No votes yet
عدد القراءات: 5311

كيف ساعد المترجمون العرب في الحفاظ على الفلسفة اليونانية... والتقاليد الكلاسيكية؟

تاريخ النشر: 
22 حزيران (يونيو), 2017
اللغة الأصلية: 

كانت الفلسفة، في العالم القديم، وبالتالي العلوم والطب، يونانيةً في المقام الأول. ويكتب أستاذ الفلسفة وتاريخ الفلسفة "بيتر آدامسون": "حتى بعد الغزو الروماني لمنطقة البحر المتوسط وزوال الوثنية، كانت الفلسفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة الهيلينية". وأضاف: "كان المفكرون البارزون في العالم الروماني؛ مثل شيشرون وسينيكا، غارقين في الأدب اليوناني، كما تمكّن البيزنطيون المتحدثون باليونانية، في الإمبراطورية الشرقية، من مواصلة قراءة أفلاطون وأرسطو باللغة الأصلية".

 

كما كان للمفكرين اليونان كبير الأثر في مصر، إذ كتب "آلين داس"، أستاذ الدراسات الأوسطية في جامعة ميشيغان، أنه خلال فترة إنشاء مكتبة الاسكندرية "نسخ العلماء الكتب المستعارة أو التي تم شراؤها أو حتى المسروقة من أماكن أخرى من منطقة البحر الأبيض المتوسط وقاموا بتخزينها. كما جمع أمناء المكتبات النصوص المتداولة تحت اسم أفلاطون (d. 348/347 قبل الميلاد)، وأرسطو وأبوقراط (c. 460-c. 370 قبل الميلاد)، ونشروها في مجموعات". ويُعتَقَد أن جزءاً من نص أرسطو في دستور أثينا كان مفقوداً لمئات الأعوام إلى أن تم اكتشافه في القرن التاسع في مصر باللغة اليونانية الأصلية. وتذكر المكتبة البريطانية أن النص "كان له أثر كبير في معرفتنا بتطور الديمقراطية الأثينية وأعمال دولة المدينة الأثينية في العصور القديمة".

 

وقد نافست الاسكندرية "أثينا وروما كمكان لدراسة الفلسفة والطب في منطقة البحر الأبيض المتوسط"، كما سافر الشبان الأثرياء مثل كاهن القرن السادس "سيرجيوس" من ريشينا، الطبيب العام في سوريا الشمالية، سافر هناك لتعلّم هذا التقليد. و"ترجم سيرجيوس قرابة 30 عملاً من أعمال غالينوس (الطبيب اليوناني)" وغيره من الفلاسفة والعلماء القدماء؛ المعروفين وغير المعروفين، إلى السريانية. وفي وقت لاحق، عندما سيطرت السريانية والعربية على المناطق التي كانت تتحدث اليونانية، أمست النصوص اليونانية مواداً مكثّفة تحتاج الكثير من التركيز بالنسبة للمفكرين الإسلاميين، ولم يوفّر الخلفاء أية جهود أو تكاليف لترجمتها ونشرها، كما تعاقدوا في كثير من الأحيان مع علماء مسيحيين ويهود لإتمام تلك المهمة.  

 

وقد كان تحوّل الفلسفة اليونانية والطب اليوناني ظاهرةً عالمية، اشتملت على متحدّثين بلغتين من خلفيات وثنية ومسيحية ومسلمة ويهودية. ولم يقتصر امتداد هذه الحركة على الحدود الدينية واللغوية وحسب، وإنما تجاوز ذلك ليبلغ الحدود الجغرافية؛ ذلك أنها وقعت في مدن متباعدة مثل بغداد في الشرق وتوليدو في الغرب.

وفي بغداد، على وجه الخصوص، وبحلول القرن العاشر، يذكر "آدامسون" أن "قارئي العربية كانوا على نفس الدرجة تقريباً التي يمتلكها قراء الإنكليزية اليوم من الوصول إلى نصوص أرسطو" وذلك بفضل "حركة ترجمة جيدة التمويل التي تبدّت أثناء الخلافة العباسية، والتي بدأت في النصف الثاني من القرن الثامن". كما أن العمل المنجَز خلال مدة الحكم العباسي – منذ حوالي 750 إلى 950- "ولّد لغة علمية على درجة عالية من التطور ومقداراً هائلاً من المواد الأساسية" كما تعلّمنا في قسم التقاليد الكلاسيكية طبعة دار نشر هارفرد. وكان من شأن هذه المواد "أن تغذّي البحث العلمي للعقود التي تلت ذلك، ليس في العالم الإسلامي وحده وإنما أكثر من ذلك؛ في الأراضي المسيحية؛ اليونانية واللاتينية، وبين السكان اليهود أيضاً".

 

ومن بين الشخصيات المعروفة في تلك الحقبة "الكندي" الذي يُعتَقَد أنه أول فيلسوف يكتب في العربية. وقد أشرف كذلك على ترجمات مئات النصوص لعلماء مسيحيين ممن قرأوا كلاً من اليونانية والعربية، وربما يكون أضاف أفكاره إلى أعمال أفلاطون على سبيل المثال، وغيره من المفكرين اليونان. وعلى غرار "توماس أكويناس" بعد بضع مئات السنين، حاول الكندي "إرساء هوية المحرّك الأول عند أرسطو وأفلاطون" على أساس توحيد الخالق. وبهذه الطريقة، مهّدت

الترجمات الإسلامية للنصوص اليونانية الطريق أمام تفسيرات "تتعامل مع المحرّك على أنه الخالق"، وهذه فكرة مركزية في الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى والفكر الكاثوليكي عموماً.

 

وقد صُنِّفَت ترجمات الكندي ورفاقه فيما يسميه العلماء "دائرة الكندي"، التي حفظت كتابات أرسطو والمفكرين الجدد وأسهبت فيها. وتشير موسوعة علم الفلسفة في ستانفورد إلى أنه بفضل "أول مجموعة ترجمات" للكندي "أصبح المسلمون المتعلمون على دراية بخالق الكون المادي والروح الخالدة عند أفلاطون؛ بالإضافة إلى بحث أرسطو عن العلم والمعرفة بأسباب جميع الظواهر على الأرض وفي السماوات"، والمزيد من المذاهب اليونانية الميتافيزيقية القديمة. أما المترجمون اللاحقون الذين يعملون تحت إشراف الطبيب والعالِم "إسحق بن حنين" وابنه "عملوا على توفير أعمال أخرى لأفلاطون وأرسطو وثيوفراستوس وبعض الكتابات الفلسفية لغالينوس وغيرهم من المفكرين والعلماء الإغريق؛ بالسريانية والعربية، أو إحداهما".

 

واستمر تقليد الترجمة والمناقشة الفلسفية والاكتشاف العلمي في المجتمعات الإسلامية إلى القرنين العاشر والحادي عشر، عندما كتب "ابن رشد"، "العالِم المسلم الذي قدّم لنا الفلسفة العصرية"، تعليقه على أعمال أرسطو. ويكتب "روبيرت باسنو" من جامعة كولورادو أن "سلسلة من الفلاسفة والعلماء البارزين جعلوا من بغداد، لقرون عديدة، مركزاً فكرياً للعالم في العصور الوسطى"، محافظين بذلك على المعرفة والحكمة اليونانية القديمة التي لربما تكون قد اختفت وتلاشت لولا ذلك. وعندما يبدو في دراستنا للتاريخ أن نور الفلسفة القديمة كان قد انطفأ في أوروبا الغربية، لا يجب علينا إلا أن ننظر إلى شمال إفريقيا والشرق الأدنى لنرى ذلك التقليد، مع التبادل الإنساني للأفكار، يزدهر لقرون في عالم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجارة والإمبراطورية.

 

 

علِّق