No votes yet
عدد القراءات: 7368
كلمات مفتاحية: 

بحسب دراسة أكاديمية: رغم كثرة المعلومات، البشر يزدادون جهلاً، ويكونون قناعاتهم خارج المعلومات المتوافرة

الكاتب الأصلي: 
Olivia Goldhill
تاريخ النشر: 
27 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

العنوان الأصلي: يُجري البشرُ تحريراً انتقائياً للواقع قبل قبولهم به وذلك حسبَ ما تُظهِرُهُ دراسةٌ قامت بمراجعة السلوكيات الاجتماعية والاقتصادية الممتدة لعقود

 

المعرفةُ قوّةٌ كما يقول المثل. إلاَّ أنَّ مدى إصرار البشر على تجاهل المعلومات المفيدة يثيرُ الدهشةَ حقّاً. أظهَرَ بحثٌ أٌجرِيَ في ميادين علوم النفس والاقتصاد والاجتماع على مدار عقود، أمثلةً لا حصرَ لها عن حالاتٍ تُثبِتُ نُزوعَ البشر إلى تجاهل المعلومات. وقد نَشرَت مجلة إيكونوميك ليتريتشار جورنال Journal of Economic Literature هذا الشهر مراجعةٌ لعددٍ من الدراسات القديمة التي أجراها باحثون في جامعة كارنيجي ميلون، وتُبيّنُ هذه المراجعةُ مدى تجنُّبِ البشر للمعلومات وبالتالي قيامهم بعملية تحريريّةٍ لواقعهم الذاتيّ بُغيَةَ تعديله بما يتوافق معهم. وبدلاً من تسليط الضوء على جميع الطرق التي لا حصرَ لها والتي تظهِرُ إخفاقَ البشر في البحث عن المعلومات المفيدة بشكلٍ استباقي؛ فإنَّ مُعِدِيّ الورَقَةَ يركّزون على ذلك النمط الواقعي الذي يُظهِرُهُ البشر في تحاشيهم للمعلومات وذلك في الحالاتِ التي يُدرِكُ فيها الأشخاص بأنَّ المعلومات متاحةٌ وأنَّ بإمكانهم الحصول عليها مجاناً، ومعَ ذلك فإنّهم لا يكترثون بها. ومن بين الأمثلةِ التي كشفت عنها الدراسات السابقة حول هذه الظاهرة نَجِدُ أمثلةَ المستثمرين الذين أغفلوا النظر إلى محافظهم الاستثمارية أثناء هبوط سوق الأسهم؛ والمرضى الذين أجروا اختبارات الأمراض السارية ثمَّ امتنعوا عن الحضور لاستلام نتائج الفحوصات؛ وموظّفون لا يأبهون لملاحظات زملائهم حول أدائهم؛ وحتى مَيل الاثرياء إلى تجنُّبِ المرور بأحياء الفقراء مغبّةَ الشعور بالذنب لما يحظون به من امتيازات.

وبعدَ مراكَمَتِهِم العديدَ من الأمثلةِ حولَ تحاشي المعلومات، يُبيّنُ الباحِثون كيفَ طوّرت البشرية مجموعةً من الأساليب المتنوعة في سبيل الإبقاء على الجهل. يُعتَبَرُ ما ذكرناه أعلاه حولَ الامتناع عن مراجعةِ المصدرِ المادي للمعلومات (كما في مثالِ عيادةِ الأمراضِ السارية أو المرور بالأحياء الفقيرة) تكتيكاً شائعاً بهذا الخصوص، كما هو الحال في مسألةِ عَدمِ الانتباه -فمن عادة البشر أن يصرفِون انتباههم حين تُقدَّمُ له معلوماتٍ لا تناسبُ رؤيتهم- ومسألةُ نسيانِ المعلومات غير الملائمة ببساطة.

وعلى الرغم من مَيلِنا اللاإراديّ لتعديلِ الواقع وإخراجه بنسخةٍ تطابِقُ تصوراتنا، إلاَّ أنّه لا يمكن لنا بأيّ حالٍ القول بأننا على ثقةٍ من استيعابنا الحقيقي لكافة المعلومات المتاحة، كما أنَّ لهذا الميلِ فوائده أيضاً. فعلى سبيل المثال، في كثيرٍ من الأحيان تتسبّب المعلومات الصادقة والواقعية بجعلِنا غيرَ سُعداء.

"ثمَّةَ منطِقٌ وراءَ ذلك" وذلك حسبَ ما ذَكَرهُ روسيل غولمان، الأستاذ المساعد في علمِ القرار والعلوم الاجتماعية وأحد المساهمين في إعداد المراجعة. "فأولئك الذين لا يعودون من أجل الحصول على نتائج فحوصاتهم الجينيّة يرغبون بالاستمتاع في حياتهم إلى وقتٍ لا يمكنهم عنده تجاهل مرضهم، كما أنَّ من شأن الشعور المضخّمِ بقدراتنا الذاتية مساعدتنا على السعي إلى تحقيق أهداف كبيرة وجديرة بالاهتمام، وكذلك فإنَّ تجاهُلنا النظر في استثماراتنا المالية أثناء هبوط البورصات ربّما يقينا من مخاطر البيعِ بدافِع الهَلَع."

بإمكان المعلومات أن تجلِبَ معها أخباراً غير سعيدة ومسؤولياتٍ جديدة وأـسباب للقلق أو حاجةً مُرهِقةً لإعادة النظر في الآراء الناجزة. وفي بعض الأحيان، مجرّد التفكير بطريقةٍ مغايرةٍ قد يجعلُنا أكثر سعادةً.

ولسوء الحظّ، فإنَّ هذا التجنّب للمعلومات ذاته هو ما يسمَحُ بتكوُّنِ الفقاعات السياسية وفقاعات وسائل التواصل الاجتماعي، التي نشأت في السنوات الأخيرة والتي يُفضِّلُ فيها الناسُ تجاهُلَ أيّ منظورٍ سوى منظورهم. لدى البشرِ ميلٌ شديد إلى تحاشي المعلومات لدرجةٍ تجعلُ من السهلِ علينا دفن رؤوسِنا في الرمال مقابل عدَمِ تغيير آرائنا أو الانفتاح على الصورة الأوسع لموضوعٍ ما. إلى جانب ذلك، حتى المعلومات الأكثر احتمالاً لإحباطنا (كالنتائج الطبيّة) ربّما تكونُ على درجةٍ بالغةٍ من الأهمية والفائدة. صحيحٌ أنَّ الجهل قد يكونُ نِعمةً أحياناً، إلاَّ أنّه مِضِرٌّ في أغلب الأحيان.     

     

 ----------------------

الكاتب:

(Olivia Goldhill): كاتبة متخصّصة في قضايا الفلسفة وعلم النفس

 

علِّق

مقالات المترجم