No votes yet
عدد القراءات: 11009

ها قد وجه ترامب ضربة لسوريا.. ما الخطوة التالية؟

الكاتب الأصلي: 
Marc Lynch
تاريخ النشر: 
8 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

صورة من الأقمار الصناعية لمطار الشعيرات في ريف حمص يوم 6 أبريل/ نيسان. (ديجيتال غلوب/ وزارة الدفاع الأمريكية عبر رويترز)

كان الرئيس ترامب قد أعلن في وقت متأخر من يوم الخميس عن هجوم صاروخي ضد قاعدة جوية سورية رداً على استخدام النظام للأسلحة الكيماوية ضد شعبه. وتشير التقارير الأولية إلى أن الغارة اشتملت على 59 صاروخاً من نوع كروز، دمرت الطائرات السورية وقتلت عشرة أشخاص. وقد أشاد حلفاء الولايات المتحدة بشدةٍ بالضربة الصاروخية فيما أدانتها كل من سوريا وإيران.

ما الذي يعنيه هذا التحوّل المفاجئ في سياسة إدارة ترامب بالنسبة لدور الولايات المتحدة في سوريا؟ قريباً سيعلق آخرون على أسئلة مهمة حول شرعية الهجوم، في ظل غياب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي أو تفويض من الكونغرس، كما ستدور الأسئلة حول التداعيات السياسية لهذا التحول السياسي الخطير.

 

وفيما يلي 4 نقاط للنظر فيها فيما يخص التبعات السياسية والاستراتيجية للضربة السورية:

 

1- الغارة بصواريخ كروز لوحدها لها تأثير عسكري ضئيل على الحرب

من الواضح أن أول ضربة عسكرية أمريكية مباشرة ضد أهداف تابعة للنظام السوري تُعد تصعيداً كبيراً، إلا أن ضربة متحفّظة ضد قاعدة جوية وحيدة كانت أيضاً أحد أصغر الخيارات العسكرية المطروحة ضد سوريا، وهي بحد ذاتها تعد تصرفاً رمزياً لم يكن له أثر عملي على مسار الحرب الأهلية السورية الطويلة والمعقدة. فمن الممكن إعادة تشييد مدارج الطائرات المتضررة بسرعة ومن الممكن استبدال الطائرات المدمَّرة بسهولة عن طريق الروس، أما توازن القوى على الأرض فلم يتأثّر.

وقد كانت الغاية من وراء الهجمات الصاروخية وحدها إيصال رسالة، إلا أنها لا تغير الجمود الاستراتيجي الذي اتسمت به الحرب السورية على امتداد الأعوام. ذلك أن النظام السوري، بدعم من إيران وحزب الله وروسيا، أثبت أنه قادر على مقاومة الإطاحة بالنظام الداخلي أو الهزيمة العسكرية على الأرض. وعانى الثوار السوريون منذ مدة طويلة انقسامات داخلية وزيادة في التطرف، وكانت السيطرة على الأراضي والمبادرة الاستراتيجية بين مد وجزر، مع حفاظ النظام على اليد العليا في المدة الأخيرة. لكن لم يكن النظام قادراً على هزيمة الثوار، كما لم يتسنَّ للثوار ذلك.

علاوة على ذلك، أدى التدخل الدولي والإقليمي التنافسي إلى استمرار هذا الجمود، ففي كل مرة تضعف فيها قوى أحد الأطراف، يزيد فيها رعاته الخارجيون من دعمه لضمان بقائه. وفي تلك الأوقات التي واجه فيها النظام تحديات خطيرة، زاد داعموه الخارجيون؛ مثل حزب الله وإيران وروسيا، من مستويات دعمهم له. وفي المقابل، سيتلقى الثوار دعماً أكبر من مجموعة واسعة من اللاعبين الخارجيين كالولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا. ومن المحتمل أن يظهر هذا التسلسل التصاعدي حالياً؛ وذلك بزيادة الدعم الروسي للأسد للتعويض عن أي دور عسكري أمريكي جديد.

 

2- هل سيتمكن ترامب من تفادي اتساع نطاق المهمة؟

إن التأثير الأولي للهجوم الصاروخي لن يكون على الأرض، وإنما في كيفية تأثيره في توقعات الحلفاء والخصوم حول مستقبل الدور الأمريكي. وقد كانت الغارات تهدف في جزء كبير منها إلى إثبات مصداقية ترامب، من خلال توضيح التناقض الحاد مع قرار أوباما في عدم توجيه أي ضربة في سبتمبر/ أيلول عام 2013.

لكن المصداقية مفهوم حساس، ذلك أن مصداقيته حديثة العهد ستظل موضع تساؤل باستمرار؛ إذ اتضّح أن الغارات الجوية لم تكن حلاً للصراع. كما ستشجع تلك الضربات المحدودة الأصوات التي لطالما حثت الولايات المتحدة على تنحية الأسد، وقد تكون الهجمات الصاروخية أيضاً خطوة كبيرة على المنحدر الزلق باتجاه حرب أوسع نطاقاً، كانت إدارة أوباما تخشى الوقوع فيها.

لكن لا يبدو أن هذه هي الغاية؛ فقد تكفّل مستشار الأمن القومي "هربرت ريموند ماكماستر" ووزير الخارجية "ريكس تيليرسون" عناء التأكيد على أن تلك الغارة كانت ضربة عقابية لمرة واحدة تهدف إلى ردع استخدام الأسلحة الكيماوية. وقد أشاد حلفاء رئيسون للولايات المتحدة بالطبيعة المحدودة للضربة.

لكن من الصعب الحفاظ على هذه الطبيعة إن استمرت الحرب دون تغيير جذري. وحتى في حال نجحت الغارة في ردع الأسد عن استخدام الأسلحة الكيماوية، فمن الأرجح أن تأثيرها في حملته العسكرية التقليدية المتواصلة سيكون ضئيلاً. هل ستؤدي الغارة الجوية المقبلة التي سيشنها النظام، والتي ستنتج عنها صور لأطفال مقتولين تُعرض على شاشات التلفاز، هل ستؤدي إلى رد الفعل ذاته من قبل الولايات المتحدة، أم أن الأسلحة الكيماوية وحدها هي ما تولّد هذا النوع من ردود فعل؟

ومن الممكن أن تقوض هذه الغارات مصداقية ترامب إلى حد كبير بدلاً من تعزيزها. وعلى الرغم من أن معظم التحليلات الأولية قد ركزت على كيفية إثبات تلك الغارات لاستعداد ترامب لاستخدام القوة العسكرية، إلا أن هنالك حيرة واسعة النطاق فيما يتعلق بسرعة تحوّله السياسي وطبيعة ذلك التحوّل.

حيث أن ترامب قد ناقض نفسه في عشية وضحاها في واحد من أبرز مواقفه في السياسة الخارجية. وهذا يبعث برسالة مفادها أنه لا ينبغي لنا أن نأخذ أياً من التزاماته على محمل الجد، بغض النظر عن تكرار ذكرها. وتُشجع تلك الرسالة أيضاً اللاعبين من جميع الأطراف على التماس سبلٍ للتلاعب به وجذبه في اتجاههم.

 

3- سياسة ترامب الخارجية تغدو تقليدية أكثر من ذي قبل

لطالما كانت معارضة ترامب لتدخل الولايات المتحدة في سوريا ضد نظام الأسد من أبرز مواقفه غير التقليدية في السياسة الخارجية. وقبل انتخابه رئيساً، نشر في كثير من تغريداته على تويتر وقوفه ضد خطط إدارة أوباما عام 2013 لقصف سوريا على إثر استخدامها للأسلحة النووية، كما دافع بحماس عن رأيه ضد الخوض في حرب لا طائل منها في سوريا، وكثيراً ما ندد بالمعارضة السورية ووصفهم بالجهاديين الخطرين وأشار إلى تفضيله التعاون مع نظام الأسد.

لقد كانت سوريا القضية الوحيدة في الشرق الأوسط التي انحرف فيها ترامب إلى حد كبير عن التيار السائد للجمهوريين في السياسة الخارجية، وابتعد فيها أيضاً عن الإجماع السائد في السياسة العامة. وخلافاً لذلك، كانت سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط  تقليدية بالفعل: فقد تمثلت بالتحالف مع إسرائيل والمستبدين العرب، والمزيد من الضغط العدواني ضد إيران، وتصعيد الحملة ضد قوات المجاهدين، وتقليل الدعوات إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وفي المحصلة، أفضت هذه الغارات الجوية حالياً إلى تماشي ترامب تقريباً مع التيار السائد للسياسة الخارجية للجمهوريين وإجماع السياسة الخارجية السائد بين الحزبين الذي كان يقف ضده ذات مرة.

 

4- هل من الممكن إدارة التداعيات؟

هنالك عدد من المسارات الممكنة الآن؛ 

 السيناريو الأول، وربما الأكثر رجحاناً، هو أن الهجوم الصاروخي سيظل هجوماً عقابياً لمرة واحدة، كما أن الحرب السورية ستستمر كسابق عهدها. وبعد إظهاره الجاهزية لاستخدام القوة، قد يعمل ترامب في الوقت الراهن مع روسيا لإرساء أكبر قدر ممكن من ضبط النفس على عميلها والعودة إلى العملية الدبلوماسية التي طال أمدها. وهذا من شأنه أن يخيب أمل أولئك الذين يودون رؤية ترامب يتحرك بسرعة في الوقت الحالي للإطاحة بالأسد، لكنه سيسمح له بالادعاء بتحقيق نصر سياسي دون دفع تكاليف كبيرة.

ومع ذلك، يوجد العديد من السيناريوهات أقل تفاؤلاً؛ ذلك أن الروس قد يستجيبون بطرق متنوعة أكثر صدامية، ما قد يشكل تحدياً بالنسبة لترامب إما من خلال التصعيد أو التراجع. ومن الممكن أيضاً أن تشهد الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية نكسات في كل من سوريا والعراق، إذا قررت روسيا وإيران تغيير دورهما الداعم حالياً. وقد تصبح القوات الأمريكية المنتشرة في سوريا أهدافاً للانتقام، أما اللاعبون الإقليميون من الممكن أن يقرروا لَيَ ذراع ترامب عن طريق بعض التصعيدات المفاجئة. وهنا قد يخطئ فريق ترامب غير الخبير وغير المؤهَّل بكل بساطة بحساباته في الصراع المعقد للغاية.

والنقطة الأساسية التي ينبغي لنا مراقبتها في الأيام القادمة هي ما إذا كان ترامب ينوي، وقادراً على، إبقاء التدخل مقتصراً على ضربة عقابية وإدارة العواقب.

 

-------------------------

الكاتب:

مارك لينش (Marc Lynch): أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن. وزميل غير مقيم في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2511808

مقالات المترجم