقابا على ما اقترف جدنا من معصية، أكملنا تعبدنا بتأملٍ هادئ ينسجم مع طبيعة الخلق المجردة وبركة الماء الباردة، تزاوجنا بفعل الغريزة وتعلمنا معنى التجمع البشري لبدء مواجهة الإنسان الأولى مع هيبة طبيعة المعمورة، خلقنا من مخيلتنا البيضاء أساطير همها أن تفسر لنا لغز النشوء والغيب وفق أبجديات صامتة تدل على مكنوناتنا وضمانات تتلاءم مع غاياتنا، بنينا معابد لنجسد الأسطورة أمامنا كعقيدة بطقوس وعبادات تغرس فينا الانتماء "لنظام أولي" لحياتنا الفوضوية. اختلف شكل الصخور حينها حيث امتلأت نقوشاً لدلالات عرقية منغلقة على ذاتها والجبال المنحوتة خضعت لمتطلبات الإنسان، لا حول لها ولا قوة. اختلط صوت الطبيعة مع صوت الصلوات التي تحوم من المعابد الكبيرة التي سكنت في الغابات، ولدت الأديان من السماء لتحدثنا عن تخوم الدنيا وأخبار ما قبل الطوفان، لتهندس حياتنا بطابع أكثر انتظاما وأكثر حشمة وزهدا. 
 
طافت البشرية في بلاد الله الواسعة، فلم تعد الأرض تكفي لهدوء ثانٍ. تبدى الوعي الإرادي لدى الإنسان. استجاب لرغباته بتمكين امبراطوريته. زادت حرارة كوكبه الأم، ظهرت فلسفته الحديثة لتعينه على خلق سربا من الحلول للأمور التي تعقدت بتعقيده للحياة. أُلتهمت المساواة من قبل مفرداته ومسمياته التي تدل على الطبقية والتمييز، لم يكن ليدركها في ماضيه البعيد، و خصوصاً بعد الفتوحات العلمية. خُلقت مبادئ ميكانيكية ومعارف ونظريات وقوانين متبادلة التأثير التي يعتمد بعضها على بعض، مما أمكن لصناعة الآلات الظهور كوحش عاجز عن التحكم باستغلاله للطبيعة، التي كثرت تجاعيدها، لأن الجمال سلعة والجنس تجارة، والمساحات التي كانت مخصصة للعشب الأخضر أضحت مكانا مناسبا للمطارات العسكرية التي لا تستريح في تدمير جذور الأرز وإيقاظ كوابيس النائمين وزيادة حموضة الوقت. 
 
انطفأت لمعة الطبيعة وبساطتها شيئا فشيئاً، واجتاح ظلام السيطرة البشرية الكوكب كافة، متمثلاً بزحام المدن وصخب شرها وصدى ملحها، تورمت أقدام الإنسانية باحثة عن حكيم يحرك جرسها ليسمعها المارة ولو مرة، لكنهم صم لا يعقلون، وكأن الحكمة أنهت رقصتها الأخيرة بيننا وألقت لعنتها علينا ورحلت.
 
فمن أجل الإنتصار على الطبيعة، تجدر إطاعتها، والتفوق البشري كثور هائج، غالبا ما يؤدي لاشعوريا إلى سقوط الحس الإنساني الحقيقي من قمة النفس البشرية إلى هاوية القدر، وبين الماضي والحاضر هنالك مفارقات واسعة تلقي الضوء على عيوب البشر الفاقدين مضمونهم الأساسي مهما تطورت تجاربهم وارتقوا ماديا، وإذا ما تناقصت هذه العيوب المعنوية الوجدانية فينا، أو خف طيشنا البشري، سنكون عبئا ثقيلا على الحياة لأننا لم نقدر نصيبها منا، وسنسأل أنفسنا كم من الوقت سيموت حتى نكتشف أن الهباء الذي كوناه وتقمصناه جعلنا جمادا أثقل من جلمود الصخر، نحلم بالعودة إلى هدوء ما قبل الطوفان.

علِّق