عدد القراءات: 9134

هل يعيق الدين الاندماج؟!

 

في أحد اللقاءات الثقافية المتعددة بين مجموعة من اللاجئين السوريين ومجموعة من الالمان في ولاية (بايرن) في ألمانيا، وزع منظم اللقاء السيد فرانز على الموجودين ورقة تتضمن مجموعة مفاهيم وقيم علينا ترتيبها بحسب أهميتها في الحياة بالنسبة لكل شخص، من هذه المفاهيم : الشرف- العدل – العلم – حب المساعدة – احترام القانون- الدين- الاخلاق......الخ، تعددت اجابات الالمان ورتبوا مجموعة القيم هذه بشكل متنوع، كل بحسب قناعاته وثقافته ...، بينما أغلب السوريين المتواجدين في القاعة كتبوا في أول القائمة: الدين، أي الاولوية في حياتهم  للدين.

وفي سياق اللقاء وجه السيد فرانز أيضا سؤالا لسيدة سورية : عندما تكبر ابنتك وتريد ارتداء تنورة قصيرة ماهو موقفك ؟ تجيب السيدة بالقول: أحاول اقناعها بألا تفعل ذلك لان ديننا لايسمح بهذا الشيء، كرر السيد فرانز السؤال مضيفا وإن لن تقتنع، تقول السيدة السورية أحاول منعها ..

 

الطريف أن هذه السيدة متزوجة بقصاصة ورق فقط (زواج عرفي) من رجل لديه ثلاث نساء أخريات فقد توفي زوجها الاول في سورية ..

وفي مواقع التواصل الاجتماعي تحتدم النقاشات اليومية في قضايا تتعلق بالاندماج في المجتمع الالماني والغربي عموما وخصوصا في الصفحات التي تعنى بشؤون اللاجئين كما في صفحة (البيت السوري في المانيا) على سبيل المثال ..

كثر من المشاركين في النقاشات والتعليقات على البوستات يتمحور حديثه على جوانب تتعلق بالدين الاسلامي  وبالهوية وأن الاولوية لغالبية اللاجئين  هي الحفاظ على الدين ؟؟؟!!  وغالبا ماتتصف النقاشات بالتشنج وبالتهم المعروفة من تخوين وتكفير وتهديد وشتائم ... والتي هي امتداد لحالة الصراع المركب والمعقد في سورية ..

كما يلاحظ المتابع هنا أن بعض اللاجئين - الذي ذاق المرارة للوصول الى اوروبا وواجه الموت مرات عديدة- بعد وصوله لبر الامان الاوروبي يغالي في طقوسه الدينية أكثر مما كان في بلده الاصلي بكثير في سعيه للتمسك بهويته الدينية المفترضة وصولا الى اجبار أطفاله (4 سنين و3 سنين) على ارتداء الحجاب والصيام أحيانا في ظروف ربما هي في منتهى الصعوبة للكبار فما بالك للصغار حيث يمتد النهار هنا لاكثر من 17 ساعة ...

 

من ناحية ثانية يتهرب الكثيرون من دورات اللغة بحجة صعوبة اللغة أو هربا من استحقاقات العمل بعد انتهاء دورات اللغة ..أو أحيانا لعدم استطاعة البعض تعلم لغة جديدة نظرا لانهم بالاساس لم يدخلوا مدارس في سورية ..

كما أن البعض يصرف الكثير من وقته وجهدة في البحث عن الطعام المناسب له ولعاداته متسلحا بثقافته السابقة التي نشأ عليها والتي يغلب عليها المفاهيم الدينية (هذا حلال وهذا غير حلال ...)  والمتضمنة الكثير من المتناقضات التي تكرست عبر مئات السنين ...

هذا غير وصف البعض للمجتمع الذي احتضنه بصفة الفسق والانحلال ومختلف الصفات الاخرى التي تستهجن ثقافة وعادات وقوانين الغرب، لا بل تصل الامور أحيانا لحد الرغبة بأن يصبح المجتمع الغربي (مثلنا) أي على المضيف أن يرضخ لثقافة الضيف ويعترف بتفوق قيمه ..حيث يحمل هذا البعض عقيدة تتمركز حول مبدأ (نحن خير أمة... وديننا هو دين الله...) وبأن ما نحمله من قيم وعادات هو أفضل مما يحمله الاخرون، وبالتالي عليهم تقديم الطاعة والولاء لنا !!! وهذا الامر يغذيه الدعاة والمرجعيات الدينية والاعلام والمدججة بالايديولوجية الدينية والذين أمموا الدين وألغوا جانبه الروحي النقي كونه علاقة سموا وتصعيد روحي بين الاله والفرد هذا الجانب الذي هو محور أساس في الدين ..

وهنا لا بد من طرح سؤال يلح كثيرا في أوساط اللاجئين وهو: ماذا لو تناقض قانون ما في البلد المضيف كألمانيا مثلا مع القناعات الدينية المبنية على فتاوى بعض الفقهاء (قديما وحديثا) ممن أنتجوا القاعدة الفكرية للتطرف والتي تغذي المناهج المدرسية في بعض الدول وبعض وسائل الاعلام والتنظيمات الراديكالية ...؟ أو مع قوانين مستمدة من الشريعة معمول بها في البلدان العربية ..

مثلا يحذر أحد البوستات في صفحة تعنى باللاجئين في المانيا اللاجئين من بعض التعاملات المالية في البنوك ويعيدها لمسألة الحلال والحرام والربا ....!!

 

ومثال آخر الزواج المتعدد في اوروبا، فالقوانين لاتعترف ولا تسمح أصلا بتعدد الزوجات وبالتالي كثير من حالات الزواج هي خارج القانون وغير مسجلة في الدوائر الرسمية ...!!! مما ينتج عنه مشكلات كثيرة قانونية واجتماعية ..

ما سبق يفسر كما أعتقد صعوبة الاندماج في المجتمعات المضيفة لمئات الالوف من اللاجئين، حيث يسعى اللاجيء لصنع (جيتو) مع أقربائه وأهل بلده، وهذا ما يفسر أيضا رغبة الاغلبية في الانتقال من مكان سكناهم الذي اختارته لهم مؤسسات الهجرة الى أمكنة أخرى يتواجد فيها عرب وسوريين أو مسلمين، (وهناك أمثلة واضحة حي مولنبيك في بروكسل وبعض أحياء باريس والتي أدت لتفريخ ظواهر ارهابية نتيجة فشل سياسيات الادماج والاندماج... )، مما يؤدي للقوقعة خوفا على الهويه كوسيلة دفاع تتخذ الغلو في الطقوس ومظاهر التدين التي تتغلب على عفوية وضمير الانسان والقيم الانسانية ..

ولكن هل تتدخل المؤسسات الغربية والحكومات المضيفة للاجئين في خصوصيات وأديان اللاجئين؟!!

بالنسية لمؤسسات الهجرة وحكومات البلدان الاوروبية الاندماج يعني ثلاث قضايا فقط وهي تعلم اللغة والعمل واحترام القوانين والانظمة فقط وهذا ما يؤكده كل يوم عشرات المقالات والنقاشات التي تدور في مواقع التواصل الاجتماعي والصحف وبرامج الاندماج أي لا أحد يتحدث عن أمور الدين وضمير الانسان، فقوانين وثقافة الغرب تركز على الانسان بغض النظر عن الدين والجنس واللون فهذه من خصوصيات الانسان، ولا أحد يتحدث عن شكل اللباس أو الحجاب ...وهذه الامور يحميها القانون في كل الدول العلمانية، وهناك آلاف المسلمين يعيشون في الغرب من عشرات السنين ويعملون ويدفعون ضرائب ويتحملون مسؤولياتهم ولهم حقوقهم ككل الناس دون تمييز، ويحترمون القوانين ويتمتعون بسلوك حضاري... ووصل بعضهم لمراكز القرار دون أن يتخلوا عن دينهم أو ثقافتهم أو عاداتهم، حيث تتمتع هذه المجتمعات بتنوع كبير في الثقافة والاديان ضمن اطار مفاهيم المواطنة وحقوق الانسان، حيث يستطيع الانسان أن يختار ما يناسب قناعاته كما يستطيع تبديلها وقت يشاء وهذا محمي بالقانون بشرط ألا يضر بالمجتمع أو يهدد كيانه...

 

الملفت حقيقة أن بعض الجهات المُموَلة جيدا تسعى بشكل موارب أو صريح أحيانا على الخلط المقصود بين التدين والدين من جهة وبين متطلبات الاندماج من جهة أخرى لإبقاء مجموعات كبيرة من المهاجري أو اللاجئين محاصرة في ثقافة (الجيتو) من خلال تخويف الناس من الاندماج في المجتمع واحترام ثقافته بحجة منع ذوبان الهوية وحماية الدين ؟؟؟!..وهذه الجهات تعمل بأجندات سياسية ظاهرها الخوف على الدين وباطنها برامج سياسية تهدف لكسب جمهور لتنفيذ هذه البرامج التي يؤدي بعضها الى التطرف والعنف ..وكل ذلك تحت شعارات دينية زائفة لا تمت الى الدين كقيم روحية وأخلاقية يحكمها ضمير الانسان في العلاقة الخاصة بين الرب والانسان ..

من هنا نرى أن من يحمل ايديولوجية دينية مدججة بمفاهيم الخوف من الاخر والحفاظ على هوية زائفة لاتمت الى الهوية الحقيقة الانسانية بصلة، لن يستطيع التكيف مع المجتمع الجديد مع الحفاظ على خصوصياته الثقافية وسيبقى كنقطة الزيت في الماء تطفو على السطح كجسم نشاز في محيط متجانس.....

التعليقات

اقول نعم،لأن كل يفهم الدين حسب مداركه وأنتمآءاته،فقط حينمانجعل الدين موضوع شخصي خالص تستطيع الإندماج القيم الإنسانيه التي اتفقت عليها مجموعه معينه من البشر في مكان معين وزمن معين لا يحق لأي وافد جديد ان يملي أراءه وأفكاره على تلك المجموعه .

علِّق

مقالات الكاتب