No votes yet
عدد القراءات: 1178

آنا موريس: السيدة البرلينية التي لا تتوقف عن المساعدة

الكاتب الأصلي: 
Julia Haak
تاريخ النشر: 
20 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

توقف الوقت عندما وضعت آنا موريس الصورة على الطاولة، يصاب المرء بخفقان القلب إثر مشاهدة الصورة، امرأة تضع طفلاً في حضنها، يدا وساقا الطفل أشبه بأعواد الثقاب أكثر من أعضاء الجسم، الجلد أسود والبطن منتفخ، يمكن لأي أحد أن يرى أن الشخصين اللذين في الصورة هما في منطقة مجاعة في أفريقيا. نظرت آنا موريس إلى الصورة وقالت "جنوب السودان" وعيناها تشعان حيوية على عكس الأم والطفل في الصورة اللذين يصمدان بصعوبة.

تجلس آنا موريس صاحبة السبعين عاماً على طاولة مقهى في (فيلمرس دورف) مبتسمة وهي تذكر عمرها، وكأن ذلك لم يتمكن من تثبيط همّتها على الإطلاق. منذ ما يقارب الأربعين عاماً تسافر آنا إلى مناطق الأزمات في العالم وتساعد الناس المحتاجين وخصوصاً الأطفال. لم تكن آنا قد حصلت على التدريب الطبي بعد، ومع ذلك كانت -ومنذ البداية- مع مبادرة أطباء الطوارئ (روبرت نويدك) على سفينة (كاب أنامور) في بحر الصين الجنوبي، ولاحقاً مع منظمة (أطباء بلا حدود) في العديد من البلدان الإفريقية والعربية والآسيوية التي تركت الحروب والزلازل آثاراً كارثية فيها، وبالطبع ليس هناك ما يعيق آنا فهي تنوي الذهاب مرة أخرى في نهاية شهر شباط.

 

تركت موطنها في السادسة عشرة من عمرها

يستغرق المرء القليل من الوقت ليفهم كيف حصل ذلك، تقول آنا موريس خلال المحادثة: "أنا أفعل هذا من أجل الناس ليس من أجل المال، لكنني لست الأم تيريزا، أنا واحدة من هؤلاء الناس"، واحدة منهم، تقصد من إفريقيا. آنا موريس قادمة من أرتيريا حيث تركت موطنها منذ عام 1969 وعاشت في برلين، لكن ربما على المرء أن يذهب إلى موطنها ليستطيع أن يفهم لماذا كرست حياتها لمساعدة الناس الآخرين.

ولدت آنا في عام 1946 في مدينة على الحدود الأثيوبية وارتادت مدرسة إيطالية، وذلك ليس غريباً في البلد الذي كان مستعمرة إيطالية سابقاً، في ذلك الوقت كان هذا البلد يعتبر مقاطعة من الإمبراطورية الإثيوبية.

في بداية الستينات اندلعت حرب الاستقلال التي استمرت 30 عاماً ودمرت البلاد، فاضطرت آنا إلى اللجوء إلى إيطاليا في الوقت الذي كانت فيه في السادسة عشرة من عمرها.

كان هناك تحولات كبيرة في حياتها، ففي إيطاليا كانت تعتني بأطفال العائلات الثرية، ومن ثم تزوجت إلى إنجلترا، أنجبت بعد ذلك طفلاً وحصلت على الجنسية البريطانية. تقول آنا "في وقت ما كانت حياتي كربّة منزل مملة جداً، كنت صغيرة عندما غادرت بلدي، ولم تكن لدي أدنى فكرة عما يجب القيام به، زوج، منزل، طفل، كلب، حياة لا مبالاة فيها، هذا في الغالب لم يكن الصواب". في عام 1978 غادرت إنجلترا وذهبت إلى سنغافورة، ومنذ ذلك الوقت بدأت حياة آنا موريس الحالية، فهي دائماً في طريقها من مهمة إلى أخرى وأحياناً يمتد المشروع لسنوات عديدة.

أصبحت آنا موريس من قبيل الصدفة "أم لاجئي القوارب الفيتنامية"، استخدمت هذه العبارة عندما كان طبيب الأطفال في مدينة (إيسن) فيرنر شترال يتحدث عنها، شترال يشغل اليوم إدارة منظمة مساعدة الطوارئ (كاب أنامور)، ومن خلال الأصدقاء تعرفت آنا على (روبرت نويدك) عام 1978 الذي أنقذ بسفينته (كاب أنامور) اللاجئين الفيتناميين في بحر الصين الجنوبي، حيث حاول الآلاف مغادرة بلادهم عن طريق البحر في مراكب صغيرة. تقول آنا "كان (روبرت نويدك) ودوداً جداً، لقد كنت صغيرة وليس لدي أي تدريب مهني ولم أكن أعرف شيئاً، لكنني أتيت من أرتيريا البلد الذي يعاني من أزمة، لقد وجد ذلك مثيراً للاهتمام".

على طاولتها في مقهى (فيلمرس دورف)، ضحكت آنا عندما تذكرت كيف كانت ردة فعل أطباء (كاب أنامور)، وقالت "كانوا مضحكين، لقد قالوا: امرأة صغيرة وبدون تدريب مهني، ماذا تفعل هنا؟ لقد كانوا غاضبين"، أزعجها التجاهل لكنها بقيت، وعلى قارب اللاجئين الأول كان هناك الكثير من الأطفال وقد أحبوها كثيراً. "كانوا دائماً ينادونني ماما " تقول آنا، وسريعاً ما أصبحت المسؤولة عن الأطفال على السفينة، وبدّل الأطباء رأيهم فيها. ربما في ذلك الوقت وجدت آنا مهنة لها، وخلال أكثر من سنة عبرت البحر مع (كاب أنامور)، عندها اهتمت منظمة أطباء الطوارئ بأن تحصل آنا على تدريب مهني في (إيسن) لتستطيع أن تكون ممرضة للأطفال.

عملت مؤخراً في مشروع أطباء بلا حدود، وضعت آنا صورة أخرى على الطاولة يظهر فيها أناس يرتدون ستر النجاة، أُخذت هذه الصورة خلال مهمة بعد كارثة فيضان، وفي صورة أخرى مجموعة من الأطفال في ساحة رملية وخلفهم كوخان في أرتيريا. لقد عملت هناك في مشفى لمدة ست سنوات، "جميع الأطفال الذين في الصورة قد ماتوا، لقد قتلوا عندما استخدموا كجنود على الحدود مع أثيوبيا." تقول آنا موريس.

إنها في برلين منذ 2012، وفي السنة الماضية قامت برعاية اللاجئين في (فيلمرس دورف) القادمين من العراق وباكستان والشابات القادمات من أرتيريا. كما قامت آنا أيضاً بالترجمة للنساء السوريات فهي تعرف العديد من اللغات وقد عاشت في سوريا ثلاث سنوات، هناك دائماً عُلقت عبارات لكل مهمة تساعد على التواصل. تضيف آنا "إنه بالفعل عمل اجتماعي"، إنها تساعد في الإجراءات الإدارية والمشاكل اليومية.

 

جيل الشباب الهارب

لدى آنا الكثير من التفهم للناس القادمين من أرتيريا ولكن ليس لديها الكثير لتقدمه لجيل الشباب القادم. كانت الحرب الأهلية في ذلك الوقت شبيهة لما حصل في فيتنام حيث أراد الناس الحرية، تقول آنا "اليوم يهرب معظم الشباب الأرتيريين من الخدمة العسكرية، إنهم يخافون أن يُقتلوا ولا يجدوا آفاقاً مستقبلية، لكن توقعهم إيجاد الذهب في أوروبا غريب، هذا توقع خاطئ". تهتم آنا بالسبب الذي يجعل الناس يخوضون هروباً خطراً. "أنا أيضاً لاجئة وأريد أن أساهم  بشيء، لكن على اللاجئين أن يعلموا أنه من الصعب جداً بناء حياة جديدة هنا في أوروبا".

إنها تعيش في شقة صغيرة مستأجرة ولا ترغب أن يدخل إليها أحد، لقد وجدت للتو شقة صغيرة ذات غرفة ونصف في (نوي كولن). إنه مكان كاف لشخص وحيد لا يتواجد في المنزل كثيراً. كانت الرحلة الأخيرة إلى الهند، لكنها لا تدري إلى أين ستكون الوجهة المقبلة، فهي لا تكلّ أبداً "إنه كالدواء".

 

-------------------------------

كاتبة المقال :

جوليا هاك Julia Haak: ولدت جوليا هاك في هامبورغ في عام 1969 ودرست الأدب الإنجليزي والأمريكي بالإضافة إلى الأدب الألماني الحديث، تعمل في جريدة برلينر منذ عام 1998.

علِّق

المنشورات: 73
القراءات: 552607

مقالات المترجم