No votes yet
عدد القراءات: 1581

فريدريك هوف المستشار السابق للرئيس الأمريكي يكتب : أوباما قدم "سوريا" بأرخص الأثمان لبوتن

الكاتب الأصلي: 
Frederic C. Hof
تاريخ النشر: 
28 كانون اﻷول (ديسمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

العنوان الأصلي: "سوريا" بأرخص الأثمان

بقلم: * فريدريك هوف

 

 

إن فشل الولايات المتحدة على مدى خمسة أعوام وأكثر في حماية سوري واحد من حملة الإبادة الجماعية الشعواء التي شنتها الحكومة السورية المارقة، سيساعد في تحديد آثار وقيم إدارة أوباما ذلك أن المؤرخين ما زالوا يصفون سوريا بالقبح البشري. ذلك الفشل الذي سهّل، على المستوى الصناعي، إزهاق الأرواح والتمثيل بالجثث وترويع الأطفال وتهجير العاجزين. إنه فشل قوّض مصداقية الولايات المتحدة وزاد من جرأة الخصم الروسي، في سوريا وما بعدها. إنه فشل ساعد في تهديد الوحدة الأوروبية والشراكة عبر الأطلسي. إنه فشل، في حال ظل الرئيس المنتخَب ترامب وفياً لمشاعره تجاه الحملة الموالية للروس والمؤيدة للأسد، سيؤمن تغيراً سهلاً من سياسة أوباما الخارجية إلى سياسة ترامب الخارجية. أما تفسير وتبرير الرئيس أوباما لذلك الفشل، فليس إلا دليلاً على وجوده.

وفي مؤتمر صحفي يوم 16 ديسمبر/ كانون الأول، سُئِل الرئيس عن سوريا، فأجاب بشيء من التفصيل؛ إذ قال أن "أياماً وأسابيع من الاجتماعات" عُقِدَت "وخضنا خلالها في كل خيار بتفاصيل مؤلمة..". ووفقاً للرئيس، كل ما توصلنا إليه، أنه لم يكن بوسعنا القيام بشيء ذي فائدة "باستثناء إرسال أعداد كبيرة من القوات الأمريكية البرية". ونظراً للالتزام الروسي والإيراني لإبقاء الأسد في السلطة، لم يكن باستطاعتنا تحقيق أي شيء على الإطلاق "ما لم نكن جميعاً مستعدين للسيطرة على سوريا..". وفي النهاية "كان تحقيق ذلك ليكون مستحيلاً بثمن بخس".

ما الذي سنحققه "بثمن بخس"؟.

لقد تجنب القائد العام للقوات المسلحة، على نحو ملفت، تحديد ذلك الهدف بوضوح. وقد بدا من خلال الإشارة في تصريحه إلى القوات الأمريكية التي ما تزال تخدم في أفغانستان والعراق، وتلميحه للاستيلاء على سوريا، بدا وكأنه يلمح إلى تلك الغاية، التي قورنت بها الخيارات الاستراتيجية من الناحية الافتراضية، وكانت تلك الغاية هي الإطاحة بنظام الأسد عن طريق العنف. وفي حال كان ذلك هو الهدف المُحال إلى هيئة الأركان المشتركة، عندها ليكن ذلك. لكن الأمر سيتطلب قوات برية أمريكية ضخمة لغزو سوريا، وهزيمة مجموعة من الأعداء، واحتلال البلاد وتطبيق خطة للاستقرار. ومن الواضح، إن كان هذا ما طُلب من هيئة الأركان التخطيط ضده، عندها سيكون قرار "لن نجد طريقة لفعل هذا" من القائد العام للقوات المسلحة قراراً مناسباً ولا مفر منه.

ومع ذلك؛ بينما يتفكر الرئيس أوباما فيما ينبغي فعله حيال قرصنة الروس للحواسيب والمزاعم في تجسس الكرملين على عملية الانتخابات الأمريكية، هل يطالب الرئيس الهيئة المشتركة بالتخطيط على أساس شن حرب نووية.؟ لن يفعل ذلك إلا في حال كان راغباً في تفادي اتخاذ إجراءات كلية على أساس الاقتراح السخيف بالقيام بكل شيء أو لا شيء.

وعلى الرغم من ذلك، فقد أشارت مزاعم الرئيس الروسي إلى أن الإطاحة بنظام الأسد عن طريق العنف لم تكن يوماً غاية إدارة أوباما. فلقد ظن الرئيس أن باستطاعته تغيير النظام بأرخص الأثمان عن طريق دعوة الأسد للتنحي في شهر أغسطس/ آب عام 2011. وحاول ذلك مجدداً عام 2015-2016 عندما أرسل وزير الخارجية جون كيري، خالي الوفاض، إلى الروس ليقترح انصياع الأسد لبيان مؤتمر جنيف الختامي عام 2012 وحزم أمتعته. إلا أن تغيير النظام بالقوة من خلال اتخاذ التدابير العسكرية لم يحظَ يوماً بالدراسة من قبل إدارة أوباما.

وكان أهم ما أوصى به كبار أعضاء إدارة أوباما الرئيس هو اتخاذه لتدابير عسكرية متواضعة لعرقلة سير التذكرة المجانية التي يتمتع بها نظام الأسد وروسيا وإيران في قتل المدنيين. وبالتأكيد، سيعمل تدمير مروحيات النظام السوري أو إسقاطها من الأعلى على تصعيب إيصال البراميل المتفجرة، على الجانب الآخر، لإلقائها على الأحياء السكنية. ومن المؤكد كذلك أن الطيارين الروس الذين يستخدمون الأسلحة الفعالة المضادة للطيران سيجدون أن استهداف المستشفيات سيكون أكثر صعوبة من اصطياد سمكة في الحوض نوعاً ما. كان من الممكن إنقاذ الأرواح، وكان من الممكن لوقف تذكرة القتل الجماعي المجانية أن يمنح جون كيري شيئاً ما يستخدمه عند تعامله مع نظيره الروسي دبلوماسياً.

 

هل كانت الإجراءات المزمع اتخاذها لعرقلة مذبحة المدنيين المتعمدة وتخفيفها، بل وحتى وضع حد لها سيؤدي إلى غزو سوريا واحتلالها؟

إن استمعت لبعض موظفي البيت الأبيض، لأدركت أن الأمور قد تكون أسوأ؛ صراع عالمي. "هل تعتقد أنه ينبغي لنا أن نقوم بحرب عالمية ثالثة في سوريا؟" عبارة كثيراً ما رددها زوار البيت الأبيض المرتابون.

وفي الواقع، قام بعض موظفي البيت الأبيض بتوجيه الرئيس بصورة جيدة، وذلك من خلال وضع سيناريو معقد مؤلف من 6 أو 8 خطوات تصعيدية. يطرح ذلك السيناريو السؤال التالي "متى ستكون النهاية؟" ويطالب بدليل على أن أي خطوة مقترحة ستؤدي حرفياً إلى الغاية المنشودة، كما أن احتمال فعل أي شيء، أي شيء على الإطلاق، أو إرباك المهاجم لن يُؤخَذ بعين الاعتبار. وعندما يصبح وضع مدفع رشاش من عيار 50 في مروحية مركونة للنظام، من خلال تحريف طريقة سقراط، عندما يصبح ذلك الرصاصة الأولى للحرب العالمية الثالثة، لن تصبح حياة السوريين مستَهلَكة وحسب، بل لن تساوي عندها، حرفياً، ثمن رصاصة.

إن عدم اكتفاء الرئيس باحتواء الخطر واحتكاره، وبالتالي إضافة الأوكتان إلى جولة القتل الجماعي المجانية، فإنه بذلك ينزلق إلى جملة "إلقاء اللوم على المعارضة" الاعتيادية، والتي أظهر، ومساعديه، بفضلها رغبتهم وخبرتهم على مر السنين. ويشير إلى "المعارضة على الأرض" بافتقارها إلى التماسك "لحكم البلاد عند الضرورة".

أما نظام الأسد وحكومته الآسرة _ والتي ما تزال تعترف بها واشنطن على أنها الحكومة الشرعية في سوريا _ تتمتع بكل تأكيد بالتماسك المطلوب لارتكاب أي نوع من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تراها ضرورية "لحكم البلاد". كما يوجد في البيت الأبيض أولئك _ وربما يكون الرئيس من بينهم _ ممن يصرون على الاعتقاد بأن سقوط القاتل الجماعي الأول في القرن الحادي والعشرين سيؤدي إلى "زعزعة الاستقرار".

 

ولكن مجدداً، وفي قلب بيان الرئيس أوباما المليء بالأعذار هناك استنباط خلفي: وهو أن السياسة الأمريكية لا تهدف إلى الإطاحة بالنظام بالقوة، كما لا تسعى إلى تسليم زمام الأمور في سوريا لمجموعة من الشخصيات المعارضة. وبدلاً من ذلك، تسعى السياسة الأمريكية إلى التوصل إلى تسوية سياسية عن طريق التفاوض بموجب أحكام البيان الختامي لمؤتمر جنيف عام 2012؛ وهو هدف سياسي نُسِف على نحو شامل من خلال التفاوت الكبير بين القول والفعل والرفض المستمر لمحاولة وقف عمليات القتل الجماعي.

وتقول وجهة النظر هنا أن الرئيس أوباما يخشى أن تؤدي أية محاولة تحريض أمريكية لحماية المدنيين في سوريا إلى نفور إيران، ما يتسبب في تخليها عن الاتفاق النووي الذي تم توقيعه في شهر يوليو/ تموز من عام 2015. وفي الحقيقة، عبّر الإيرانيون نتيجة اثنين من الأحداث عن صدمة عميقة وفرحة جامحة نظراً للتقاعس الأمريكي في سوريا؛ ذلك أنهم توقعوا كلياً بأن يوفق الرئيس الأمريكي بين وعوده وأفعاله في كلامه عن "التنحي" و"الخطوط الحمراء" حتى أثناء التفاوض بشأن الاتفاقية وتطبيقها.

وعلى قدر أهمية الاتفاق النووي، كان ثمن التخلي عن المدنيين في سوريا وتركهم تحت رحمة النظام وروسيا وإيران باهظاً، ولم يكن ذلك بحق الضحايا المباشرين وحسب. ذلك أن الدول المجاورة لسوريا والدول الأوروبية الغربية ستشهد تأثير ذلك الثمن. أما السياسيون المعتدلون في الغرب الذين يحاولون النجاة من الموجة البوتينية يمكن أن يشهدوا على ذلك أيضاً. وكل ذلك مقابل لا شيء؛ فقد اعتبرت إيران أن الدفع الخلفي الأمريكي في سوريا كان أمراً مفروغاً منه وليس من المحتمل لها أن تتخلى عن الاتفاقية التي تدر عليها أرباحاً طائلة.

 

أما روسيا فقد استخدمت سوريا لمساعدة واشنطن والغرب لتمزيق مصداقيتهم وتشتيت وحدتهم، كما قد قامت بذلك بأرخص الطرق. بالإضافة إلى ذلك، فإن دفاع الرئيس أوباما عن اعتماده، الذي لا يمكن الدفاع عنه، على الاستشهاد بالتكلفة الباهظة لتحقيق الهدف غير الموجود، هو جزء لا يتجزأ من العالم غير الواقعي الذي يدعي إدانته. كما لن يكون لديه أي أساس للتذمر في حال إضفاء إدارة ترامب الطابع الرسمي على الفوائد الواقعية التي كان قد حققها بالفعل من خلال إلقاء الخطابات الجوفاء حول معاناة الإنسان وإعلانه عن تفاهم واضح وجلي مع روسيا ونظام الأسد.

 

 

*شغل فريدريك هوف منصب المستشار الخاص للرئيس أوباما لشؤون سورية في العام 2012، كما عمل منسقاً  خاصاً للشؤون الإقليمية في وزارة الخارجية الأمريكية- مكتب الدولة المبعوث الخاص للسلام في الشرق الأوسط

 
 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2548249

مقالات المترجم