No votes yet
عدد القراءات: 6996

رئيسة وزراء بريطانيا تبحث عن أصدقاء جدد من بين زعماء العالم

الكاتب الأصلي: 
Simon Tisdall
تاريخ النشر: 
31 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

أظهر اللقاء الذي جمع رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي بالرئيس التركي في أنقرة يوم السبت، كيف أن المملكة المتحدة تعيد ترتيب سُلَم أولوياتها الدولية بعد التصويت الأخير لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

 

فقد أعلن مكتب رئيسة الوزراء البريطانية أنها ستناقش عدداً من القضايا مثل التجارة والدفاع والأمن، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال الزيارة التي تنوي القيام بها إلى أنقرة يوم السبت.

غير أن هذا اللقاء والذي يأتي بُعَيدَ قمة جمعت ماي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يُخفي أجنداتٍ بريطانيةٍ أكثر طُموحاً أو ربما حتى أكثر يأساً، حيث تأتي دعوة ماي لتعزيز علاقات بلادها مع مجموعة من كبار زعماء  العالم في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وبولندا، تزامناً مع تآكل علاقات لندن مع دول أوروبية رئيسية لا سيما فرنسا وألمانيا.

وتقدم حقيقة مجرد اجتماع ماي بأردوغان، نظرة ثاقبة حول كيف أن التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتصار ترامب الشعبوي، إنما هو بداية لتحولات على مستوى الأثاث وإعادة ترتيب التحالفات الجيوسياسية الإستراتيجية الراسخة. والحقيقة أن المصالح التركية والبريطانية هي متوافقة على مختلف الصُعُد، وبدوره يأتي هذا التطور تزامناً مع وجهات النظر المختلفة التي تحملها إدارة الرئيس الأمريكي الجديد حيال القضايا الرائدة مثل سوريا وفلسطين وروسيا.

 

وتتشاطر الدولتان علاقات تشوبها المشاكل مع أوروبا، ولطالما سعت تركيا وراء انتزاع ورقة العضوية في الاتحاد الأوروبي لعقود، غير أنه كان مصير سعيها الإخفاق.

حاله حال رئيسة الوزراء البريطانية والكثير من الناخبين البريطانيين، يقول أردوغان إن بلاده ستكون بحال أفضل من دون الانضمام إلى الاتحاد. لقد أثارت انتقادات الغرب لانتهاكات حقوق الإنسان والهجمات على حرية الإعلام  التي قامت بها السلطات التركية في أعقاب الانقلاب العسكري الفاشل في تموز الماضي، غَضَبَ الرئيس التركي، حيث يقول إنه مُنقِذ الديمقراطية التركية وليس عدوها. وسيكون من شأن هذه الزيارة أن تحد من وتيرة هذه المخاوف الباعثة على القلق، وتمنح أردوغان المزيد والمزيد من الاحترام، الشيء الذي هو بأمس الحاجة إليه.

إن الزيارة المقتضبة لماي إلى أنقرة، تخدم أغراضاً أخرى، حيث سترى فيها بروكسل تحركاً جانبياً، وإشارة للتذكير عشية إطلاق مشروع المادة 50، أن بريطانيا لديها خياراتها خارج حدود القارة. ونظراً لموقف "نصف" الاتحاد الأوروبي الغربي الذي تقوده فرنسا والمفوضية الأوروبية بزعامة جان كلود بونكر المعادي لبلادها، فإن رئيسة الوزراء البريطانية قد أضحت في موقف لا تحسد عليه وهي بأمس الحاجة إلى الأصدقاء. ونظراً لعضوية تركيا في حلف الناتو وموقفها المعادي لتنظيم الدولة الإسلامية، ناهيك عن الاقتصاد المتعطش للتجارة، يمكن أن يكون أردوغان صديقاً لبريطانيا إذا ما كان الثمن مناسباً.

وإن الثمن الذي يطلبه أردوغان في جزء منه هو علاقات أفضل مع الولايات المتحدة خلاف تلك التي كان يشوبها التوتر خلال إدارة الرئيس أوباما. ولدى أردوغان و ترامب الكثير من القواسم المشتركة من حيث أساليب القيادة. يريد أردوغان موقفاً جيداً وكلمة طيبة من ماي ولا شك أنه سوف يرهقها استجواباً للحصول على نصائح حيال سياسات ترامب المرجحة لا سيما في سوريا.

 

لقد اختلف ترامب مع سلفهِ أوباما مسبقاً عبر دعمه للخطة التركية المقترحة منذ زمن والهادفة لإقامة مناطق آمنة في سوريا. وحاله حال بريطانيا، مثلما يتضح من خلال تصريحات وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون يوم الخميس الماضي، فقد قرر أردوغان تجميد جهوده الآن على الأقل لإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد. ولم يكن جونسون ليغير موقف بلاده من دون كونه متأكداً أن إدارة ترامب هي من يقف خلف هذا التحول. يمكن لأردوغان أن يتعايش مع هذا التغيير،ورغم أنه يكره الأسد إلا أن هدفه الرئيسي هو وضع حد لدعم الولايات المتحدة لأكراد سوريا.

ويبدو أن موقفاً مشتركاً بين تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا، حول سوريا ومستقبل الأسد، في طريقه ليبصر النور قريباًـ غير أن أرضيته المشتركة تمتد لأبعد من ذلك. تتفق هذه الدول على ضرورة هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية وتدرك جميعها عواقب انتصار روسيا وإيران على الثوار المناهضين للأسد. أصلح أردوغان العام الماضي علاقات بلاده بموسكو وهو اليوم يدعم عملية السلام التي تقودها روسيا، ولكن مثل ماي وكبار مستشاري ترامب، قال أردوغان إنه لا يثق بالرئيس الروسي.

هذا الأسبوع، وصف مكتب رئيسة الوزراء البريطانية، أوداونينغ ستريت ـــ تركيا بأنها شريك لا غنى عنه، حينها كان مسؤولو البلدين  يفكرون بلا شك بضرورة مشتركة لاحتواء بوتين ومنعه من التحرك، وإعادة التأكيد على أهمية حلف الناتو ناهيك عن مواصلة تعزيز التعاون الدفاعي المشترك بينهما ومبيعات الأسلحة. ويتقاسم وزير الدفاع في حكومة ترامب جيمس ماتيس أو كما يلقب بـالكلب المسعور، ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، هذه المخاوف الروسية.

 

وتنطبق مخاوف مشتركة و مشابهة لهذه، على إيران الدولة الشيعية التوسعية والجارة لتركيا السُنية. يشعر أردوغان بالاستياء من قوة إيران المتنامية في العراق وسوريا والخليج العربي، حيث تشاطره بريطانيا هذا الاستياء. لقد أشارت رئيسة الوزراء البريطانية على وجه الخصوص في كلمتها التي ألقتها في ولاية فيلادلفيا الأمريكية يوم الخميس، إلى تأثير إيران الخبيث في المنطقة. يعادي ترامب سياسات طهران بشكل علني وكذلك هو رئيس الوزراء الإسرائيلي المتشدد بنيامين نتنياهو والذي سيلتقي ترامب خلال الأسابيع القليلة القادمة مثلما سيفعل أردوغان.

ومنذ تولي منصبها، تبنت تيريزا ماي موقفاً قوياً داعماً ومؤيداً لإسرائيل، يتماشى هذا مع طريقة تفكير ترامب، موقفٌ لم يُبدِ أي اعتراض هذا الأسبوع على إعلان التوسع وبناء المزيد من المستوطنات غير الشرعية على الأراضي المحتلة في فلسطين. من جانبه، سوَى أردوغان خلافاته مع نتنياهو والتي ترجع إلى العام 2011. واليوم، تنهمك تركيا وإسرائيل في إعادة تطبيع العلاقات بينهما لا سيما من خلال زيادة التعاون في مجال الدفاع. في هذه الأثناء، يشير إعجاب ترامب الشخصي بأحد الزعماء الأقوياء إقليمياً وهو الديكتاتور المصري عبد الفتاح السيسي، إلى توسع مستقبلي في هذا المحور المتطور بين الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا وإسرائيل.

إن إعادة بريطانيا ترتيب أولوياتها الدولية تتجاوز ترامب وتركيا وإسرائيل لتشمل إقامة علاقات إستراتيجية وتجارية أوثق مع دول الضفة الشرقية من القارة الأوروبية لا سيما بولندا التي دافعت لندن عن عضويتها في الاتحاد الأوروبي. تتضامن وارسو مع كره بريطانيا للسلوك المستبد الذي يبدر عن فرنسا وألمانيا، كما أن ماي كرمت نظيرها البولندي شهر نوفمبر الماضي رغم المخاوف من السياسات المحلية السلطوية لحكومة وارسو المحافظة والمستبدة. ويبدو أن القوة أهم من الحقوق في عالم رئيسة الوزراء البريطانية المشكوك فيه والناتج عن الخروج من الاتحاد الأوروبي.

 

   

--------------------------

لمحة عن الكاتب:

سيمون تسدال ( Simon Tisdall) :  مساعد رئيس تحرير جريدة الغارديان وكاتب أعمدة في السياسة الخارجية، وكان سابقاً  كاتباً رئيسياً في الجريدة وشغل أيضا منصب محرر الشؤون الخارجية بما فيها الولايات المتحدة ، كما كان تسدال محرر الشؤون الخارجية في جريدة الأوبزيرفر بين عامي 1996 و1998.

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 721425

مقالات المترجم