عدد القراءات: 4280

مؤتمر أبها.. آخر رياض المعارضة

 

*حافظ قرقوط

 

لطالما رسم السوريون أحلام ثورتهم الوردية على قبعات الزمن المتبدلة، كمواليد جدد على أرض جديدة في كوكب أبى إلا أن يكرس هزائمه الإنسانية، هي قبعة الساحر تتنقل من رأس إلى رأس، ومن عراف بضرب المندل إلى مفتٍ بثوب عراف، ومن مهرج في سيرك السياسة إلى سياسي في ثوب مقاول.

أربع سنوات وثمانية أشهر ونيّف، لم نتعلم كيف نخاطب ذواتنا قبل أن نخاطب العالم، كلنا خبراء صراخ وخبراء تحليل وخبراء عسكر وخبراء شتم، ثم خبراء أديان نختصر النبوات كلها بسطر ونصعد المسرح كغوار الطوشة الذي قد يكون النموذج الأهم ليختصر فصام شخصيتنا.

 

مؤتمر جديد في "أبها" على شرف معارضتنا والتي شارفت أن تدخل مجموعة غينس بحجم وعدد الخطابات والمؤتمرات والندوات والتجمعات التي أعلنتها لوحدتها، لتقف أخيرا في حضرة التاريخ عارية من أي صفة سوى أنها صورة مريضة عن شرق أوسط يبحث عن هويته بين أكوام الحصى ورمال الصحارى، وتغريه صور الفاتنات فقط في بيت الخلافة وإن بطيف جارية، شرق أوسط يبحث عن أفكار الغد بعباءة عنترة والزير فتغرقه الرمال ويصبح الحصى شاهدة قبر أزلي تقطر عليها دموع الثكالى والطفولة الميتمة.

يبتهل السوريون الطيبون وهم تحت براميل الأسد وصواريخ بوتين وغدر الخامنئي إلى الله الذي ابتلاهم ليرى صبرهم كما يقولون، فتبتهل المعارضة إلى ذات الإله كي يذكيها أحد أن تبقى ضمن البلوات التي يمتحن فيها السوريون بصبرهم، هكذا تكثر البلوات وتنمو كالفطور بلا أساس من بين خلايانا، ليقلق السيد بان كيمون على ما بقي من رمق يسد به الجياع والمعذبون والقابعون في الأمل بعضا من ندى على روح تيبست بانتظار صوت رشقة مطر آدمية من أدبيات بقايا الضمائر وإن على عنق ملوي وجسد مهزوز.

 

في الرياض حلم جديد للسوريين، يتلون بمرارة السنوات المنقضية، تتداعى الشخصيات المتخمة بالأنا، عسى أن تقبل بعضها وتعلن توحدها ولو على لائحة الطعام المقدمة، من اجتماع سميراميس في قلب دمشق الذي غاب عنه الذكاء السياسي، إلى اجتماعات السكايب التي أنشأت ربما مئات الغرف لوحدة التعريف والهدف، إلى "أبها" حيث آخر الصلوات للمنكوبين تقول عسى أن يلهمنا الله الصبر حين يغلق عليهم الباب وننتظر دخانا أبيض، لا زفير الوحوش الكاسرة حين تتحسس آخر لحظات الخطر على ما جنته طيلة تلك السنوات الفاجعة بهذا الكم من الأفكار الموجعة.

 

سنوات بقي فيها الأسد وعصابته يتأملهم وهم يدورون في حلقة سميراميس وما تلاه تراتباً من مؤتمرات ومسميات وكتل وحلقات رقص سياسي، كعاقر تبحث عن سر الولادة في كواليس الأبراج وقرائها على محطات التلفزة وإذاعات الصباح، وبرغم هذا صبَر السوريون الطيبون الأحياء منهم والشهداء، النازحون والمحاصرون واللاجئون، على بلوتهم بأبناء جلدتهم وقدموا الأعذار تلو الأعذار لهم، واقتنعوا أو أقنعوا أنفسهم أنهم جمهور هؤلاء السادة القادة في معارضتنا، وها أنتم يا سادة على المحك الآن، والوحش الروسي يفتح ثغره كمن أصابه مرض الكلب، وشعبكم ما زال صابرا وثائرا وحازما، أن لا أسد، لا أسد، فهل وصلت أصواتهم؟ لا جولة أخرى لكم، ليس لأن الصبر قد نفذ، بل لأن جيلا جديدا قادما سيليق بالثورة كما تألقت به، جيل جديد يدرك أن الوطن ليس بطاقة طائرة أو منبرا، جيل هتف "حرية" ويعرف بلوى السياسة حين يسكنها العراف والمهرج، فكتب بالدم لا بالحبر أوراق مؤتمره القادم في قلب دمشق طال الزمن أم قصر.

 

 

 

علِّق