عدد القراءات: 1969

الأسد، والقدرة على امتصاص التداعيات …

 

*صلاح قيراطة

 

هل من  المنطقي ان يكون مصير شخص، مهما كانت قدراته وامكاناته ومستوى اخلاصه وتعلق شعبه به، او وفاءه وطنه، سيما ونحن هنا نتحدث عن انسان عادي لا هو من صنف الملائكة ولا هو من نوع الأنبياء، هل يكون مصير هذا الشخص، ولو كان في مصيره مصير نظام كامل راسخ منذ خمسة واربعين عاما استمرار لحرب دموية بات الموت فيها بالمجان  لأبناء سورية ؟...

هل من المنطقي ان ينقسم العالم حول مصيره بينما تستمر الحرب في  البلاد، حرب اتت على اخضر البلاد قبل يابسها، واستوى فيها مصير البشر والحجر، فكله بات وقوداً لنار حقد استشرى بمهنية عالية ليقتلع التاريخ، تاريخ التعايش لشعب واحد كان يعمل دوماً على ان يصوغ فجر عدالته وسعادته بحر ارادته، وقوداً يهدد الجغرافيا على صغرها بالتشظي والاندثار، فقد تطاير الشرر وعميت الأبصار وبات هذا حقيقة واقعة وملموسة يدركها حتى من فقدوا الأبصار، ويسمعها من لا يسمعون ؟...

 

وفي اطار المهنية التي وظف من خلالها كل العداء لسورية، سورية التاريخ الضارب في التاريخ، وموطن الحضارة الأولى على مستوى العالم، بات يتردد في الآونة الأخيرة كلام عن نشوب خلاف إيراني روسي حول ســـــــــوريا، ويترافق مع هذا الكلام حديث عن انســــحاب  ( حزب الله ) من سوريا وتحجيم دور الحرس الثوري الإيراني، وحل قوات الدفاع الوطني المدعوم ايرانيا، وتجنيد بعض كوادره  في الفيلق الرابع الذي تدعم تأسيسه  وترعاه، مع  تحويل بشار الأســــد إلى  ( جثة هامدة ) لاحول له ولا قوة حتى خلال المرحلة الانتقالية والتي تمتد حسب ( فيينا ) الى ثماني عشر شهراً...

انا اعتقد ان كل هذا الكلام هو أقرب إلى تمنّيات، اكثر منه وقائع ومعطيات لأنه يناقض  ما  يجري على الأرض التي تبلورت أكثر فأكثر من خلال مواقف القوى المعنية مباشرة بالصراع  خاصة بعد هجمات باريس في الثالث عشر من الشهر الماضي، وقد بنيت اعتقادي هذا على ارضية ان التعاون العسكري واللوجيستي بين من وحدت مصالحهما الحرب السورية ( روسيا – ايران )  يقف حائلاً ولو مؤقتاً دون أي صراع لن يستفيد منه في حال وقوعه الا من هم في الخندق الثاني، وهذا يقتضي استحالة أي خلاف مهما كانت المعطيات او الاسباب...

بقاء الأسد في سدة حكم سورية هو ضرورة لإيران وروسيا بقدر ما هو ضرورة وضامن في آن، لحاضر ومستقبل من يؤيده ويواليه من السوريين فوجوده  يُكسب  الشرعية لــ ( روسيا وايران ) في تدخّلهما في الحرب الدائرة في سورية،  شرعيةً تفتقدها الدول الأخرى الداعمة للفصائل المسلحة الأخرى التي تقاتل في مواجهة القوات السورية ومن يواليها، ومع كل هذا وذاك فالمزاج الدولي الى تغير في ما يتعلق  بمصير ( الأسد ) وقد كنت كتبت سابقاً ان اكثر المستفيدين من تفجيرات ( باريس ) هما ( بوتين ) و( الآسد ) فالأول انكسرت عزلته، والثاني بات مطلوبا اكثر لمواجهة ( تنظيم الدولة )...

من الثابت اقله حتى الآن ان الولايات المتحدة ما عادت تمانع فكرة المرحلة الانتقالية مع الأسد والتي قد تطول لثمانية عشر شهراً، ولابد من الاشارة هنا الى انها لم تمانع ولا للحظة من بداية الأزمة السورية من  بقاء  ( الأسد ) على رأس السلطة السورية  لاعتبارات محض امريكية اقلها لجهة الرئيس اوباما ونظرته للمجريات على الساحة السورية وما يخطط له بالنسبة  للنظام الدولي الجديد الذي يفترض به ان يحتوي كل من ( روسيا – ايران )، وكل ما كان يقال لا يتعدى كونه فقاعات اعلامية..

توحش ( تنظيم الدولة ) الذي ضرب بعنف في باري دفع   الفرنسيون، سيما من كانوا اكثر مجاهرة لعدائهم لفكرة بقاء ( الأسد ) عادوا ودعوه إلى مقاتلة ( تنظيم الدولة ) بلسان وزير الخارجية، فقد سارعت وزارة الخارجية الى تفسير تصريح رئيس الدبلوماسية الفرنسية  بشكلٍ يجعلنا نشك أن في الأمر زلة لسان أم فكرة يتم تداولها في أروقة القرار الفرنسي بعد هجمات باريس،  وحتى الحديث عن حكومة انتقالية في إعلان جنيف اختفى في فيينا ليحلّ مكانه الكلام عن حكومة شراكة وطنية...

أما إيران فقصتها مع التدخل في الشأن السوري ولو كان هذا بطلب من الحكومة السورية   قصتها  فريدة، متفردة وشائكة ومتداخلة وكل ما فيها يجعل ايران تمارس  ما بمقدورها سواء لجهة الجهد العسكري او الدعم اللوجيستي، او حتى التبني السياسي والدبلوماسي في كل ما يساند الحكومة السورية الضامنة للمصالح الايرانية، فإيران بحسابات قادتها ومرشدها لا يجوز ان تهزم وهي لا  تستطيع ذلك، ففي هزيمتها وصول الى عمق طهران لأنها ستوحي للمعارضة الداخلية فيها  بأنّها هي أيضاً تستطيع هزيمة تلك الماكينة العسكرية...

ثم إن إيران كانت قد بنت استراتيجيتها منذ أعوام عودة الخميني الاولى على أساس تصدير الثورة،  وقد نجحت في لبنان مثلًا في تصدير أنموذج الحرس الثوري، وتعتبر أنّها نجحت من خلال تلك السياسة على إجبار العملاق الأميركي بالتفاوض معها ليس على الملف النووي  وفقط، لكن أيضاً أجبرته الاعتراف بنفوذ طهران في المنطقة بمجرد دعوتها لها إلى  طاولة المفاوضات في فيينا...

لكل ذلك، لا يجوز وفق حسابات ايران أن تخسر،  ففي خسارتها  لنفوذها في سوريا تمهيد  لخسارة كل ما بنته واستثمرت فيه في لبنان كما في سوريا،  لذا من الضروري جداً لإيران أن يبقي خط الإمداد سالكاً بينها وبين حزب الله...

أما روسيا،  ومن خلال مستوى تدخلها وحجم امداداتها ودعمها، فقد تحوّلت إلى ممر إلزامي لأيّ حل في سوريا، خاصة بعد نشرها منظومات الدفاع الجوي ( S300- S400  ) ولأول مرة خارج اراضي الاتحاد الروسي بالنسبة (  S400) اضافة لتسليمها سورية دبابات متطورة من طراز ( T92 )...

وهنا اقول ما يشكل لي قناعة موضوعية، بعد عمق دراسة تحليلية أن الأسد لن يعود إلى فرض سيطرته على كامل الأراضي السورية، اقله لجهة نقص الامكانيات البشرية  لكن المؤشرات تجعلني اجزم بإمكانية بقائه على رأس السلطة برغم كل الجعجعة التي نسمع لكن لن يرى الطامحون باستبعاده طحينا، الا اذا وجد الشخص الذي تتوافق عليه كل من ( روسيا  و ايران ) يمكنهم الوثوق به كضامن لمصالحهما...

واختم كعادتي بقولي :

لن نرى من خلال سياسات اوباما المتعلقة بالشأن السوري عموماً، وشخص الاسد خصوصاً بما فيها من رغبة اشرت اليها اعلاه بضرورة احتواء ( روسيا وايران ) في النظام الدولي الجديد الذي  رسم  له اوباما ولايزال،اضافة لانشغال أوروبا بمعالجة مشاكلها سواء لجهة اللاجئين أو لناحية محاربة الإرهاب، أن نرى الأسد خارج اللعبة السورية  اقله في المدى المنظور

لو  نعلم انه في  الحروب لا تستعر نيرانها في أجواف المدافع.. بل في قلوب الناس وأفكارهم..

 

* صلاح قيراطة

  • - كاتب، ومحامي

  • - ضابط سابق في الجيش السوري

علِّق