عدد القراءات: 3425

هل نضجت الطبخة؟

 

* نصر اليوسف

 

المنظرون، والمحللون السياسيون، المرتبطون بـ"التحالف المناهض للشعب السوري"، مهما تفننوا واجتهدوا وعصروا أفكارهم، لن يستطيعوا أن يقنعوا عاقلاً بأن "الزيارة السرية" التي قام بها رئيس العصابة العائلية ـ الطائفية إلى الكريملين، تحمل في طياتها أي شيء إيجابي له ولعصابته.
ذلك أن تلك الزيارة، من بدايتها وحتى نهايتها، كانت مشبعة بالمواقف المذلة والمهينة؛ ولتوضيح ذلك، يكفي أن نبرز النقاط التالية:
ـ صيغة الزيارة: الرئيس الروسي قال بصريح العبارة إنه هو الذي "دعى" (والأصح "استدعى") بشار. وأكبر دليل على أن بشاراً "استدعي" ولم "يُدعَ"، يتمثل في أنه جلس في قاعة الانتظار ينتظر وصول مضيفه. وهذا ما يتنافى مع كل القواعد البرتوكولية والأعراف الدبلوماسية.
ـ الطابع السري للزيارة؛ إذ أن أحداً لم يسمع بالدعوة، كما لم يعرف أحد بالزيارة قبل انتهائها. صحيح أن رؤساء دول عظمى قاموا بزيارات سرية لأفغانستان والعراق. لكن الأمر مختلف تماماً، فالرؤساء المعنيون زاروا دولاً تعيش حالة حرب، وهي محتلة من قبل جنودهم، ولهذا فإن السرية والحذر مطلوبان.
ـ تشكيلة الوفد: بشار استدعيَ وحيدا فحـَضـَر لـيـلاً، ودون أن يرافقه أحدٌ؛ لا رئيس وزراء، ولا وزير خارجية، ولا وزير دفاع، ولا حتى من يُعتبرون من عظام الرقبة، مثل بثينة شعبان، وعلي مملوك.


ولدى الانتقال من الحكم على الزيارة من حيث الشكل، إلى البحث في المضامين المحتملة لها، يجب أن نعود إلى الوراء.
ففي 30/6/2012، وضعت "مجموعة الاتصال حول سوريا" خطة لمعالجة الأزمة السورية، أصبحت تُعرف بـ"جنيف ـ1". وقبل أن يجف الحبر الذي كتبت به هذه الخطة، ظهر تباين كبير بين تفسير روسيا وتفسير الولايات المتحدة لبنودها. إذ أن روسيا كانت ولا تزال تعطي الأولوية لما يسمى بـ"محاربة الإرهاب" على أن يتم بعد ذلك تشكيل ما يسمى بـ"هيئة حكم انتقالية". وكل الاجتماعات والمؤتمرات والزيارات التي أعقبت وضع تلك الخطة، لم تفلح في إقناع الروس بتغيير الأولويات.
يجب الإقرار بأن تشتـُّتَ القوى المسلحة العاملة على الأرض، وتشرذُمَها، وتبايـُنَ أهدافها، واختلافَ ولاءاتها، مثلت عقبة كؤوداً على سبيل تشكيل جسم مسلح ذي مرجعية واحدة. وهذا الأمر بدوره انعكس سلباً على الأداء السياسي لما يسمى بـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، الذي حالَ أداؤه الفاشلُ والمخزي دون تشجيع ما يسمى بـ"أصدقاء سورية" على المضي قدما في نزع الشرعية عن بشار وعصابته.


ونتيجة لذلك، احتفظت "العصابة" بصفتها الشرعية، وبالتالي؛ أصبح كل دعم عسكري يأتي بطلب منها ـ شرعياً، وأصبح التدخل عسكريا بهدف الإطاحة بها يمثل خرقا للقانون الدولي.
وانطلاقا من هذا الواقع، استمر الروس في تقديم شتى أنواع الدعم العسكري ـ التقني للعصابة الأسدية، وشكّل الولي الفقيه ـ في طهران ـ تحالفاً طائفياً متماسكاً، قدم دعماً عسكرياً ومادياً قوياً جدا للعصابة الأسدية. وظل هذا الدعم الإجرامي قانونياً من الناحية الشكلية.
وعندما فشل التحالف الطائفي في الصمود أمام زحف القوى الثورية المسلحة، وجد الروس أن مصالحهم في البحر الأبيض المتوسط أصبحت على كف عفريت، لهذا بدؤوا يعدون للتدخل العسكري المباشر. وتمهيدا لذلك استدعى الروس الجنرال قاسم سليماني في يوم 24 تموز/يوليو 20015 ليضعهم في تفاصيل الواقع الميداني، ذلك أن سليماني هو "القائد العام" الفعلي للجيش والقوات المسلحة في الجمهورية العربية السورية.
عمل المهندسون الروس بصمت على تحويل مطار حميميم إلى قاعدة عسكرية لهم. وعندما أصبحت المدارج والمهاجع والمستودعات جاهزة، أوعز بوتين لبشار بأن يطلب المساعدة العسكرية، إضافة إلى المساعدة العسكرية ـ التقنية.
وفي الـ30 من أيلول/سبتمبر الماضي، شنّ الطيران الروسي أولى غاراته في سورية....وكل ذلك ضمن أطر القانون الدولي.


أدى التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية إلى تحريك العمل الدبلوماسي. فإذا بالأمريكيين والفرنسيين والأتراك يقبلون بدورٍ لبشار خلال الفترة الانتقالية، وإذا بالتفسير الروسي لـ"جنيف ـ1" يتصدر المشهد. وإذا بالروس أنفسهم يعترفون بوجودٍ "ما" للجيش الحر، بعد أن كانوا يعتبرونه سراباً، وكانوا يعتبرون "كلَّ من يحمل السلاح في وجه الدولة إرهابياً".
وبالعودة إلى البداية؛ إلى الزيارة السرية المهينة لرئيس العصابة الأسدية، نلفت إلى أنها جاءت بعد زيارات قام بها إلى موسكو عدد من قادة الدول المنخرطة انخراطاً مباشرا في القضية السورية، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة الإسرائيلية ـ بنيامين نتانياهو، وبعد مشاورات أجراها المبعوث الرئاسي الروسي ـ ميخائيل بوغدانوف مع ممثلي الجيش السوري الحر، ومع لجنة متابعة تنفيذ مقررات مؤتمر القاهرة، ومع الأمين العام لجامعة الدول العربية، ومع وزير الخارجية المصري، ومع المسؤولين الأتراك. كما أنها جاءت عشية اجتماع في فيينا لوزراء خارجية روسيا والولايات المتحدة والسعودية وتركيا.
وإذا ما أخذنا بالاعتبار صيغة الزيارة، والظروف المحيطة بها، نستطيع أن نقول بشيء من الثقة إن الأمور ستسير وفق السيناريو الروسي، الذي يقتضي تحسين الموقف الميداني لقوات التحالف المناهض للشعب السوري، ثم فرض صيغة للحل تقضي بأن لا يموت ذئب العصابة ولا تفنى غنم الشعب

علِّق