عدد القراءات: 5541

دين الفطرة... الإنسان أولاً وآخراً


بما أنَّ دين الله هو دين الفطرة... فطرة الله التي فطر الناس عليها، لأمكننا تحديد سبعة مُعاملات فطرية للتمييز بين دين الله الصَّافي والنَّقي وبين الدين الذي اخترعه الكهنة، ويمكن لأي إنسان حتى لو كان ضعيف الثقافة الدينية إسقاطها على أي طرح والحكم عليه بكونه طرحاً ربانياً أو شيطانياً وبدون الحاجة إلى اختصاصيين:


1- فطرة الحياة: وبالتالي فإنَّ أي طرح ديني يرفع قيمة الموت فوق قيمة الحياة هو طرحٌّ شيطاني، وأيُّ طرحٍ ديني يستسهل القتل ويُشرعنه هو طرحٌ كفري، وعلينا التمييز بين الطرح الذي يُعلي قيم الإيثار والتضحية لأجلِ هدفٍ نبيل، وبين الطروحات التي تدفع الناس للتسابق إلى الموت، فهذه الطروحات ليست إلَّا نتاجَ فقهٍ تم تفصيله على مقاس الحُكَّام والسَّلاطين، فيتسابق الجميعُ للموت ليحيا الملك! وتستمر ثقافة الموت في حكم واقعنا اليوم بتوجيهٍ عالمي تقوده مافيات تجار الحروب والأسلحة، ويزداد اختراق الإعلام العالمي ومؤسسات الدين بتلك المصالح يوماً بعد يوم لتنتج ثقافة دينية عنفية تقدّس الموت وتكون داعش نتيجةً طبيعية لها.


2- فطرة السلام: وهي منبثقة عن فطرة الحياة من جهة، وعن المستوى المتقدم للمحاكمة العقلية لدى الجنس الإنساني من جهةٍ أخرى، بالإضافة لكونها تتشابك مع مفهوم الأخلاق، فالإنسان المفطور على تقديس قيمة الحياة، والذي يدافع عن سلامته وبقائه على قيد الحياة بكل الوسائل والسبل الممكنة سوف يدرك في اللاشعور أنَّ اعتداءه على الآخرين سوف يعرض سلامته الشخصية للخطر، وأنَّه لو ساد العنف وساد العدوان وسادت الفوضى وساد الخطر وساد عدم الأمان لكان هو بالنتيجة متضرراً مثله مثل جميع أبناء جنسه، وقد يكون يوماً ضحيةً لهذا الواقع، لذلك اتجه الإنسان من خلال رحلته التطورية لإيجاد أُطر أخلاقية تنظم حياة البشر، وكلما تقدمت الحضارة الإنسانية اتجه الإنسان للبحث عن طرق أكثر سلميةً في حل نزاعاته. وبالتالي فإنَّ أي طرح ديني يرفع القيم العنفية فوق القيم السلمية، وأي طرح يشرعن العدوان، وأي طرح يشرعن العنف إلا في حالة الدفاع عن النفس والضرورة القصوى، هو طرحٌ شيطاني يتناقض مع فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا علاقة له بدين الله.


3- فطرة الحرية: والإنسان مفطورٌ على الحُريَّة، ومجبولٌ عليها، ولذلك كانت عقوبة السجن هي الأقسى على الإنسان وتكادُ عقوبة السجن المؤبَّد تتجاوزُ في قسوتها عقوبة الإعدام، والحُريَّةُ ليست فقط من مقاصد الدين العظمى، بل هي ركنٌ أساس من أركانِ الدّين، لأنه لو انتفت الحرية لانتفت إمكانية الاختيار، وبالتالي انتفى التكليف، فتنتفي الحاجة للدين أساساً!
وإنَّ أيَّ طرحٍ ديني يُقدِّسُ الاستبداد والاستعباد هو طرحٌ شيطاني يتناقض مع الفطرة، وأيُّ طرحٍ يُجمِّلُ الفقر والذل والخمول والخنوع هو طرحٌ شيطاني كهنوتي وُجِدَ لخدمة فرعون وهامان، وكُلُّ فقهٍ يسلب الإنسانَ حُرِّيته في الاعتقاد هو فقهٌ شاذ لا علاقة له بدين الله، وقتل المرتد مثالاً..!


4- فطرة البحث والشك والتساؤل: إنَّ كل طفل هو عبارة عن كائن متسائل ومتشكِّك وباحث إلى أن نبدأ بأدلجته وتأطير عقله في قوالبنا الجامدة. فالبحث والتساؤل والشك هي فطرة الله التي فطر عليها كل إنسان وتجلَّت أيما تجلٍّ لدى النبي إبراهيم، وإنَّ ما نراه حولنا اليوم هو أنَّ ما يسمى بالأديان الإبراهيمية وبحسب السلوكيات التي يدين بها أتباعها اليوم هي أبعد ما يكون عن تسميتها لابتعاد معظم طروحاتها الفقهية عن الفطرة السليمة، فطرة البحث والتساؤل والتشكك، وقتلها بالجهل واحتقار العقل والأجوبة المعلّبة الجاهزة والرؤية الأحادية، وكل هذا ليس من دين الله لا من قريب ولا من بعيد

5- فطرة الحنيفية: والإنسان كائن حنيف بطبعه، ومهما حمل من مبادئ وقيم ومفاهيم وأفكار فإنه يبقى في حالة تفاعل معلوماتي مستمر وتتطور بعض أفكاره وتتبدل أفكارٌ أخرى لتحل محلها أفكار جديدة، ودين الله هو دين الفطرة، على مُلَّة النبي إبراهيم "حنيفاً" كما يقول القرءان الكريم، فهو صالحٌ لكل زمانٍ ومكان فعلاً، لكن عندما نقرؤه على ضوء الأدوات المعرفية المتجددة والمستجدة لدينا، ونفهمه على محور المقاصد والعواقب، وثبات اللفظ ومرونة المعنى، وليس عندما نقيده بفهم السلف. وبالتالي فإن التفكير السلفي والآبائي والمتحجر يتناقض مع الفطرة، ومع مفهوم الحنيفية الذي أكد عليه القُرءان، وأيُّ طرحٍ يتَّسم بالجمود واجترار التاريخ وتقديس التراث، وأيُّ فقهٍ يضع حياة الأحياء تحت رحمة مفاهيم الأموات هو فقهٌ يهينُ فطرة الإنسان التي فطره الله عليها


6- فطرة الاختلاف: ورغم كون الكائن "البشري" يميلُ إلى أبناء جنسه بحكم قرابته الجينية لهم، فإن الكائن "الإنساني" الذي تجاوز المفاهيم الجينية إلى المفاهيم العقلية لحلول روح الله به تقوده فطرته للتفاعل المعرفي مع الغريب المختلف عنه، والاختلاف هو سنة الحياة، وسنة الله في خلقه، ولولا الاختلاف بين البشر في الحمض النووي DNA مثلاً لما أمكن تطوير الصفات المختلفة لدى الكائن ولانتفت إمكانية إحداث أي تطور نحو الأفضل. وعندما يستجيب العقل لنداء الفطرة نبحث عن الوحدة في الاختلاف، وعن المصالح المشتركة من بين المتناقضات، أمَّا عندما نصم آذاننا عن نداء الفطرة ينتج فقهٌ أعمى لا يجد في الاختلاف أية أرضيةٍ مشتركة مهما كانت هذه الأرضية واسعة، فيتمخَّضُ هذا الفقه عن تكريسٍ شيطاني لقيم الكره والتطرُّف والإلغائية والإقصائية، وتتفشى أمراض التخوين والتكفير والإخراج عن الدين، وكل ذلك ليس من دين الله بل يناقضه ويناقض الفطرة التي يقوم عليها


7- فطرة الوحدانية: والإنسان يدرك بفطرته السليمة وحدة النظام الكوني، وبالتالي وحدانية مصدر هذا النظام أي وحدانية "واجب الوجود" موجد هذا النظام وضابط إيقاعه، وبما أنَّ الإنسان يحمل نفحاتٍ من روح الله، وتتحقق به الروحُ على مبدأ الجزء الذي يحمل صفات الكل، وبما أنَّ الله أقربُ للإنسانِ من حبلِ الوريد، فإن الإنسان يرفض بفطرته السليمة أن يتم اختراق علاقته الخاصة بربه، بينما يتجه أصحاب الفطرة المشوهة لعبادة أصنام الحجر والشجر والبشر، وقد وصف القُرءان حالة تعدد الطوائف والمذاهب على أنها من الشرك: {ولا تكونوا من المُشرِكينَ من الَّذينَ فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً} لأن تجريد الدين من روحه الفطرية والحيوية والعالمية والكونية وتحويله إلى مفهوم تحزبي اصطفافي ضيّق هو بداية الطريق لتقديس

علِّق