عدد القراءات: 2639

في عالمٍ ذاهب نحو "الترامباوية"...عندما يعانق الطفل اليهودي أخاه المسلم

لا يفصلنا سوى حدٌّ أدنى من الصراحة لنعترف أمام أنفسنا بالحقيقة المريرة، وهي أنَّ إسلامنا قد أصبح بالنسبة لشعوب العالم بعبعاً مخيفاً ومصدر خطرٍ محدق للبشرية جمعاء. بغض النظر عن أنَّه لا يجوز تلخيص أسباب هذه الكارثة بالأسباب العقائدية والأرضية الفقهية التي أنتجت ما أنتجت من ثقافةٍ عنفيّة متطرِّفة دون العروج على الأسباب الموضوعية الأخرى التي تتورط فيها الحكومات الغربية أنفسها وغرف المخابرات العالمية المختلفة في إنتاج هذه النسخة المشوهة "الفرانكنشتاينية" من الإسلام، والأموال الطائلة التي صُرِفَت والبرامج المختلفة التي أُعِدَّت والخطط المكثفة التي طُبَخَت في سبيل الوصول إلى ما آلت إليه الأمور اليوم.  
لكن ما يهم الآن هو النتيجة. وهو الواقع المُشاهَد الذي يجب أن نخرج من ذواتنا ونتقمص تفكير المواطن الغربي العادي البسيط ولو للحظة ونضع أنفسنا مكانه لكي ندرك درجة قباحة الصورة.

رغم ذلك كان من أنبل وأذكى ما فعلته الكثير من الحكومات الغربية في السنوات الماضية، وفي مقدمتها حكومات ألمانيا وكندا والدول الاسكندنافية (وحدها هذه الدول أسميها بالدول الصديقة للشعب السوري) هو عدم التصدّي للتطرُّف بتطرُّفٍ مضاد، بل فتحت أبوابها للاجئين رغم كل المخاطر والعواقب التي كانت تلك الحكومات تعرف أنها آتية لا محالة. وبالتأكيد فإن تلك الحكومات لم تكن لتقدر على أن تخطو خطوةً في ذلك الاتجاه في بلدانها المحكومة بالديموقراطية إلَّا بعد أن تحصل على الضوء الأخضر من شعوبها التي ارتقت إلى مستوى مذهل من الثقافة الإنسانية.

 

لقد كانت هذه السياسة في الواقع هي السياسة الأنجع في مكافحة الإرهاب واجتثاثه من جذوره على المدى البعيد، فهي منعت الأمور من الانزلاق في اتجاه اشتعال صراع حضارات عنيف جداً على مستوى العالم كله سواءً إسلامي-مسيحي أو شرقي-غربي أو عربي-أوروبي، وما كان ذلك سوف يجره على العالم من اشتعال نيران التطرف والتطرف المضاد في كل مكان.

بل إن ما كانت هذه السياسة ترمي إليه في آخر الأمر هو أن يصبح الصراع ليس بين أمم وحضارات وأديان، بل بين منظومة قيم الإنسانية والعيش المشترك والحداثة والمعاصرة من جهة، وبين منظومة التخلف والعنف والتطرف من جهةٍ أخرى. بحيث تذوب المنظومة الثانية ضمن المنظومة الأولى في نهاية الأمر. فاللاجئون في تلك البلدان سوف ينصهرون في مجتمعاتها ويحملون ثقافتها الإنسانية لاحقاً إلى بلدانهم ليعيدوا بناءها على أسس سليمة. كما أن هذه السياسة قد فتحت باب المقارنة على مصراعيه بالنسبة للمسلمين أنفسهم بين المعاملة الإنسانية التي شاهدوها في مجتمعات كان كثيرون يسمونها بالمجتمعات الكافرة من جهة، وبين الثقافة الضيقة والإقصائية المغلفة باسم الدين من جهة أخرى التي تسيطر على العقول والنفوس في مجتمعاتهم، وهو ما بدأ يفتح عيون المسلمين على ضرورة القيام بمرجعات جديّةٍ وعميقة سواءً في المنظومة الفقهية الدينية أو منظومة الأفكار الاجتماعية بسبب ظهور تناقض واضح وفاضح مع الواقع بعد خروجهم من قوقعتهم إلى العالم الكبير الواسع الذي نعيش فيه.

اليوم للأسف،  تبدأ الحقبة الترامبية ليس في أمريكا فقط بل في العالم كله من خلال صعود نجم الأحزاب اليمينية المتطرفة الكارهة للغرباء والتي قد تستلم زمام السلطة في أوروبا كلها في زمنٍ قياسي. وهو الأمر الذي سيهدم كل ما تم بناؤه من منظومة قيم إنسانية وسيذهب بالعالم إلى صدام مخيف جداً يتمثل في أخطر مستوى ممكن من صدام الحضارات.

لكن وبالرغم من تأييد شرائح واسعة من المجتمعات الغربية للتوجه الجديد تجاه الغرباء، فإن الثقافة الإنسانية والحضارية التي تحكم تلك المجتمعات قد أدَّت –كما في أمريكا اليوم- وسوف تؤدي –في أماكن أخرى- إلى موجة اعتراضات واحتجاجات شعبية واسعة جداً من قبل شرائح أخرى ضد السياسة الجديدة لحكوماتها. وذلك لأن حكوماتها قد أوقعتها في حالة من التناقض مع القيم والثقافة الإنسانية التي تشرَّبتها هذه الشعوب. ولذلك فإنه من أرقى الظواهر الإنسانية أن نجد بأن 90% من المتظاهرين اليوم في أمريكا ضد سياسات ترامب التعسفية والإقصائية هم ليسوا من المهاجرين أو اللاجئين بل من سكان البلد أنفسهم المسيحيين واليهود أيضاً.

 

خطر في بالي أن أكتب هذا المقال بعد أن أرسل لي صديق صورة ضمن التظاهرات الاحتجاجية في الولايات المتحدة تجمع طفلين يهودي ومسلم يُعبِّرُ الأول عن تضامنه مع الثاني. وسألني عن رأيي:

  • هل انتشار هذه الوقائع والصور التي يتعاطف فيها اليهود مع المسلمين شيء إيجابي يجب أن نفرح به أم شيء مذموم يجب ألا نروج له؟

  • أليس قد يكون اليهود يستغلون الفرصة من أجل الترويج لأنفسهم على أنهم دعاة إنسانية وسلام؟

  • ألا تصب الموافقة على هذه المظاهر الإنسانية وتأييدها في إطار أجندة سياسية من حيث كونها مقدمة للتصالح مع اسرائيل؟

 

وقد ارتأيت أن أجيب عن هذه الأسئلة في هذا المقال لأنه يمكن من خلالها تشريح المسألة وتناول الموضوع من كل جوانبه

بالنسبة للسؤال الأول، لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن نقف معارضين لظاهرةٍ حضارية تذوب فيها الفروقات الدينية والطائفية والقومية والعرقية والسياسية في بوتقة الإنسانية النقية والصرفة لمجرد الخوف من استغلال ذلك لأية أجندة سياسية كانت. بل إنه يجب عدم الاكتفاء فقط بالموافقة على هكذا صورة أو هكذا مشهد، إنما أن نعمل نحن من جانبنا أيضاً لنخلق هكذا مشاهد حضارية ونصنع المزيد منها بمبادرةٍ منا. ويبدأ ذلك من بناء منظومة فكرية جديدة تُقدِّس الإنسانية وتُقزِّم الانتماءات القومية والمذهبية الضيقة وتلغي التطرُّف وإقصاء الآخر من قاموسها نهائياً.

أما بالنسبة للسؤال الثاني حول إمكانية استغلال اليهود لهذه المظاهر للترويج لأنفسهم، فالواقع يقول أن اليهود بالفعل بارعون للغاية في التسويق لأنفسهم وقضاياهم. فقد كان اليهود في يومٍ ليس ببعيد قبل الحرب العالمية الثانية في موقعٍ شبيه بموقع المسلمين اليوم في أعين الآخرين –مع وجود اختلاف في الكثير من الظروف طبعاً-، فقد كانوا غير قادرين على الاندماج في المجتمعات التي يعيشون ضمنها وكانوا منبوذين إلى حدٍّ كبير بحيث التصقت بهم الكثير من الخصال الذميمة، ومن ثم عانوا من الاضطهاد ووصل الأمر إلى ذروته من خلال المذابح النازية.

رغم ذلك تمكَّن اليهود من تصيير جميع هذه الظروف الصعبة لمصلحتهم، من خلال فهمهم للواقع الذي يعيشه العالم من حولهم ودراستهم لتوجهات السياسة العالمية. ليتمكنوا بدهاء من شرعنة وتنفيذ حلمهم القديم بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.

فإذا كان اليهود يسوقون لأنفسهم اليوم كرسل سلام. وإذا كانت المظاهر الإنسانية التي نراها من قبل عامة اليهود هي مجرد أسلوب تسويقي، فهو تسويقٌ محمود، لأنه يساهم في تمكين حضور الثقافة الإنسانية على أرض الواقع بغض النظر عن النوايا المخبَّأة في الصدور والتي لا يعرفها سوى الله.

وعلينا بدورنا عوضاً عن الانشغال بتحليل النوايا هنا أن نتعلَّم منهم أو نتعلَّم على الأقل من تجاربنا ومن دروس التاريخ، ونسلك الطريق ذاته في تقديم أنفسنا وأوطاننا وديننا بطريقة حضارية، وتغيير نظرة العالم لنا، والاستفادة من مظلوميتنا وفق الظروف المحيطة وتوجهات السياسة العالمية لنصل من خلالها إلى إصلاح شؤوننا وتحقيق أهدافنا.

 

أما بالنسبة للسؤال الثالث، ومدى تأثير هذه المظاهر الإنسانية والاجتماعية في خدمة الأجندة الصهيونية يجب أن نحدد قبل كل شيء طبيعة مشكلتنا مع اسرائيل لكي نتمكن من تنظيم تفكيرنا ووضع الأمور في سياقها الصحيح:

أولاً: تكمن مشكلتنا مع اسرائيل بالدرجة الأولى في كونها قوةً احتلالية تحتل جزءاً من أرضنا ولديها مشروع توسعي لا يخفيه أحد على حساب منطقتنا بأكملها. كما تكمن مشكلتنا معها في ممارسات القتل والإجرام والتشريد والتهجير التي مورست على أهلنا في فلسطين. لكن لا علاقة هنا بالنسبة لنا بين هذا السلوك الاحتلالي الإجرامي وبين الدين اليهودي الذي تم استغلاله كحامل عقائدي لهذا السلوك.
أقولها دائماً بأنني مقتنع كما أن الثورة السورية قد قتلتها أسلمتها، فالقضية الفلسطينية وقضية الصراع مع اسرائيل عموماً أيضاً قتلتها أسلمتها. فصورة أي طفل فلسطيني شهيد أو يتيم أو مُشرَّد من بيته تعبِّر بالشكل الصحيح عن القضية أكثر بمراحل مما تعبر عنها رمزية المسجد الأقصى مثلاً.
فالرأي العام لشعوب العالم لا يهمه الخوض في مسألة الأحقية التاريخية بـ "الأرض المقدسة"، وليس عنده من داعٍ لترجيح كفة المسجد الأقصى على حساب كفة هيكل سليمان أو العكس. بل إنَّ مجرَّد إبعاد الأنظار عن جوهر القضية من حيث كونها قضية صاحب أرض وصاحب مظلومية أمام محتل ظالم، وتسليط الضوء على الطبيعة الدينية للصراع هو كفيل بقتل القضية في الرأي العام العالمي. بل وسوف يتعاطف العالم المتحضر مع اليهود أكثر ويزداد تعاطفاً معهم يوماً بعد يوم مع تنامي حالة رهاب الإسلام "الإسلاموفوبيا" مقابل براعة اليهود في تسويق أنفسهم.

أما ثانياً: فمشكلتنا ليست مع الديانة اليهودية نفسها، إنَّما مع "اليهودية السياسية". أي مع "الفكرة الصهيونية"، التي أضفت على السلوك الإجرامي الاحتلالي طابعاً عنصرياً مقيتاً أيضاً. وإنَّه من المصلحة القصوى لاسرائيل تعميم نموذج "الدين السياسي" في المنطقة من حولها لأنها لو حوصرت بمحيط علماني لتجرَّدَت من جميع أسباب وذرائع وجودها. لذلك أقول دائماً بأن حركات الإسلام السياسي السني أو الشيعي على السواء هي في صراع حدود مع اسرائيل لكنها شريكتها في التحدي الوجودي.

 

ما أريد قوله هو أننا لكي نتمكن من بناء منظومة مقاومة حقيقية، يجب أن نبني "ثقافة مقاومة" جديدة على أساس الأسس السابقة وتوصيفنا لجوهر المشكلة وضمن المعطيات الراهنة وقراءتنا للمستقبل. وبعيداً عن ثقافة المقاومة السابقة التي رسَّختها الأنظمة العربية ضمن أطر دينية أو قومجية لم تؤدي بعد تجربة العقود الماضية إلا إلى بقاء الأمور على حالها مع تقوية اسرائيل وانتكاس العرب والمسلمين سياسياً وحضارياً وثقافياً وتنموياً وصولاً إلى الانهيار العسكري والاقتصادي الذي نعيشه اليوم.

ثقافة المقاومة الجديدة التي يجب أن نعتنقها في المستقبل هي ثقافة حُرَّة من الايديولوجيات الضيقة. ترتكز على مناهضة الظلم والقمع والاحتلال والاستعباد والاستغلال والإجرام على أساس ثقافة إنسانية عالمية، وعقول سياسية ذكية تجيد لعبة السياسة وصناعة الأوراق الرابحة واستغلالها ضمن المعطيات المتجددة في النظام العالمي الجديد الذي نحن ذاهبون إليه.

ثقافة المقاومة الجديدة يجب أن ترفض فكرة الصهيونية بنفس قدر رفضها للإسلام الكهنوتي السياسي أيضاً وكذلك المنظومات الديكتاتورية الأمنية والعسكرتارية وبعيداً عن أساليب المقاومة التقليدية التي أقصى ما يمكن أن تفعله هو توجيه ضربات موجعة للعدو دون القدرة على حل المشكلة جذرياً. فالكيان الصهيوني لا يمكن القضاء عليه إلا بتذويبه في بيئة متقدمة علمياً وحضارياً وثقافياً وإنسانياً وتنموياً تحكم المنطقة بأكملها.

 

عندما نفهم الواقع بهذا الشكل، ندرك أن معانقة الطفل المسلم لأخيه اليهودي هي خطوة كبيرة على الاتجاه الصحيح، شريطة أن ننتزع زمام المبادرة في تكريس هذه الثقافة الإنسانية ونشارك أنفسنا في صناعة هذا المظهر الحضاري ولا نكتفي بدور المتفرج رفضاً أو قبولاً.
فعندما نصنع الإنسانية ونقتل العنصرية تكون بوصلة المقاومة سليمة وتتهاوى مع الزمن جميع الكيانات السياسية القائمة على أساسات عنصرية لا إنسانية. حتى لو بدا لنا للوهلة الأولى عكس ذلك.....
فالمقاومة ليست في الشعارات.... ولا في العبثية.... ولا في ردود الأفعال المتطرفة أو الصبيانية... ولا في زراعة الحقد والكراهية
بل هي تبدأ عند الأنفس الحرة المنفتحة على الإنسانية وعلى هذا العالم الواسع...
والعقول البارعة القادرة على ترجمة ذلك إلى انتصارات سياسية

علِّق