No votes yet
عدد القراءات: 4456

في اسطنبول، مكتبة للشباب السوري بنكهة وطنهم الأم

الكاتب الأصلي: 
Kareem Shaheen
تاريخ النشر: 
26 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

يوفر مؤسس أولى المكتبات العربية في مدينة اسطنبول التركية الفرصة للأطفال السوريين ليتسنى لهم القراءة بلغتهم الأم والهروب من العزلة التي تفرضها حياة اللجوء في هذا البلد.

في زاوية على الجانب الآخر من متحف قاري في اسطنبول، يقع ملاذ وهو عبارة عن مكتبة ومقهى للشباب السوريين الذين يرغبون بالقيام بأمر بسيط وهو القراءة. تجسد ُ مكتبة "صفحات" سعي أحد الرجال الطموحين لتغيير حياة الشباب السوري في تركيا.
قال مؤسس هذه المكتبة سامر القادري والذي يبلغ من العمر 42 عاماً: "سعادتي تكاد لا توصف بلقائي هذا الجيل من الشباب بين سن الثامنة عشرة والخامسة والعشرين عاماً، لقد فاجأني هؤلاء الشباب بتفهّمهم وانفتاحهم وأسلوب حوارهم".
يعيش في تركيا 3 ملايين لاجئ غالبيتهم الساحقة من السوريين، ويأمل القادري من خلال مكتبته خلق مساحة للشباب السوري المحب للاطلاع على العالم والباحث عن مخرج من عزلة حياة اللجوء، بالإضافة إلى لحظة من الزمن تشعرهم وكأنهم عادوا إلى وطنهم.
تملأ إيقاعات المغنية اللبنانية فيروز أجواء وباطن الكتب الدافئة والمصفوفة فوق رفوف بناها القادري بكلتا يديه، وهو عمل من الحب لدرجة أن القادري لم يمنح نفسه أي عطلة لمدة عام تقريباً.
وباستطاعة الأطفال الصغار المجيء إلى هذا المكان والاستمتاع بقراءة كل الكتب المتاحة مجاناً، أو استعارة الكم الذي يرغبون به مقابل أقل من 20 ليرة تركية أي ما يعادل 4,8 جنيه إسترليني شهرياً. يشرب السوريون من الرجال والنساء القهوة بينما يدرسون ويكتبون ويقرؤون تحت أشعة الشمس المتدفقة عبر نوافذ المكتبة، وفي المساء يحضرون الحفلات الموسيقية والسينما الليلية بالإضافة إلى ورشات العمل والمعارض.

وتحدث القادري واصفاً هذه المكتبة على الشكل التالي: "إنها المكان الذي نستطيع فيه التحدث مع بعضنا كسوريين، كما أسلفت لنتبادل الحوار ونتقبل بعضنا البعض ونغير من عقليتنا التي كانت منغلقة على سوريا فقط ولم تنفتح على العالم الخارجي".
ويرى القادري أن ليس بعد الضيق إلا الفرَج لكل مآسي الحرب السورية التي خلفت أكثر من 400 ألف قتيل خلال خمس سنوات من الصراع، ناهيك عن تشريد نصف سكان البلاد إما داخلياً أو خارجياً.
وأضاف الرجل: "رغم كل المأساة في سوريا إلا أن هناك جانباً واحداً أعتقد أنه إيجابي لمستقبل البلاد، ويسمح للسوريين بالخروج من القوقعة التي كانوا يعيشون فيها. لقد تغير الكثير  من الأشياء فضلاً عن أن الشباب والشابات قد غيروا طريقة تفكيرهم، وهذا الجيل الجديد والذي دُمِرَ بعضه وتَغَيَر البعض الآخر أو أنه يترعرع بطريقة مختلفة، لهو جيل أكثر انفتاحاً على العالم. لقد تعلم السوريون الكثير والكثير عن العالم".

لم يكن القادري المنحدر من مدينة حماة، قد جاوز سن الثامنة عندما اجتاحت قوات الرئيس حافظ الأسد -والد الرئيس الحالي- المدينة وسوتها بالأرض خلال أقل من شهر بقسوة لا مثيل لها كعقاب جماعي لأهلها على ثورة محدودة.
استحضر القادري في ذهنه أحد المشاهد من تلك الواقعة، حيث اقتادت القوات الحكومية عدداً من الرجال في أحد أحياء المدينة وأمرتهم بالاصطفاف أمام أحد الجدران، كان الجنود يقتلون أحد الرجال ويتركون الآخر حياً وهكذا. كما تذكر مشهد نزوح عائلته من المدينة التي غصت شوارعها بالجثث.
بعد انتقاله للعيش في مدينة دمشق.

تَخَرَجَ القادري وحصل على شهادة بالفنون الجميلة حيث أصبح مصمم جرافيك، وأنشأ وكالة إعلانات ودار نشر مخصصة بكتب الأطفال وتحمل اسم "الأنامل البَراقة".
ولدى اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، تحدث القادري وهو في الخارج -ولم ينخرط في المظاهرات الاحتجاجية- عن كفاح الشعب السوري والقمع الذي يتعرض له على أيدي نظام الأسد.
وبينما كان في رحلة إلى "أبو  ظبي" عام 2012، عَلِمَ القادري أن قوات الأمن السورية داهمت دار النشر الخاصة به ووجهت له تهمة دعم النشاطات الإرهابية، وهي تهمة شائعة ضد كل من يعارض الحكومة، بعد ذلك، انتقل إلى عَمان غير أنه أحب مدينة اسطنبول التركية جداً خلال زيارة قصيرة لها.
وخلال زيارة طاقم صحيفتنا له، قاطعت القادري، مجموعة من الأطفال الصغار والذين كانوا يقومون بجولة في المكتبة، فتحدث إليهم قائلا:" لقد أنشأنا هذا المكان من أجلكم وتستطيعون زيارته دائماً".

و رَدّ أحد الأطفال قائلا: "شعرت وكأني في سوريا خصوصاً مع كل هذه الكتب العربية التي يمكنك قراءتها كلها مجاناً"، بينما طلب أحد المراهقين من  القادري جمع كتب حول علم الفلك لأنه يحب الفضاء، وطلب آخر السيرة الذاتية لخالد بن الوليد، أحد المحاربين المسلمين الأسطوريين والذي قاد الفتوحات الإسلامية السابقة في آسيا.
وقال جهاد بكر الذي يُدَرِّس الأطفال السوريين اللغة التركية في إحدى المدارس المحلية والمشرف على زيارتهم للمكتبة: "إن الغرض من هذه الزيارة هو منح الأطفال الفرصة للقراءة وطبع أهمية المكتبات في أذهانهم، فهُم بحاجة لمعرفة جانب مختلف من المجتمع، ذلك أن يروا مجتمعهم السوري من منظور مختلف فليس في سوريا الحرب فقط وما يعرفه أهالي الأطفال بل لدينا فننا وثقافتنا".
إنه موضوع مشترك بالنسبة للقادري الذي يرى أملاً ضئيلاً في تغيير عقلية جيله، بيد أنه يعتقد أن هناك إمكانية لغرس حب التعلم والفضول في نفوس الزبائن الصغار الذين يزورون "صفحات" حيث يعمل 11 ساعة في اليوم على مدار الأسبوع.
وهو يرى أيضاً أن هذا الموضوع هو وسيلة لإخراج السوريين اللاجئين في اسطنبول من عزلة حياة اللجوء، بالإضافة إلى تعريف الأتراك بوجهة نظر مختلفة حول السوريين، ـ يزور المكتبة العديد من الأتراك والأكراد أيضاً إذ تحوي كتباً تركية وإنكليزيةـ فضلاً عن الإظهار لوسائل الإعلام الدولية أنه لا ينبغي تَعريفُ السوريين بأنهم ضحايا لأعمال العنف، أو مرتكبوها.

وأضاف: "لقد ضقت ذرعاً بوجهة النظر القائلة إن كل السوريين هم داعش -وهي لفظة عربية للإشارة إلى تنظيم الدولة- أو قَتَلة أو إنهم يموتون جوعاً فحسب، صحيح أن هناك الكثير من الضحايا والناس الذين يموتون جوعاً وفقدوا كل ما يملكون، ولكن هناك أيضاً جانباً لا يريد الناس أن يرونه، ونريد أن يكتب الناس عن شيء مختلف".
ومن بين أشهر الكتب في "صفحات"، ترجمة لرواية قواعد العشق الأربعون للكاتبة إيليف شفق، والتي تروي قصة الشاعر الفارسي الأسطوري جلال الدين الرومي، وتحوي المكتبة أيضاً مذكرات القوقعة التي يعرض فيها الكاتب السوري مصطفى خليفة، تفاصيل مدة اعتقاله وتعذيبه في سجن تدمر سيء السمعة.
كما تضم المكتبة أعمالاً مترجمة للكاتب "جورج أورويل" وخصوصاً مزرعة الحيوانات والعوالم الخيالية البائسة الصادرة عام 1984 والتي تحمل تشبيهاً مدهشاً لدولة الأسد الأمنية.

وقال القادري: "في النهاية، إن ما نشهده في سوريا اليوم هو مأساة كبيرة لا يمكنك أن تهرب منها تماماً، ولا يمكن أن تكتب عن الحب من دون ربطه بالكارثة السورية فهي حياتك اليومية وتَشغَلُ كل لحظة منها".
ويأمل القادري أن يفتتح فرعاً لمكتبته في مدينة برلين الألمانية بهدف تقديم الخدمات للاجئين السوريين هناك، واليوم، يُؤسس دار نشر جديدة ستكون مخصصة لطباعة الروايات التي يكتبها الكُتاب الشباب من السوريين والعرب ليُصار إلى بيعها في الشرق الأوسط، كما أنه يعمل مع دور نشر تركية من أجل ترجمة هذه الروايات إلى اللغة التركية. والحقيقة أن هذه المغامرات ليست بهدف تحقيق مكاسب مالية.
ولكن على الرغم من كونه عملاً شاقاً، إلا أن أكثر ما يهم القادري هو الجهد المبذول لصياغة جيل جديد. واختتم قائلا: "لسنا قادرين على التغيير ولكن باستطاعتنا مساعدة الجيل القادم ليتغيّر نحو الأفضل، ورسالتي للعالم هي لا تحكموا على السوريين بأنهم زمرة واحدة، لا تريدون منا أن نحكم على مجتمع كامل بأنه واحد، انظروا حولكم وراقبوا جيداً، وتَوَصلوا لمعرفة الحقيقة بأنفسكم".

-------------------------
تعريف بالكاتب:
كريم شاهين: هو صحفي متخصص بقضايا الشرق الأوسط ومقيم في بيروت ويعمل لحساب جريدة الغارديان البريطانية

 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 725778

مقالات المترجم