عدد القراءات: 6776

أطروحات في فهم القوى السورية الثائرة للسياسة

إن القوى المعادية للنظام السوري بمجموعها لا يمكن وصفها بكلمة معارضة، إذ لم يعد الأمر يتعلق بمعارضة لنظام قائم بل صار في الحقيقة يتعلق بثورة شعبية انقلبت إلى حرب ضد النظام، ودخل في الحرب مجموعة من القوى الدولية التي تساند هذا الطرف أو ذاك بدرجات متباينة من المساندة، وحسب أجندات ومخططات وما يخدم كل طرف.
أما القوى المعادية للنظام السوري بشتى توجهاتها فيمكننا أن نُجمل تحركاتها واستراتيجياتها طيلة السنوات الأربع الماضية بالنقاط الآتية:
1-  يجمع هذه القوى هدف القضاء على النظام القائم؛ ولكننا هنا أيضاً لا نكون دقيقين في الحديث عن "نظام قائم" بالمعنى الذي كان موجوداً قبل عام 2011 ، ذلك أن هذا النظام "غير قائم" إلا على جزء من الأرض السورية، وبهذا المعنى يكاد يتحول إلى قوة من مجموعة من القوى التي تسيطر على الأرض السورية (التي هي بدورها صارت عرضة للتساؤل عن حدودها وقابليتها للاستمرار كوحدة سياسية – ديمغرافية). يمتاز النظام مع ذلك عن القوى الأخرى بأنه لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية متماسكة تعد الأفضل تنظيماً وتسليحاً بالمقارنة مع القوى الأخرى الموجودة على الأرض، علاوة على ذلك لا يزال مسيطراً على جهاز الدولة بفروعه المدنية والأمنية، مما يجعله عملياً في حالة دولة محاربة تعتورها مع ذلك صفات من صفات الهيمنة الميليشيوية لقوى لم تعد تخضع تماماً لقوة مركزية واحدة، ولا سيما إن تذكرنا وجود ميليشيات غير سورية مساندة للنظام جاءت من لبنان والعراق.


2- لا يزال خطاب القوى الثائرة مصراً على البقاء ضمن ما كان مندرجاً تحت وصف "الواقعية الثورية" ربما حتى نهاية عام 2012، ووفقاً لهذا الخطاب يعدّ كل حديث عن مفاوضات لحل سياسي مداً لحبل النجاة لنظام يسير بدون شك نحو سقوط وشيك، والسياسي إن بقي ضمن تصورات مرحلة مضت وانقضت يمكن أن يرضي أوهام الرأي العام، ولكنه في المقابل يدفع نفسه والكتلة الجماهيرية المرتبطة به نحو تدهور متزايد، ينتج عن المفارقة بين البنية الفوقية للخطاب السياسي والبنية التحتية للقوى المتموضعة على الأرض والفاعلة فيها، فما هو موجود على أرض الواقع أن ما يقرب من نصف الشعب السوري تحول عملياً إلى وضع نزوح كارثي، وخرج بهذا من المعركة ولم يعد قادراً على الفعل لصالح أي من الفريقين، وبقي جزء من الشعب تحت هيمنة النظام القديم ، فيما الجزء الأخير يعيش في أصعب الظروف تحت هيمنة قوى مسلحة كثير منها لا يمتلك قراراً سياسياً مستقلاً عن القوى الخارجية التي تموله وتدعمه، وأما داعش التي قد نتفق على مسؤولية النظام وقوى أخرى عن ظهورها وتقويتها، فإنها واقعياً صارت الآن قوة أساسية فاعلة تقف على عداء مع التحالف الغربي – العربي الذي تقوده الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه على عداء مع القوى الثائرة الأخرى ومنذ فترة قصيرة يبدو أنها دخلت مواجهة مع النظام أيضاً.


3- ثمة حظوظ معينة للنجاح في فرض حل سياسي على النظام إن ضمنت روسيا (وإيران) الحد الأدنى من مصالحهما، وهما تستفيدان من انتهاء حرب استنزاف تجري في ظل أوضاع اقتصادية غير ملائمة لهما كلتيهما، وللقوى الغربية في المقابل (وربما تركيا معها) مصلحة أيضاً في الحد من نفوذ قوى الغلو والتطرف التي تهدد توازنات القوى في دول الخليج وفي الأردن ولبنان، وينبغي أن نذكر القوة الأساسية والأقوى في المنطقة والتي آثرت أن تبقى قوة صامتة لا يسمع أحد صوتها مع أن لها كل الأهمية بسبب نفوذها المطلق على الإدارة الأمريكية ألا وهي الكيان الصهيوني، وفي اعتقادي أن هذه القوة بالتحديد هي صاحبة المصلحة في استمرار الفوضى ونزيف الدماء في سوريا والعراق، وهي تتخذ من شعار (إذا بدأ عدوك بتدمير نفسه فلا تقاطعه) منهجاً لها في التعامل مع الوضع السوري، إذ هو الوضع الملائم لها لتصفية جزء كبير من قوة حماس، ولتتابع بدون إزعاج مشروع الليكود وأقصى اليمين الصهيوني في تهويد ما تبقى من القدس والضفة الغربية نحو هدف بسط الطابع اليهودي الأحادي على كل فلسطين التاريخية (وليس على فلسطين المحتلة عام 1948 فقط).


4- إن رفض مباحثات موسكو في ظل هذا الموقف الواقعي، لا يدل إلا على مراهقة سياسية وفقدان روح المسؤولية، إذ لم تُظهر القوى الغربية - التي ضللت الشعب السوري وأوهمته أنها في سبيل تكرار السيناريو الليبي طيلة السنوات الثلاث الأولى من عمر الثورة- أية مصداقية في هذا الخط (بغض النظر عن الموقف المبدئي منه).

إن الإصرار على شعارات شعبوية لن يخدم عملياً إلا شد أواصر الجبهة الداخلية والخارجية المؤيدة للنظام، إذ سيبدو لهذه القوى أن المعركة هي بالفعل معركة مصير لا مجال فيها للحلول الوسط.
لن أطرح هنا تجارب غربية، بل سأذكر بالنموذج التركي المجاور حيث استطاعت التيارات السياسية المتعقّلة فرض الديمقراطية بالتدريج على النظام العلماني المتطرف الذي كانت تقوده اتجاهات استئصالية عبر طمأنة القوى العلمانية المعتدلة ضمن النظام على مصيرها في حالة قيام تحول ديمقراطي، ولو كان "الإسلاميون الأتراك" سيبقون مصرين على شعار سحق كل علماني في تركيا مهما كان موضعه وتوجهه لتماسكت القوى العلمانية والقووى الاجتماعية (المهمة) الداعمة لها في المجتمع، ولما تمكنت الديمقراطية التركية من تحقيق أي شيء

علِّق