عدد القراءات: 1975

نعم،هناك وجه أبيض للإسلام المتطرف .!!

 

في عام 2006، دعاني زميل دراسة من محافظة اللاذقية، لقضاء رحلة ليومين في جبال شمال المدينة بصحبة أبناء قريته، و لأني عاشق لهذه المدينة و لطبيعة جبالها الفاتنة،  لذلك قبلت الدعوة فوراً .
و بعد التعارف على رفاقه، و كلمات الترحيب و المجاملة التقليدية، ساد بعضٌ من الصمت في الباص الذي أقلنا من مركز المدينة الى جبال الشمال السوري. حاولت كسر هذا الصمت، و بدأت بصوتٍ عالٍ بأغنية تناسب الرحلات، لكن المفاجأة ،أن أحداً لم يستجب لمحاولتي، و بدؤوا بتبادل نظرات الإستهجان و الحيرة، فلكزني صديقي، برسالة واضحة لي بالتوقف عن الغناء.......

لكم أن تتخيلوا مدى الإحراج الذي أصابني، و كدت أن أطلب من السائق التوقف كي أنزل و أعود الى حيث أتيت، لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة، كي أجنب صديقي الحرج ( و ردود الفعل العنيفة ليست من طبعي على أي حال ) .
أثناء الإستراحة الأولى، سحبني صديقي جانباً، ليعتذر عن عدم شرحه المسبق لي،  مدى حساسية الموسيقى بالنسبة لزملائه، كونهم محافظين دينياً، و ملتزمين تماماً بتعاليم الدين الصحيح......وقتها شعرت و كأني في عالم آخر، و أن ورطتي في هذه الرحلة كبيرة جداً، مع أناس لا يجمعني بهم أي رابط سوى زميل دراسة. لكن، و لأن الرحلة قد بدأت، و هي لمدة يومين و ليلة واحدة فقط، فقررت أن أمضيها بأقصى درجات الاستمتاع، على الأقل لأتذوق متعة الطبيعة الساحرة التي تميّز قرى شمال اللاذقية........
شيئاً فشيئاً، بدأت ثلوج العلاقة بيني و بين هؤلاء الشباب بالذوبان، و بدأنا نتحاور و نضحك، و بدأ أحد الشباب بالغناء ( دون موسيقا طبعا ) مرددا أبياتاً من الشعر الجاهلي، و بعض أغاني الفلكلور المحلي، فبدأ الطرب يتسلل إلى قلبي، و متعة الاستكشاف، بالإضافة الى الصوت العذب، كل ذلك دفعتني لأطلب المزيد من تلك الأغاني، و بدأنا الرقص (الشرعي طبعاً ) ....ليتقارب الحديث و تنتاقش بموضوع الموسيقى و الالتزام الديني، فعرفت فيهم ثقافة كبيرة، و التزاماً من مبدأ عقائدي قوي، مع حجج مقنعة جداً بالنسبة لهم ، و مؤسسة لحالة من الرضى عن أسلوب حياتهم .
نعم، ربما أختلف معهم كثيراً، و ليس لدي أبداً أي استعداد لأغير أفكاري أو أسلوب حياتي، لكنني وجدت منهم قبولاً كبيراً لي، كإنسان و كصديق، دون المطالبة بتغيير شخصيتي، لكن مع احترام توجهاتهم، و قد ربطتني بالعديد منهم صداقات قوية، ما زلت محافظاً عليها إلى الآن .
ما أردت قوله من خلال سردي لتلك الحادثة، أن التفاهم، و إيجاد المشترك مع كل أشكال التوجهات الدينية ممكن، لكن فقط في حال تفهمنا لهذا الآخر، و محاولة احترام خياراته، دون الذوبان به و محو أفكارنا، و دون مطالبته أيضاً بالذوبان ضمن بيئة يرفضها هو كإنسان و ككيان ديني ......
ربما يجادل أحدهم، بأن صورة الإسلاميين ليست بيضاء كما أصفها، و إنما هم مجموعات تحاول إجبارنا على العيش على طريقتهم هم، و بقوة السلاح أيضاً، مستدلّين بالكثير من الفظائع التي قامت بها المجموعات الإسلامية المسلحة في سوريا .
بالتأكيد هذه الصورة ليست مثالية، لكن هل من حالة مثالية في واقعنا، سواء لدى الطرف الإسلامي أو العلماني ؟
هل هناك طرف واحد لم يدع الى القتل يوماً، بل و مارسه بيده في كثير من الحالات ،بحجج دينية أو قومية أو اشتراكية أو حتى علمانية بكل بساطة ؟

في واقعنا السوري، هل تختلف كثيراً جبهة النصرة -مع كل ارتباطاتها الخارجية الواضحة ، و البعيدة جداً عن أن تكون تياراً دينياً صحيحاً-  عن ميليشيات الأسد التي تشكل بقايا الجيش السوري السابق، أو حتى نسور الزوبعة، أو القوى التي تقاتل بحجة القومية العربية أو الكردية ؟
هل المجازر التي ترتكبها قوات حماية الشعب، و من يشجعها ،سواء كتابة، أو نشاطاً سياسياً في أوربا، هل يختلفون كثيراً عن الجهاديين و مؤيديه ؟

تختلف الأفكار نعم، لكن أسلوب فرضها على الآخر هي هي .....
بالطبع لا أقصد هنا تبرير الجريمة بالجريمة، و هي أسوء أنواع التبرير، و أكثرها انحطاطاً أخلاقياً، لكن ما أردت قوله، أن الحالة العامة كلها في المنطقة هي حالة تعصب و تأجيج، و استعمال السلاح لفرض أمر واقع، و أن الحاضنة الشعبية الإسلامية، هي الحاضنة الأكثر تعرضاً للظلم في اللعبة الدولية الوسخة التي يتعرض لها السوريون، مع أنها الحاضنة الأكثر قابلية للتغير و التطوير لو توفرت لها الفرصة، أو لو توفّرت  النخبة  المخلصة التي تدفع بهذا التطور، و أستدل هنا على التغيرات الإجتماعية الكبيرة التي حدثت في مدينة دوما إبان أشهر الثورة الأولى، من خروج للمرأة و مشاركتها في الحراك السياسي، بل و من وضع الأغاني الوطنية في المسجد، و كلنا يذكر صوت سميح شقير في مسجد دوما الكبير، هذا تحول جذري في فكر الإسلاميين المحافظين  و سلوكهم، لكن للأسف، هذه المحاولات أجهضت بسرعة من خلال العنف الكبير الذي قامت بها قوات الأسد، و لو كانت الحركات العلمانية تملك حدا أدنى من الالتزام بعلمانيتها، لكانت وقفت في وجه الأسد كي تفسح المجال لهذا التطور في المجتمع الدوماني .
محصلة كلامي، أن اللقاء مع الإسلاميين المحافظين، و حتى المتطرفين  بشقيه السني و الشيعي ( و ليس الإرهابيين أو ذوي التوجه العنيف كداعش و حزب الله  أو كتائب أبو الفضل العباس )  ممكن اذا توفرت نية لقاء و تعايش سلمي بين الطرفين، و نحن بأمس الحاجة حالياً لهذه اللقاء، كي نستطيع تأسيس حياة ديمقراطية حقيقية، يعيش بها الجميع متقاربين -وليس متداخلين بالضرورة- و إيمان كل طرف بحق الآخر بالحياة و احترام توجهه، و الأهم الأهم هو إبعاد شبح الحكم العسكري مرة آخرى .

لقاء القوى العلمانية و الإسلامية ضرورية جداً، لأن الشرخ الحاصل بينهما هو الذي يسمح للعسكر، و للطائفية، و للمجتمع الدولي، و للعنف، بالتسلل الى المجتمع السوري........
فهل هذا اللقاء ممكن بالقريب العاجل، هل هناك نية أصلاً لهذا اللقاء ؟؟؟ هل هناك بالأصل  الأصل رغبة في الديمقراطية الحقيقية لدينا ؟؟

 

 

 

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 19730

مقالات الكاتب

الزمن السوري
التعليقات: 4