عدد القراءات: 2639

على أبواب مؤتمر الرياض لا حل الا بالوحدة

 

*أحمد مظهر سعدو

 

بينما يعبث "العالم المتحضر " بمصائر الشعوب في عالمنا الثالث، وفي وقت يطال هذا العبث كل شيء، حتى البشر والحجر، وصولاً الى تدمير البنية التحتية وهدر الشعوب بقضها وقضيضها، في محاولة جادة وحثيثة، لإعادة بناء العالم على قدهم ومقاسهم، عبر اختراع استطالات لا معقولة، تخرب كل شيء في محاولة لتأسيسه على بنيان جديد، لا يأبه للقيم، أية قيم، ولا يعير بالاً لإنسانية الانسان أي انسان. وهو ما يجري عسفا وقتلا في سوريا هذه الأيام، وكذلك في العراق والأحواز العربية، وغير هذه البلدان من عالمنا العربي، الذي بات ألعوبة بين أيدي القاصي والداني. (وكل يحاول وصل ليلى، وليلى في العراق مريضة) كما يقال.

 

في مثل هذه الأجواء التي تتهدد فيها كيانات الدول، وتتبعثر وحدة الشعوب وأنساقها المجتمعية، كان لا بد من مناد ينادي: أن كفى تشتتاً وتمزيقاً، كفى بعثرة لكل طاقات الشعوب، بل ووحدة أرضها وشعبها، وهو ما فعلته بعض من فصائل معارضة في سورية، عندما راحت تؤسس ما سمي فيما بعد ب (جيش الفتح) في عملية حراك توحيدية عسكرية لجمع جل الفصائل، تحت قيادة واحدة، ولتنجز النصر تلو النصر، على جحافل المغول والتتر القادمين من كل أصقاع الأرض، من بلاد الفرس وأفغانستان. ومن بعض العراق، وبعض لبنان، ومن أصقاع أخرى، لا علم لأحد بها، كيف جاءت وأين مقصدها ..

استجمعها وضمها المشروع الفارسي الصفوي السياسي، الذي يَركَب على المسألة الدينية رغما عنها، وليعيد أمجاداً ضاعت منذ زمن طويل وبعيد، يوم كان (كسرى أنو شروان) وعندما فتح الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، بلاد فارس ملحقاً هزيمة نكراء بحضارة القتل والكفر، حضارة الحرب والصراع ثنائي القطب، الذي كان سائداً في يوم ما من التاريخ، بين الفرس والروم .. وبالتزامن مع كل ذلك نشأ جيش الفتح الموحد، فحرر محافظة ادلب كلها، وهو يتحرك بسرعة في محافظة حماة، وبحركة أقل سرعة في ريف حلب الجنوبي. ويبدو أن هذا العمل التوحيدي، الذي آتى أكله، دفع بالأخوة الأحوازيين، المسروقة أرضهم منذ عشرات السنين، من دولة الفرس، ليستفيدوا من تجارب التوحيد المناقض للتفتيت ، وليفاجئوا العالم بمؤتمرهم الوحدوي، الذي توجه  لجميع الفصائل الاحوازية التي تقارع الاستعمار الفارسي منذ زمن طويل ، من أجل توحيد صفوفها ، فها هي اليوم تجتمع ضمن مؤتمر توافقي وطني أحوازي يعد فريداً من نوعه في تاريخ القضية الأحوازية العادلة والمشروعة، ليلتقوا في مدينة ( لاهاي ) الهولندية، بدعوة من حركة النضال العربي لتحرير الأحواز وليحققوا ما عجزوا سابقا من تحقيقه ..

متجاوزين بذلك جميع التناقضات الفكرية الأيديولوجية، معتبرين إياها من القضايا الثانوية، أمام وحدة الثورة الأحوازية، لتحقيق الحرية للأحواز العربية، التي ماتزال محتلة من دولة الفرس.

فهل يحذو حذوهم أهل السياسة والمعارضة السياسية في سوريا، ويكون مؤتمر الرياض القادم، خطوة في هذا الاتجاه الصحيح. أسوة بالوحدة الميدانية التي صنعها ثوار جيش الفتح. فهل من فتح سياسي جديد كما يقال.

رب قائل يقول: ان السمة التاريخية للمعارضة السورية، كانت وعلى الدوام هي التبعثر والتفكك، والتشظي، وهو ستاتيك يحمل الاستمرارية، وأن كل حديث عن تحالف أو وحدة، هو رجم بالغيب، وتفكير خيالي .. لكننا نقول: وحسب معطيات الحاجة والضرورة في الواقع السوري الراهن .. انه "قد ولّى عصر اليقينيات الثابتة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، كما في العلم.

كل شيء أصبح قابلاً للتحول والتبدل في مفاجآت متلاحقة، كما تشهد عليه مختلف التقلبات على الساحة الكونية.

لم تعد هناك ضمانة لشيء أو لإنسان، أو حتى لنظام سياسي أو اجتماعي أو سواه، أكثر الوقائع والحالات ذات الثبات والرسوخ الظاهريين، تتحول وتنقلب من حيث لا نتوقع" .

وبالفعل فانه وبالرغم من التناقضات الظاهرية بين طيف المعارضة الواسع، فان هناك حلفا مصلحيا ضمنيا على أرض الواقع .. لابد من قيامه .. اذا كان ألم الشعب السوري، ودماره يهم الجميع، ويحفزهم بالتالي، الى صناعة تحالف موحد، يحقق ما عجزوا عن تحقيقه عبر سنوات خمس خلت .. اذ ليس من المعقول، ولا المقبول، أن يترك الشعب السوري تتلاطمه الأمواج، معولين على الخارج، هذا الخارج الغارق في مصالحه النفعية البراغماتية المستغرقة في كل شيء الا مصلحة الشعب السوري المظلوم ..

لقد استمر هذا النظام الاستبدادي المجرم وعبر /45/ عاماً من الهيمنة وسرقة كل شيء في هذا الوطن السوري المنهوب .. مشكلاً ثلاثية هدر الفكر والوعي والطاقات، وهي الحالة الأعم لهدر الانسان السوري ومؤسساته التي بناها بعرق جبينه بل بدمه وروحه .. وهو ما يجب أن أن نسلط الضوء عليه أيضا، لأن ذلك عادة ما يكون خارج بؤرة التركيز في تناول قضايا المجتمع، حيث يسلط الضوء أساساً على الأبعاد السياسية من حرية وديمقراطية، وفساد اقتصادي من نهب واستغلال ورشاوى. في حين أنه يتعين تسليط الضوء، وتركيز البحث على هذا الهدر الثلاثي لأنه يشكل الشرط المسبق لتهيئة التربة لدوام الاستبداد.

كانت المؤسسات في سوريا وعلى الدوام، تتحول الى مناطق نفوذ، ومغانم، توزع على الأتباع، ولا تقف الأمور عند هذا الحد، بل يصيب الهدر العام المواطنة والانتماء. ذلك ما تصنعه نطم الاستبداد والعولمة سواء بسواء.

 

فهل يمكن لقوى المعارضة بطيفها الواسع، أن تجعل من لقاء الرياض القادم خطوة في الاتجاه الصحيح؟ لإعادة تأسيس وطن على بناءات الحرية والكرامة، ونفي المصلحة الذاتية الأنانية، مقدمة بذلك مصلحة الناس كل الناس على مصلحة أي حزب أو تيار أو فئة سياسية أو اثنية أو طائفية أو عشائرية. أسئلة تبقى برسم الذاهبين الى هناك، الى الرياض، وهي أسئلة محرجة لا شك في ذلك وتحيل الكثير منهم الى زوايا مهملة، فيما لو تقدمت مصلحة الوطن، ووحدة الوطن أرضاً وشعباً على مصالحهم الذاتية الخارجة بالضرورة من رحم النظام، الساقط، أو الآيل للسقوط عاجلا ًام اجلاً .

 

* أحمد مظهر سعدو- كاتب وصحفي

 

علِّق