عدد القراءات: 5109

هو أحرقنا بالسلاح والنار... ونحن مزقنا النباح والخوار

 

وكأن أربع سنوات من الأهوال لم تكف بعد لتوقظ أدمغة المدجنين على الانجرار خلف أي حملة تدغدغ هستيريا توقنا للحرية... وكأن أربع سنوات من العقبات والنكسات لم تبن حجراً في وعي المتأهبين للجري مع كل تيار يجتاح عتبات مداركنا متأبطاً حمى العشوائية ... وكأن القهر والغدر والامتهان والاحتقان ترك ندباته في أذهان المتوثبين لامتطاء أي صهوة تواسي آدميتهم المسفوحة تحت نصال البربرية...
لم تهدم حقبة الأسود في شعبنا فقط كيان الإنسان، بل سحقت بحوافرها مسوغات وجودنا كبشر وشيدت حول هياكلنا الأسوار والجدران... عزلت عقول البعض عن ملكة التفكير ونسجت لمداركهم من ظلمات أحقادها الأكفان... استهلكت جل طاقاتها في برمجة ماشيتها على إتقان فروض الطاعة والإذعان...
وبينما تمضي العصابة الحاكمة في تفتيت آدمية الشعب المستباح المشرذم، بوغتت بطوفان بشري يخلع الحوافر ويهدم زوايا الاسطبل المحكم... فوجئت بشرارة بركان يلتهم بنيان معبد "الإله المعظم"... استفاقت على هتافات ترجم بحنق مقام القائد المقدس الملهم، فباشرت على عجل نبش مخزون مكائدها للجم الثورة في فؤاد الشعب المنتفض قبل أن يستجمع كيانه المحطم، وراحت تضمد عنجهيتها المطعونة بإعدام قطيع النعاج المتمر د على مرأى العالم الأعور، الأصم، الأبكم... العالم الوقح الذي رفع في حضرة دمائنا النازفة شعاره المقزز "لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم"... 
ولم تكتف العصابة المأزومة بالقتل المجاني للشعب المسحوق تحت حوافر زبانية الجلاد، بل استنجدت بتعويذات أبالستها لتطويق الثائرين بمطرقة الاستبداد وسندان الاستعباد، واستقرت ختاماً على الفهم المبتور للدين شماعة تشفع لمجازرها المتنقلة في أصقاع البلاد... فشرّعت حدودها لمن هبّ ودبّ من صادقين وفاسقين ومغسولي عقول وأوغاد، وهيأت من جحيم فظائعها أرضاً خصبة للمحقونين لاحتضان أي قادم يجسر على اقتلاع أوتاد الاضطهاد... وشيئاً فشيئاً كشف الموتورون عن وجههم القبيح واختطفوا تضحيات شبابنا تحت عباءة الجهاد... فاتشحت رايات ثورتنا المغدورة بحلكة السواد... وخلعت أعلامنا المشرقة ألوانها وارتدت ثوب الحداد... وتقاطرت التجاوزات تفضح همجية المستحاثات المتربصة بأنفاس العباد... فبتنا نرى "الزانية" في هلوساتهم المتخبطة تعدم على رؤوس الأشهاد... وأصبحنا نشهد معتقدات شركائنا في الوطن تسفح تحت مقصلة الكفر والإلحاد... ورحنا نصعق بتهديد ناشط في مخيمات اللجوء اللبنانية لتنظيمه احتفالاً طحن في خبيث جزئياته الأضداد... احتفالاً خلط في تأدية فقراته المتواترة البنات بالأولاد... نشاطاً رمى في شيطان تفاصيله نشر الفاحشة والفساد...
أما منتسبو داعش فحدث ولا حرج، فلهم شريعتهم المتفردة لتقويم من لايزال به عوج... لهم من تشوهات جهلهم ما يكفي لوصم أتباع محمد بالبربر بالهمج ... لهم أحكامهم الجهنمية لإخضاع عبيدهم متذرعين بساقط الحجج...  والمؤسف أن يتيه صراخ المتنورين في خضم المحرقة التي تتغذى من نزاعات المتصارعين لتستعر وتتجدد... فما إن يصرخ موجوع منهم: " فانية وتتبدد "، حتى يقفز شبيحة الدولة ليخنقوا نداءه بزعيقهم الملتهب: "باقية وتتمدد"...
المؤسف أن الكثير من الحمقى استمرؤوا هذه الشعارات واعتبروها إرهاصات ولادة خلافة نظيفة من تراكمات السفور والفجور... المؤلم أن من نشأوا بين جنبات الإسلام المتسامح هجروا جوهره وتمسكوا بالفتات والقشور... المحزن أن يهضم هؤلاء المعتدلون بيسر هذيان المتشددين بينما يطعنون بلد الحضارة ويختزلون مجدها بهيكل الماخور... 
وتبقى لنا التساؤلات تتزاحم في جحيم الحرب المفتوحة على التهجير والتكفير والقتل والسحل: هل في وارد هؤلاء المتشبثين بأوهام المستحاثات أن الإسلام دين حكمة وعقل لا دين حمية وجهل؟... دين أخلاق ورحمة لا دين فظاظة ونقمة؟... هل تفكروا في آيات "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"؟... هل تدبروا آيات "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"؟... هل قرأوا تفسير "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون"؟...
ومن ضمن ما تبقى لنا أيضاً تساؤلات الانتظار معجونةً بظرف "متى" المتشبث بإزار حلمنا خشية أن يضيع... متى ينجلي الظلام عن عقولنا؟... متى يخجل من تجمده الصقيع؟... متى نهدم أصنام جهلنا؟... متى نعتزل ثقافة القطيع؟... متى يتسلل النور على ندبات جراحنا؟... متى نستحق  تباشير الربيع؟ متى يتسلل النور على ندبات جراحنا؟... متى نستحق  تباشير الربيع؟...

 

* يارا مطر، هو اسم وهمي لفتاة سورية من الداخل، تخفي هويتها لدواعٍ أمنية

علِّق