عدد القراءات: 7523

من هي أم الولد الحقيقية؟


ثمة في موروثنا الديني قصة تتحدث عن امرأتين جاءتا إلى النبي سليمان (عليه السلام) ومعهما طفل. وكانت كلٌّ منهما تدعي أن الطفل فلذة كبدها، وأن الأخرى مُـدّعية.
وفي محاولة منه لاكتشاف الأم الحقيقية، أقدم النبي سليمان، على إيهام وإقناع المرأتين بأنه عازم على أن يقسم الطفل إلى قسمين، لكي يعطي كلاً منهما قسماً. وعند ذلك أعلنت إحداهما تنازلها عن حصتها لصالح المرأة الأخرى؛ حرصاً منها على حياة الطفل، فعرف سليمان أنها هي الأم الحقيقية.
وبإسقاط هذه القصة على واقع منطقتنا الحالي، نرى أن قبول الآخر، والتعايش بين مكونات منطقتنا، والسلم الأهلي ـ هو (الطفل) الذي ينبغي علينا أن نحافظ عليه ونصونه بكل الوسائل، لأن البديل لا يجلب سوى التخلف والدمار والهلاك.
ولكي نعرف مَن ـ مِن مكونات هذه المنطقة ـ يحرص على التعايش والسلم الأهلي، يجب أن لا نركن إلى ما يقال في العلن فنصدقه، لأن الرياء سمة العصور؛ بل يجب أن نبحث في السرائر، خاصة وأن الثورة المعلوماتية تتيح لنا معرفة خبايا الكثير من الأمور.
ولعل من أهم وسائل كشف المستور ـ تسريبات موقع "ويكيليكس" الذي لم تستطع أية جهة تكذيب ما نشر من وثائق، بما في ذلك وثائق تعود لوزارتي الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أمّ الإنترنت وتقنيات المعلوماتية كلها.       
فقد سرب "ويكي ليكس" تقريراً سرياً أرسله السفير الأمريكي لدى الجمهورية اللبنانية إلى رؤسائه في واشنطن، ذكر فيه أن وزير العدل اللبناني الأسبق ـ شارل رزق، أطلعه على حديث دار بينه وبين السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني، أشار الأخيرُ خلاله إلى "وجود الكثير من المصالح المشتركة بين المسيحيين والشيعة في لبنان"، مؤكدا أن بلاده (إيران) معنية ومهتمة "بتوفير الحماية للطرفين في وجه التطرف والطمع الـسـنّـيـيـْن".
وأضاف السفير الأمريكي في تقريره إلى رؤسائه في الخارجية، أن الوزير اللبناني شارل رزق، أطلعه على حديث آخر دار بينه وبين الزعيم الماروني الشهير ـ ميشال عون، استخدم الأخيرُ خلاله مفردات غاية في العنصرية، لدى حديثه عن السنّة، حيث وصفهم بـ"الحيوانات". وأكد الوزير اللبناني للسفير الأمريكي أن "عون يرى ضرورة الوقوف إلى جانب النظام العلوي لحماية لبنان من السنّة. وأن التحالف الشيعي- الماروني هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة التهديد السنّي الداخلي، والسني الخارجي المتمثل في السعودية"..

هذه هي وجهة النظر الشيعية ـ المسيحية، التي يجري تداولها في الغرف المغلقة.
أما وجهة النظر السنية، التي يجري تداولها خلف الكواليس، فنتعرف عليها من نفس المصدر؛ توخيا للمساواة.
فقد تمكن "ويكي ليكس" من الحصول على تقرير رفعه وزير الخارجية السعودي السابق ـ المرحوم سعود الفيصل، إلى رئيسه ـ المرحوم الملك عبدالله، يُعلمه فيه أنه أوفد سفيراً خاصاً إلى الفاتيكان، وحمله رسالة شفوية جاء فيها:
"نؤكد حرصنا الكامل على حقوق وحريات كافة أبناء الشعب السوري بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وقومياتهم، ونحن لن نقبل مطلقاً أن يتعرض أيّ من مكونات الشعب السوري لعمليات انتقامية أو إقصاء أو تهميش".
وجاء في الرسالة الشفوية التي وجهها سعود الفيصل إلى وزير خارجية الفاتيكان، أن المملكة ملتزمة "بإقامة نظام في سورية يكفل الحريات والمساواة والحقوق للجميع دون استثناء". وأنها ـ أي المملكة ـ "تعتبر العرب المسيحيين جزءاً أصيلاً ومهمّاً من الأمة العربية، ومصدر إثراء ثقافي وحضاري، كما أنهم جزء أساسي من النسيج الوطني للدول العربية التي يتواجدون فيها".
من المؤكد أن كلاً من الوزير سعود الفيصل،  والسفير الإيراني، يعكس السياسة الحقيقية التي تنتهجها بلاده في منطقتنا.
ومن هذا المنظور، تثبت التسريبات أن إيران تعمل على زرعة الفتن بين مكونات المنطقة، وتأليب بعضها على البعض الآخر، وتسعى لتشكيل تحالف أقلّيوي ضد الأكثرية السنية، وهذا ما لا يمكنه إلا أن يزعزع الاستقرار، وينشر الفوضى، وما يترتب على ذلك من قتل ودماء ودمار.
أما الجنرال ميشيل عون،  فلا يختلف موقفه ـ عملياً ـ عن الموقف الإيراني، إلا من ناحية أنه ليس صانعاً للسياسات، بل مجرد بيدق طائفي، يُكن للسنة مشاعر الحقد والكراهية، ويسعى بكل الوسائل للوصول إلى كرسي الرئاسة، متكئا على دعم فئة من الطائفيين امثاله.
وعلى الجانب الآخر، نكتشف أن السعودية تحرص فعلاً على إشاعة أجواء التسامح في المنطقة، وتدعم التعايش السلمي بين مكوناتها، وتسعى لطمأنة الأقليات على مستقبلها.
وخلاصة القول إن تسريبات "ويكيليكس" تقدم لنا ثلاثة مواقف، لا يرقى الشك إلى صحتها وموضوعيتها؛ موقف الشيعة، وموقف المسيحيين، وموقف السنة. وإذا حللنا هذه السياسات أو المواقف من منظور استقرار منطقتنا والتعايش السلمي بين مكوناتها، نستطيع بسهولة أن نعرف من هي أم الولد الحقيقية.
 

علِّق