No votes yet
عدد القراءات: 4814

مترجم: مستشار سابق لأوباما: لقد استهنَّا بالأسد وحُلفائه

الكاتب الأصلي: 
فرانسوا كليمنسو
تاريخ النشر: 
26 كانون الثاني (يناير), 2016

بين أيدينا مُقابلةٌ مع "فيليب غوردون" الباحثِ في مجلس العلاقات الخارجيَّة والذي عمِلَ مُستشاراً للرئيس أوباما لشؤون الشَّرق الأوسط بين عامي 2013_2015، موضوع المقابلة هو النِّزاعُ في سورية وطريقةُ إدارته من الولايات المُتَّحدة، حيثُ إنَّ المفاوضات التي كانتْ ستبدأُ هذا الاثنين في جنيف بين نظام دمشق والمعارضة السوريَّة قد تتأخَّرُ لعدَّة أيَّام وفق وسيط الأُمم المُتَّحدة "ستيفان دي ميستورا"، لكنَّ الاجتماعَ الأوَّل قد يُعقَدُ بحلول نهاية الأُسبوع، وهذه المفاوضات تأتي بعد خمس سنواتٍ من حربٍ حصدتْ 260000 قتيلاً بهدفِ الانتقال السِّياسيِّ ووضعِ نهايةٍ للعُنف.
روسيا ترفضُ تشكيلةَ وفد المعارضة السُّوريَّة الذي يحتوي على "إرهابييَّن" كما تصفُهم موسكو، في حين تدعو فرنسا إلى خلق مناخٍ مُلائمٍ على الأرض لبدء مفاوضات ذاتِ مصداقيَّةٍ، بعبارةٍ أُخرى فهي تدعو إلى وقف قصف النِّظام والطَّائرات الروسيَّة لقوَّات المعارضة، وفي هذا السِّياق فإنَّ المُستشارَ السَّابقَ للرَّئيس أوباما حول شؤون الشَّرق الأوسط يتحدَّثُ للمرَّة الأولى إلى وسيلة إعلامٍ فرنسيَّةٍ منذُ مغادرته مجلس الأمن القوميِّ في أيلول الماضي، وموضوعُ الحديث هو سياسةُ الولايات المُتَّحدة في إدارة ملفِّ النِّزاع السوريِّ.

 

هل هناك فرصةٌ لانعقاد ونجاح المفاوضات بين حكومة بشَّار الأسد والمُعارضة السوريَّة ؟
من المُرجَّح أن يجدَ المُعسكران المتنازعان وسيلةً للاجتماع لأنَّ أحداً منهما لا يُريدُ أن يكونَ مسؤولاً مُسبَقاً عن فشل الاجتماع، لكنَّ الخلافات الجوهريَّة بين الفريقين عميقةٌ وكبيرةٌ، لذلك فأنا أشُكُّ في إمكانيَّة الوصول إلى نتائج من وراء هذه المفاوضات.
في الواقع نجدُ أنَّ روسيا وإيران "عرَّابَي النِّظام السوري" يرفضان قطعيَّاً الحديث عن إنهاء الدَّور السياسيِّ لبشَّار الأسد، في حين أنَّ المملكة العربيَّة السعوديَّة وتركيا وقطر الذين يدعمون المُعارضة السوريَّة يرفضون الحلولَ الوسط التي لا تضمنُ رحيلَ الأسد عن السُّلطة، سيكون من الصَّعب جدَّاً وفق هذا الواقع الوصولُ إلى نتائج من هذه المفاوضات، يبدو ذلك مُستحيلاً.


وفدُ المعارضة لا يحتوي قوَّات حزب الاتحاد الدِّيمقراطيِّ الكرديِّ الذي يُمثِّلُ القوى الكُرديَّة، هل تعتبرون هذا خطأً ؟
ليسَ من الطَّبيعيِّ غيابُ الأكراد عن هذه المفاوضات، إنَّ الأكرادَ يُمثِّلون أحدُ القوى الأكثر حضوراً والأقوى تأثيراً على الأرض، إنَّهم يُقاتلون داعش أكثرَ من قتالِهم ضدَّ النِّظام السوريِّ، لكن حين تتعلَّقُ المفاوضاتُ بمُستقبل سورية فلا يُمكننا استبعادُهم، أفهمُ جيِّداً أنَّ الأتراك لا يُحبِّذون مثلَ هذه المُشاركة، لكنَّ الحقيقةَ تقولُ إنَّ المُفاوضات دون مشاركة الأكراد لا يُمكنُ أن تكون فعَّالةً.


لماذا لم تدعمِ الولاياتُ المُتَّحدةُ المُعارضةَ السوريَّةَ عسكريَّاً بشكلٍ كافٍ حين كان الوقتُ مُناسباً لذلك قبل سيطرة داعش على مُحافظة الرَّقَّة ؟

يجبُ عليَّ الاعترافُ بأنَّ سياسةَ الولايات المُتَّحدة في سورية عانتْ من خللٍ بين الأهداف المُتصوَّرة وطريقة تحقيقها، لقد استخفَّتْ هذه السياسةُ بتماسك النظام السوري وبالدَّعم المُقدَّم له من روسيا وإيران.
في البداية لم نكن نبحثُ عن حلٍّ وسط، بل عن نهاية نظام بشَّار الأسد، وفي كلِّ مرَّةٍ كان فيها الغربيُّون والعربُ السُّنَّة يُكثِّفون دعمَهم العسكريَّ والماليَّ للمُعارضة السوريَّة، كان الجوابُ من دمشق يأتي رافضاً الاستسلامَ وكان النِّظامُ يردُّ بالهجوم المُضادِّ.

هل يُمكننا القولُ إنَّ روسيا قرَّرت دخولَ الحرب في سورية بشكلٍ علنيٍّ في أيلول الماضي لأنَّ نظامَ الأسد كان على وشك الانهيار ؟
نعم، كانتْ قوَّاتُ الأسد تلفظُ أنفاسَها، وكما العادة حين يكون الأسدُ في ورطة يتدخَّلُ حلفاؤه لإنقاذه، وقد حدَثَ هذا فعلاً مع الدَّعم الإيرانيِّ المتواصل ودخول حزب الله الأرضَ السوريَّة ثمَّ تواجد القوَّات العسكريَّة الإيرانيَّة على الأرض، ومع الدَّعم الروسيِّ الذي بدأَ بشحنات السلِّاح الضخمة التي كانت تتزايدُ دوماً وانتهى بتدخُّلٍ مُباشر من القوَّات الجويَّة الروسيَّة.

لم يكن هناك من وجهة نظري أيُّ سببٍ يدعونا للاعتقادِ أنَّ إيصالَ مُساعداتنا للمعارضة المُسلَّحة كان سيُغيِّرُ الوضعَ.

 

هل تستطيعون القولَ إنَّ تراجُعَ الرئيس أوباما عن تهديداته بقصف قوَّات النِّظام السوريِّ التي تجاوزتْ الخطَّ الأحمرَ باستخدامها الأسلحة الكيميائيَّة كان خطأً ؟

نعم، لكن ليس للأسباب التي تعتقدونها، بل لأنَّ مصداقيَّة الولايات المُتَّحدة عانتْ بسبب هذا التراجع الذي زرَعَ الشَّكَّ عند حلفائنا.
لكنَّني لا أعتقدُ أنَّ ضرباتٍ من الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة وفرنسا في آب ٢٠١٣ كانت ستُسهمُ في الانتقال السياسيِّ الذي نتمنَّى حدوثَه.
باراك أوباما كان يبحثُ قبل أيِّ تدخُّلٍ عسكريٍّ عن دعم الكونغرس له تجنُّباً لفقدان مزيدٍ من المصداقيَّة إذا ضُرِبَ نظامُ دمشق دون تحقيق نتائج على الأرض، لقد سعى أوباما لكسب شرعيَّةٍ من الكونغرس للقيام بذلك لكنَّه لم ينجح.

ألمْ يكنْ ذلك بالأحرى لأنَّه كان يُريدُ الاحتفاظَ بفرصة الوصول إلى صفقةٍ تاريخيَّةٍ مع إيران حول برنامجها النَّوويِّ ؟
لا، نحنُ لم نتصوَّرِ الأشياءَ بهذه الطريقة.
التَّفسيرُ الأكثر بساطةً وأحقيَّةً هو التَّالي : أوباما لم يكنْ يحذر من فشل إمكانيَّةِ الوصول إلى اتفاق مع إيران بسبب ضرباتٍ ضدَّ دمشق، لكنَّه كان يفتقدُ درعاً يتحصَّنُ به أمام الكونغرس ويستطيعُ من خلاله تبريرَ هذه الضربات.

 

أنتم أنفسكم في مجلس الأمن القوميِّ كنتم قد أوصيتُم بمزيدٍ من الدَّعم للمعارضة وبضرب النِّظام السوريِّ لانتهاكه الخطَّ الأحمر...
نعم، كنتُ أدعمُ وضعَ منهجٍ يهدفُ إلى مزيدٍ من الضُّغوط على نظام الأسد وإلى مُعاقبته على استخدامه السِّلاح الكيميائيَّ، لكنَّني كنتُ أُدركُ أنَّ استراتيجيَّتَنا لم تكن فعَّالةً وأنَّه يجبُ تغييرُها لأنَّ العواقبَ الاستراتيجيَّةَ والإنسانيَّةَ كانت ستكونُ على درجةٍ من الخطورة تُحتِّمُ علينا إيجادَ بديلٍ لنزع فتيل الصِّراع، بما يضمنُ تأجيلَ الحديث عن احتفاظ بشَّار الأسد بالسُّلطة إلى وقتٍ آخر لأنَّ هذه النُّقطة تُقسِّمُ جميعَ أطراف النِّزاع.

 

المُعارضةُ السوريَّةُ تعتقدُ بدورها أنَّ لاجئاً واحداً لن يعودَ إلى سورية طالما بقيَ الأسدُ في السُّلطة..
لا أعتقدُ بصحَّة هذا التصوُّر، لأنَّ استمرارَ الحرب هو الذي يُسبِّبُ اللُّجوءَ وليس وجودَ الأسد، لذلك ينبغي قبل كلِّ شيءٍ إيجادُ الظّروف المُلائمة لوقف إطلاق النَّار، ممَّا يُساهمُ في تهدئة الموقف.
المأساةُ تكمنُ في عدم قدرتنا على اقتراحِ حلٍّ، ولو مُؤقَّتٍ، يضمنُ إيقافَ إطلاق النَّار وإنهاءَ هجمات النِّظام وعودةَ اللاجئين واستئناف تقديم المساعدات الإنسانيَة وتبادُلَ الأسرى.
هذا هو الإطارُ الوحيدُ الذي سيسمحُ لنا بتصوُّرِ وجودِ معركةٍ مُشتركة ضدَّ داعش، لكن لو استمرَّتِ الحربُ بشكلها الحاليِّ فهذا يعني استمرارَ المُعارضة بقتال نظام الأسد وابتعادَها عن قتال داعش.

في الحقيقة تبدون بموقفكم وتصوُّركم لحلٍّ كهذا أقربَ إلى موقفِ الأُمم المُتَّحدة وأبعدَ عن مواقف حلفائكم الفرنسيين، هل هذا صحيح ؟

نعم لأنَّني لستُ واثقاً من أنَّ استمرارَ دعم المعارضة من الدُّول الغربيَّة وحُلفائها العرب السُّنَّة يُمكنُ أن يُغيِّرَ النِّظامَ السوريَّ ممَّا يؤدِّي إلى استبداله بمُعارضة مُعتدلة تخدمُ سورية موحَّدةً، هذا هدفٌ جميلٌ ومرغوبٌ لكنَّه غيرُ واقعيٍّ، ولو تحقَّقَ هذا فسنرى ملايين السورييِّن الدَّاعمين لنظام الأسد يغادرون البلدَ خوفاً من وقوعهم تحت سيطرة مُعارضة مُتطرِّفةٍ ومُنقَسِمةٍ تحملُ جراثيمَ جديدةٍ لحربٍ أهليَّةٍ جديدةٍ.

 

هل سيتركُ الرئيسُ أوباما لعامٍ قادمٍ الحالَ على ما هو عليه الآن ؟
من الواضح أنَّ الحالةَ السوريَّةَ كارثيَّةٌ، وأنَّ لا أحدَ راضٍ عن هذه السِّياسة المُتَّبعة من الولايات المُتَّحدة والأوربييِّن وحلفائهم العرب السُّنَّة.
إنَّها الكارثة الأكثر خطورةً منذ انتهاء الحرب العالميَّة الثَّانية لكنَّ هذا لا يعني أنَّ بديلاً أفضلَ كان مُمكناً !

علِّق