عدد القراءات: 5633

أمَّةٌ يحكمها الأموات لابد أنها ميتة

 

بعدما فرغتُ من قراءة مقال الدكتور محمد حبش حول فتاوى ابن تيمية، وأعدتُ القراءة مرتين مستمتعاً بما حمله الطرح من جرأة ومُباشرة وفي الوقت ذاته البراعة والذكاء في انتقاء الكلمات والاستشهاد بالحاضر والتاريخ والدين والقرءان، انتقلتُ إلى قراءة التعليقات على مقاله يحركني في ذلك فضولٌ شديد في استطلاع ردود الأفعال وحجج النقاد الذين هم لابد كثيرون أمام مثل هكذا طرح جدلي....

وإنّي أكذِبُ لو قلتُ أنَّني تفاجأتُ بالمحتوى المعرفي الفقير في ردودِ معظم النقاد المدافعين عن ابن تيمية وطروحاته التكفيرية، لأنَّهُ من السذاجةِ بمكان أن ننتظر ردوداً عقلانية مفعمة بالحجج والأدلة أو نقاشاً علمياً منطقياً أو أسلوباً مهذباً راقياً في النقاش من أشخاصٍ يتبنون طروحاتٍ إجرامية لو عمل بها العالم اليوم لطافت قارَّاته الستة بأنهارٍ من الدماء!

 

إنَّهُ لمنَ المؤسِفِ أن يغيب المنهجُ القُرءاني في النقاش ودراسة الأفكار ونقدها، منهجُ {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}، وهو أروع وأرقى منهج عرفته البشرية في البحث والدراسة والنقد والتعلُّم والتفاعل وبناء القناعات وإطلاق الأحكام، وأن يسود مكانه منطق فرعون عندما سألَ نبيَّ الله موسى: فما بالُ القرونِ الأولى..؟؟!!! لماذا لم يقل أحدٌ بقولك؟!! من أنت لتخالف فُلان؟؟!!! من أنت لتخرج عمَّا أجمعت الأمة عليه..؟؟!!
عندما قرأتُ تعليقاً يقول: من أنت لتنتقد هذا العالم؟ تداعت إلى ذهني عبارة القذافي الشهيرة "مَن أنتم"، فهي تلخِّصُ ثقافة أُمَّةٍ أدمنت الاستبداد الفكري وإلغاء الآخر

 

من عجائب القُرءان الكريم وحكمته البالغة أنَّهُ تعامَلَ دائماً مع مفهومِ الأكثريَّة كمفهومٍ مذموم، فارتبطت كلمة "أكثرهم" و"أكثر الناس" بكلمة "لا يعلمون" أو "لا يعقلون" أو "لا يشكرون" أو "يجهلون" "للحقِّ كارهون"، لأنَّهُ قول الله الحق، ولأنه كتابُ الله المسطور الذي يطابق في روحه ومحتواه المعرفي آيات الله المنشورة في الكون وفي الآفاق وفي الأنفس، فيحيطُ علماً بسايكولوجية الأفراد والجماعات، ويضع توصيفاً دقيقاً لظاهرة "الدهماء" التي تنطلق من مبدأ كون غالبية الجماهير في كل زمان ومكان وفي جميع المجتمعات متعصبة لتراثها وعاداتها وتقاليدها وقناعاتها تعصباً أعمى، وتتعامَلُ بشكلٍ حَذِرٍ ومتحفِّظٍ جداً مع كل جديد خوفاً من أن يؤدّي تبنِّيه إلى زعزعة الاستقرار والأمان النفسي للأفراد أو تفكُّك المنظومة القيميّة للمجتمع وانهيار عقده الاجتماعي، ولذلك يتم رفض هذا الجديد رفضاً أعمى، وتصبح حتى الحجج والأدلة الصارخة عاجزةً عن إحداثِ تغييرٍ يُذكَر

 

والقُرءانُ لم يشخِّص المشكلة إلَّا وجاء بحلٍّ شافٍ لها، فلكُلِّ داءٍ دواء. إنَّهُ ليس من المصادفة أن القُرءان يأمرنا باتِّباعِ مُلَّةِ النَّبي إبراهيم دوناً عن جميعِ الأنبياء، فقصَّةُ هذا النبي تحكي ثورةً على المفاهيم الآبائية الموروثة، وتحدياً للفكر السَلَفي التقليدي الاتِّباعي، وتحطيماً لأصنامِ الشرك والخرافة، وأنموذجاً عظيماً في سلوكِ منهجٍ علميٍّ في البحث والتدبُّر يقومُ على الشك المنطقي والمقارنة العقلية بين المفاهيم والأفكار بالاستناد إلى الأدلة والحجج والبراهين
هذا هو المنهج الذي تطور به العلم، وتطورت به الحضارات، وتطورت به البشرية. وهذا هو المنهج الذي متى ما تركناه تراجعنا إلى مؤخرة الأمم والشعوب، ومن المؤسف أن نجد هذه العقلية المناقضة لأوامر الله والقرءان تهيمن على ثقافتنا نحنُ تحديداً وتصرخ معلنةً عن نفسها في تعليقاتٍ على مقال يفتح عيون الناس على ٤٢٨ فتوى وردت فيها عبارة يستتاب أو يقتل، لتدافع عن تلك الفتاوى بطريقةٍ غوغائية لا منطق علمي ولا احتجاج منطقي فيها
ولمَّا انتبهتُ أنّي نسيتُ نفسي في زحمة الأفكار وانشغلتُ بالقراءة عن صديقي الأوكراني الذي يجلس بجانبي، تداركتُ الموقف بحرج وشرحت له بشكلٍ سريعٍ ومختصر عن الموضوع وأهميته، فقال لي ببراءة: لكنني لم أفهم في الواقع لماذا تجِدُ في المقال جرأة وشجاعة استثنائية! عالِمٌ من الحاضر كتب مقالاً ينتقد فيه عالماً من التاريخ! هذا يحدث دائماً، ومن ثم لا أفهم كيف يمكن أن يكون شخص لديه مثل هذه الأطروحات يسمَّى عالِماً وليس مجرماً! أنا أيضاً لا أفهم أن يكون هناك موجةُ غضب أو اعتراض على هكذا مقال أراه أساساً يفنّد البديهيات وينقدُ أفكاراً لا يمكن أن أتخيل أنَّ مجتمعاً عاقلاً بالحد الأدنى يمكن أن يقبل بها وليس أن يدافع عنها!!

 

فصديقي هذا لم يجد الدكتور حبش شجاعاً لأنه لم يستطع أن يتخيل خطورة المشكلة وحساسيتها وتعقيدها، ولم يستطع أن يفهم كيف يمكن أن تسمى طروحاتُ ابن تيمية علماً وليس إجراماً، ولم يستطع أن يستوعب أن هناك من يدافع عن ابن تيمية وطروحاته في القرن الحادي والعشرين لأنه لا يمكن أن يتخيل كيف يحكُمُ الأمواتُ من قبورهم أمتنا ويسيطرون على عقولنا لتعرض حتى عن البرهان الجلي والفطرة السليمة والنص القرءاني الواضح والصريح والمحكم...

 

أمَّا آن الأوانُ لنحمل فؤوسنا معاً ونضرب كل صنمٍ يحولُ بيننا وبين ربنا وفطرتنا وعقولنا وإنسانيتنا..؟؟!!!
آما آن الأوانُ لنتحرر من هيمنة التاريخ والتراث وأحكام الجاهلية..؟؟!!!!
أما آنَ الأوانُ لنصبح مُسلمين حنفاء بكل ما تحمله الكلمة من معنى....؟؟؟!!!!

التعليقات

لم اقرأ مقال محمد حبش ولا فتاوي ابن تيميةوانا على الاغلب كما يقول كاتب المقال من فقراء المعرفة ولكن كأني فهمت بأن هناك شخصان واحد كفر النصيرية ودعا لقتلهم( ابن تيمية) وواحد يقول بان هذا الكلام خطأ وليس من الدين في شيء. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كم كان عدد النصيرية عندما افتى ابن تيمية بقتلهم؟ هل سمع احد كلام ابن تيمية ونفذه؟ كم قتل النصيرية من المسلمين منذ استلام حافظ البغل الى الآن؟ كم قتل النصيرية من المسلمين في زمن القرامطة؟ اذا اتيت بطفل في الصف الثاني ابتدائي وطلبت منه مقارنة عدد ماقتل النصيريين من المسلمين بعدد النصيريين الذي افتى ابن تيمية بقتلهم ولم يطعه احد لوجدنا ان عدد ماقتل من المسلمين يساوي اضغاف اضعاف ما افتى ابن تيمية بقتلهم ولم يطعه احد يا اخي منشان الله كرهنا كل الاسماء يلي كانت على زمان حافظ وبشار وهلق جاية تدور على بيعة او شروة من سوق السياسة والبحث عن ادوار جديدة بلباس مختلف، لا تقول لي خدام وطلاس. ومفتي منشق ماسك العصاية من النص معهن معهن عليهن عليهن احكي لي عن الناس يلي عم تموت كل يوم بإيد يلي عم يدعينا نتسامح معهن ماعاد بدنا نسمع شركاء الوطن وبطيخ مبسمر

ابن تيمية فقيه كبير و له فضائل كثيرة ومنها اجتهاده في قضية الوصية الواجبة... لكن عين الرضا عن كل عيب كليلة و عين السخط تبدي المساوئ...لم يذكر محمد حبش سوى ماخذ على الرجل و اينا كامل الاوصاف؟؟؟؟ لكنه اهمل كل فضائل الرجل لسبب بسيط ان ابن تيمية يعتبر استاذ السلفيين اما حبش فمن التيار الصوفي.... و من التيار الذي سار بركاب البعثيين ردحا من الزمن

علِّق